كورونا البعد اللغوي
السلفية اللغوية - "الجائحة" أنموذجًا
د. أحمد فتح الله
لاحظت خلال الأيام القليلة الماضية انبرى بعض الكتاب في تخطئة تسمية الوباء العالمي بسبب فيروس كوفيد - 19 بالجائحة، تحت معيارين: لغوي واصطلاحي، واتهام اللغويين العرب بالتقاعس وعدم الاهتمام بهذا الخطأ. معياريّ التخطئة أوجزهما ثم أرد عليهما:
1- كلمة جائحة في التراث اللغوي العربي، ليست لها علاقة بالأوبئة،
2- في الإصطلاح: هي ما أذهب الثّمر أو بعضه من آفة سماوية،
3- المصطلح اللغوي له انعكاسات على بنية الوعي والفهم، مثلًا مصطلح التاريخ في الثقافة الغربية، ليس له دخل في عملية تحقيب الحوادث التاريخية وتدوينها كما هو عند العرب، وإنما إعمال العقل لتقصي حقيقة حدث أو موقف حدث في الماضي،
4- «الجائحة»، مفردة ثقيلة على القلب واللسان، وليس لها أي دلالة ولا معنى، وهي غريبة حتى على المتخصصين العرب في علم الأمراض والأوبئة.
ما يخص الأشكال رقم واحد واثنين:
نعم، تتفق المعاجم اللغوية العربية على أن الجائح أو الجائحة تختص بالجراد والجفاف، والحريق اللتي تهلك النَّبَاتَ وَالزَّرْعَ وَالأَشْجَارَ، والماشية، التي يُطلق عليها المال. لكن:
1- كما تأتي مخصصة تأتي عامة، أي على الاطلاق، مثلًا:
أ. أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ: أي بَلِيَّةٌ، تَهْلُكَةٌ، دَاهِيَةٌ. «المعجم: المغني»
ب. مصيبة «المعجم: الرائد»
2- تحت اجتاح: نقرأ ما يلي، كما في معجم المعاني:
اِجتياح: اسم، مصدر اِجْتَاحَ، يجتاح، اجتحْ، اجتياحًا، فهو جائح، والمفعول مُجتاح
اِجْتَاحَ الجَرَادُ مَنَاطِقَ الجَنُوبِ: أهْلَكَهَا، اِسْتَأْصَلَهَا
اِجْتَاحَتْ مَوْجَات البَرْدِ القَارِسِ كُلَّ البِلادِ: عَمَّتْهَا «معجم المعاني»
اجتاحت السُّيولُ الأراضي: اكتسحتها وغمرتها
اِجْتَاحَتِ الجُيُوشُ االبِلاَدَ: غَزَتْهَا، اِحْتَلَّتْهَا، عَاثَتْ فِيهَا فَسَاداً وَخَرَابًا
اِجْتِيَاحُ البِلاَدِ: دُخُولهُا غَصْباً وَقَهْرًا، اكْتِسَاحُهَا
في السياسة: قيام إحدى الدول بالدخول عنوة إلى أراضي دولة مجاورة.
«المعجم: اللغة العربية المعاصرة»
3- اللغة كائن حي، فهي تتغير وتتطور، لذا هناك عناوين متعددة لهذه الظاهرة؛ وقد عُرف هذا الموضوع بعناوين كثيرة منها: «التغيّر اللغوي» و«التطور اللغوي»، و«تغيّر المعنى»، و«التطور الدلالي»، وأضحى أحد أهمّ موضوعات «علم الدلالة». كلمات اللغة، أي لغة، كاللغة العربية، تمر في تاريخها في أحد أنواع التطور، ما يهمُّنا هنا الثلاثة التالية:
توسع المعنى «Expansion of Meaning»، وهو انتقال معنى الكلمة من خاصٍ إلى عام، فتشير إلى معنى أكبر مما كان لها في السابق، ويصبح مدلولها أوسع من ذي قبل، ويكون المعنى السابق أخصّ من المعنى الحاضر، مثلًا، كلمة ”الفردوس“ في القرآن، هو: أعلى درجة في الجنة، أو أفضل مناطق الجنة، لكن
العرب تستخدم كلمة ”الفردوس“ على أنها مرادفة لكلمة ”الجنة“، أي على جميع درجات الجنة؛ مما يشير إلى توسع دلالتها في الاستعمال المعاصر، من ”أعلى مكان في الجنة“ إلى ”عموم الجنة“.
ويقابل ”توسع المعنى“، تضييق المعنى «Narrowing of Meaning»، وهو تحويل دلالة الكلمة من المعنى الكُلِّي إلى المعنى الجزئي أو تضييق مجالها السيمائي، أي تحديد معاني الكلمات، وتقليلها، وتخصيصها، فيكون المعنى السابق أعمّ من المعنى الحاضر، فهذه النقطة تماماً خلاف الأولى.
ويقابل الإثنين: ”نقل المعنى“ «or Meaning Transfer، Change of Meaning» وهو انتقال الكلمة إلى معنى جديد معادل في النسبة للمعنى السابق، فالمعنيان «السابق/ والحاضر» هنا متساويان، وليس هناك أعمّ أو أخصّ. مثل، كلمة سيارة، قطار، و”فاتحة“ في العرف الاجتماعي في دول الخليج، وخاصة في المناطق الشيعية فيها. «من أراد المزيد في هذا الموضوع يقرأ مقال العلامة الأستاذ المتميز علي الموسى، بعنوان ”مقارنة بين الاستعمال اللغوي المعاصر والمعاني القرآنية“، في شبكة مزن الثقافية - 27/12/2015م، أو/و الرجوع إلى محاضرتي بعنوان ”النظرية المعجمية: تطبيقات اجتماعية وتراثية“ في منتدى الثلاثاء الثقافي، https://www.thualath.com.article/1272
فعلية كلمة ”جائحة“، هنا أخذت التطور الأول، أو طُوِّرت لأنها الأنسب في غياب كلمة عربية لهذا الغرض، ولضرورة التسمية السريعة وأهميتها، كما بينا في مقال سابق في هذه السلسلة. أمَّا من قام بتسمية وباء كورونا بالجائحة، كترجمة موفقة للمفردة الإنجليزية «Pandemic»، هو منظمة الصحة العالمية، ممثلة في مكتبها الإقليمي للشرق الأوسط، والمعجم الموحد عندها. وتمت عام 2005م، أو قبل ذلك وليس عام 2020م، «انظر: فقرة ”الملاحظة الأولى: المصطلح قديم وليس وليد كوفيد - 19“، أدناه».
ما يخص الإشكال رقم ثلاثة:
باختصار شديد، نعم، مصطلح ”التاريخ“ «history» تطور من فعل يوناني قديم يعني ”أن تعرف“ «to know»، كما يقول فيليب دوركين «Philip Durkin» من قاموس أوكسفورد للغة الإنجليزية «Oxford English Dictionary» كانت الكلمة اليونانية ”هيستوريا“ «historia» تعني في الأصل ”الاستفسار“ «inquiry»، و”البحث عن المعرفة“، وكذلك ”المعرفة التي تنتج عن الاستقصاء“. ومن هناك كانت قفزة قصيرة لسرد الأحداث التي قد يضعها الشخص من خلال ”الاستفسارات“، ما قد نسميه القصص «stories»، «انظر مقال: ”هذا هو المكان الذي تأتي منه كلمة التاريخ“ «This Is Where the Word 'History' Comes From» لـ كاتي شتاينميتز «Katy Steinmetz» في مجلة ”تايم“ «Time»، تاريخ 23 يونيو 2017م». بمعنى آخر تطورت كلمة التاريخ لتعني ما يعنيه العرب وغير العرب بها الآن. ولا داعي للتفاصيل هنا.
ما يخص الإشكال رقم أربعة:
أقول: الحكم على أي مفردة حكمًا نفسيًّا انطباعيًّا مثل ”ثقيلة على القلب واللسان“، هو حكم اعتباطي مبني على شعور غير موضوعي وشخصي ويحتاج إلى دراسة متخصصة تحت ما يسمى دراسات الاتجاه «Attitude Studies»، ومعرفة درجة الانبطاع «Attitude Scale».
وقد قمت بعمل دراسة ابتدائية استكشافية «pilot study» على عينة عشوائية تكونت من 65 شخص، وكانت النتيجة كالتالي:
حوالي 61 في المئة «61,54%» لا يرون كلمة جائحة ثقيلة على القلب واللسان، مقابل حوالي 39 في المئة «38,46%» تراها كذلك. مع ملاحظة تعليقات بعض الفئة الأولى أنهم في البدء كانوا فعلًا يرونها ”ثقيلة“ لكن بمرور الزمن وكثرة السماع ما عادت ”ثقيلة“ عندهم، وهذا أمر متوقع ومتفهم.
حوالي 79 في المئة «78,46%» ترى أن لها دلالة ومعنى، مقابل حوالي 21 في المئة «21,54%» ترى أن ليس لها دلالة ومعنى.
ملاحظات مهمة
وبعد كل ما سبق، هناك ثلاث ملاحظات:
الملاحظة الأولى: المصطلح قديم وليس وليد كوفيد - 19
في معجم أكسفورد لعلم الأوبئة «A Dictionary of Epidemiology، Oxford University Press، 2008، الجائحة هي وباء ينتشر على نطاق شديد الاتساع يتجاوز الحدود الدُوليَّة، مؤثرًا - كالمعتاد - على عدد كبير من الأفراد. وفي المعجم الطبي الموحد لمنظمة الصحة العالمية تجد كلمة pandemic الإنجليزية مترجمة إلى ”جائحة“.
ظهر عبر التاريخ العديد من الجوائح مثل الجدري والسل، ويعتبر الطاعون الأسود أكثر الجوائح تدميرًا؛ إذ قتل ما يزيد عن 20 مليون شخصًا في عام 1350م. ويشتهر من الجوائح الحديثة: فيروس نفقص المناعة المكتسبة، الأنفلونزا الإسبانية، جائحة إنفلونزا الخنازير، فيروس الإنفلونزا أH1N1، وفيروس كورونا «COVID - 19» االحالي. وقد سُجل عدد كبير من الجوائح خلال التاريخ البشري، وهناك العديد من الجوائح يذكرها موقع ويكيبيديا ”باستفاضة لما سببته من تدمير“ تام" للمدن. وفيها ذكر لكثير من المراجع والمصادر من كتب ومقالات تذكر مفردة الجائحة والجوائح.
وقد قسمت منظمة الصحة العالمية دورة حدوث الجوائح من خلال تصنيف من ستة مراحل، ليصف العملية التي من خلالها ينتقل فيروس الإنفلونزا الجديد من كونه مرض أُصيب به أفراد قلة، إلى نقطة تحوله إلى جائحة. هذا يحدث مع فيروس يصاب به على الأغلب حيوانات، مع حالات قِلة لانتقال العدوى إلى الإنسان، يليها مرحلة انتقال المرض ما بين البشر من فرد إلى آخر مباشرة، ويتحول الأمر بالنهاية إلى جائحة مع انتشاره عالميًا وضعف القدرة على السيطرة عليه، حتى يُتَمَكَّن من إيقافه. والمرض لا يُصنّف جائحة بسبب انتشاره الواسع وقتله لكثير من الأفراد فقط، وإنما لابد أن يكون مُعديًّا ويمكن انتقاله من شخص لآخر. فمرض السرطان مثلًا قد تسبب في وفاة الكثيرين حول العالم ولكنه ليس مُعديًّا أو منقولًا بين الأفراد.
وفي مايو لعام 2009 م عُقِد مؤتمرٍ صحفي افتراضي عن ”جائحة الإنفلونزا“، أشار فيه المدير العام المساعد للأمن الصحي والبيئة لمنظمة الصحة العالمية حينها الدكتور كيجي فوكو إلى أنه ”لتسهيل فكرة الجائحة... فمن الممكن القول بأنها اندلاع عالمي، ثم يسأل المرء نفسه ما هو الاندلاع العالمي؟ فهو انتقال المرض بكلا الطريقتين بالعدوى بصورة مباشرة من فرد لآخر، وبانتقال المرض من الشيء الملوث إلى الفرد دون انتقاله من فرد لآخر، وأن نرى أنشطة وتغيرات المرض، وانتشار الفيروس“.
وقد نشرت منظمة الصحة العالمية مقالًا في الكتاب الارشادي التأهب للجوائح في عام 1999م؛ لمواجهة جائحة محتملة للإنفلونزا، وتم تحديثه في عامي 2005 م، و2009 م، وفيه عرّفت المراحل والإجراءات المناسبة للتعامل مع كل مرحلة، وذلك في مذكرة مساعدة بعنوان ”منظمة الصحة العالمية: وصف مراحل الجائحة والإجراءات التنفيذية الرئيسة لكل مرحلة“.
الملاحظة الثانية: جائحة مفردة متسقة مع النظام اللغوي في اللغة العربية
مفردة جائحة استخدمت بمعناها الدلالي الوضعي ”الجوح“، أو ”الاجتياح“ حيث نرى أنها تجوح البشر جوحًا، أي تهلكه، ولم تَدَر جانب من حياتهم إلا عاثت فيه فسادًا باجتياحها الشامل. أما بالنسبة للبعد النفسي «السيكولوجي» طبيعي أن تكون ثقيلة عند من تكون اللفظة غريبة عليه/عليها في بعدها الدلالي، وأعتقد الكثير من الناس في غفلة عن بعدها الدلالي. فالمفردة ذات دلالة لغوية لا دلالة عرفية. ومع مرور الوقت واتساع المعرفة به واعتياد الناس عليها بالتدوال «العالمي» تخف حسب طول المدة واستمرار ”البلاء“، لا قدر الله، كما قال عبر لي بعض أفراد العينة في الدراسة أعلاه.
الملاحظة الثالثة: السلفية اللغوية
في كل أزمة أو قضية ينبري البعض بالخوض فيها دون معرفة أبعادها، أو يمارس ”السلفية الفكرية“. وإذا كان الأمر يتعلق ب أمر لغوي، كصحة مفردة أو تركيب لغوي مثلًا، يمارس البعض السلفية اللغوية. ورغم أنها فكرة واضحة في محور المقال اليوم، أشير إليها باختصار، على أمل التوسع فيها لاحقًا، إن اقتضى الأمر.
السَلَفيَّة في اللغة حسب معجم المعاني، قِدَم وعراقة، اسم مؤنَّث منسوب إلى سَلَف «فعل» سلَفَ يَسلُف، سَلَفًا وسُلُوفًا، فهو سالف والجمع: سُلاَّف، وسَلَف. وسلف بمعنى تقدّم وسبَق، مضى وانقضى، والسَّلَفُ: كلُّ من تقدَّمَك من آبائِك وذوِي قرابتِك في السنِّ أَو الفضلِ، السَّلَف والخلف: هما أهل الإنسان الذين ينحدر منهم وذرَّيته التي تنحدر منه. وبهذا المعنى نقول: مذاهب السَّلَف: أي مذاهب المتقدِّمين.
وفي الاصطلاح: السلفية مذهب مَنْ يرجع إلى الكتاب والسُّنَّة في الأحكام الشَّرعيَّة ويهمل ما سواهما.
فمصطلح السلفية اسم لمنهجٍ يدعو إلى فهم الكتاب «القرآن» والسنة، بفهم سلف الأمة «الإسلامية»، والأخذ بنهج، وعمل النبي محمد ﷺ وصحابته والتابعين وتابعي التابعين «رضي الله عنهم أجمعين» باعتباره يمثل نهج الإسلام، والتمسك بأخذ الأحكام من كتاب الله ومما صح من حديث النبي محمد ﷺ، ويبتعد عن كل المدخلات الغريبة عن روح الإسلام وتعاليمه، والتمسك بما نقل عن ”السلف «الصالح»“، الذي هو أيضًا مصطلح يراد به المسلمون الأوائل الذين عاشوا في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام.
لكن المصطلح، ومفهوم ”المنهج السلفي“ يبدو أنه لم يعد مذهبًا دينيًّا خالصًا، ذلك أننا نراه اليوم حاضرًا حضورًا قويًّا في مجالات أخرى من الحياة كالسياسة واللغة ونحوهما. والعودة إلى الأصول الصافية النقية فكرة «مثالية» تراود كثيرين ممن صاروا يصدعون بالإنكار على من يرغب أو يدعو إلى التطوير وتبني الأفكار والمناهج الحديثة ويرونها خطأً يجب العدول عنه. ولو ألقينا نظرة فاحصة على المجال السياسى، على سبيل المثال، لألفيناه قائمًا على فسيفساء من الأحزاب التى تحمل إيديولوجيات ماضوية «كالمحافظين، في بريطانيا، وفي أمريكا نجدهم في الحزبين الديموقراطي والجمهوري».
السلفية واللغة العربية
ولأننا كأمة «عربية أو إسلامية أو الصفتين معًا» نعاني الضعف والهوان الذي انعكس على واقعنا اللغوي، صرنا دومًا نلجأ إلى الماضي الجميل، المريح لنا، إلى ما يسمى ”عصور الاحتجاج“، أي عصور القوة في والحضارة، بما فيها اللغة، وما تمثله في العصور التي تلته لنستحضر نموذجه ونحاكيه، بل ونقلده.
وتعج المكتبة العربية في هذا العصر بالمصنفات التى تحمل هَمّ تنقية اللغة من «الأدران» التى كدَّرت صفوها تحت مسمى «الأخطاء الشائعة في اللغة العربية» غالبًا. ويكاد البعض يشكك في كل ما يُقال ويُكتب زاعمين أن اللغة التى يتكلمها العرب اليوم ليست عربية، بل هى خليط هجين، أو غلب عليه ”اللحن“، إذا أردنا تخفيف الوصف. ”فَجَاحَتْ“ عبارات ”شرطوية“ الفضاء العربي من قبيل: «لا تقل كذا… بل قل كذا»، «الخطأ كذا…. والصواب كذا». هذا بعض من كثير من العبارات التى تستعملها «شرطة اللغة» بحق ما يعتبرونه أخطاء شائعة في اللغة العربية، ويصدرون بواسطتها ”أحكامهم“ «المعياريَّة» على الألفاظ والأساليب التى باتت مستعملة على نطاق واسع. والمعياريَّة أمرٌ تخطاها علم الألسنية الحديث، على الأقل ضيق مجالاتها ووظيفتها.
السلفية وصلت حتى إلى المعجمية العربية
على العكس من المعجمية الإنجليزية التي تعيش الحدث وتتفاعل معه، كما بينت في مقالات سابقة في هذه السلسلة، يرى المراقب اللغوي العربي بوضوح نزوع حتى صُنَّاع المعاجم إلى ”السلفية اللغوية“ بإقفال باب التجديد، وذلك بدعوى الحفاظ على فصاحة اللغة ونقائها، وهو ما قاد إلى قطيعة بين المعجم واللّغة التي يعاين مفرداتها، ليحوّل نفسه إلى ”مدوّنة ليس فيها إلا الأموات“، كما يقول أحد المراقبين. وهذه قضية تناولها الدكتور أحمد مختار عمر في كتابه ”معجم الصواب اللغوي“ المتضمن توسعات تذهب بعيدًا عن عصور الاحتجاج.
يقول في مقدمته:
”على الرغم من كثرة ما تحويه المكتبة العربية من مؤلفات تتناول أوجه الخطأ والصواب في اللغة فإننا لم نجد واحدًا منها وافيًا بالغرض، مستجيبًا لحاجة المثقف العام، محققًا لمطلب ابن اللغة الذي يبحث عن المعلومة السريعة، والرأي الموجز، وينشد التيسير الذي لا يضيّق واسعًا، ولا يخطّئ صوابًا“.
ثم يواصل الدكتور أحمد مختار عمر ويذكر ما لاحظه ”من عيوب في أعمال السابقين“.
وختامًا، في عصر حروب اللغات التي نعيشه حاضرًا، كما أشارت إليه أول مقالة في هذه السلسلة، حماية اللغة من غزو اللغات الأخرى، المؤدى إلى اختلال انتظامها المعجمى والأسلوبى، أمر محمود، بل ومطلوب، لأن كل لغة لها نظامها «بل منظموتها» الذى يكفل/تكفل تفردها وتميزها. وفي ذات الوقت خوض الصحافيين والمترجمين والكتاب غير المتخصصين، خاصة مع عدم الكفاءة، في أمورها يثير بلبلة لا تحمد عقباها، منها ما قد يصيب اللغة ذاتها أو أصحابها، أو الاثنين معًا. ورغم أنه لا أقبل التعامل بتسامح مفرط مع الألفاظ والأساليب الدخيلة، ينبغى أن يوفق الألسنيُّون والمعجميُّون، وأصحاب اللغة، كتابًا وصحفيين ومترجمين، وغيرهم، بين الحاجة إلى توليد الألفاظ الجديدة والالتزام بالمنظومة الكلية في اللغة، لقواعد التعبير فيها. وكما ينبغي الحذر في التعامل مع اللغة بحمائية، كما لو كانت مهددة بأوبئة، بل فسح المجال أمامها لتتطور ولا تظل حبيسة للقواعد التى صيغت في القرون الماضية". والأفضل من هذا وذاك أن تصحو الأمة من نومها وتنهض وتكون فاعلة في الحضارة المعاصرة، لا مفعول به أو فيه، حينها ستجد الأمة لغتهم، اللغة العربية، جاهزة لاستيعاب كل مفاهميهم ونتاجهم المادي والفكري، والتعبير عنه بسهولة واقتدار طبيعين.
الخلاصة:
مفردة جائحة لوصف وباء كورونا صحيحة ولها دلالتها اللغوية المتناسقة مع طبيعة اللغة العربية وملائمة لوصف الحدث المعاصر ومفهومها الحالي يعكس دلالة الجوح والاجتياح، وليس هناك ما يدعو لإعادة النظر فيها، وقد أجادت منظمة الصحة العالمية، بما فيها المكتب الإقليمي للشرق الأوسط في استعمالها من سنين، وجائحة كورونا فقط أظهرت المفردة العربية لأهلها. وحين يستعملها ملك في خطابه الرسمي لشعبه، يعطيها زخمًا وواقعية لتحذير شعبه وهو المسؤول عن صحتهم وأمنهم بأخذ الحيطة والحذر، فربما مفردة أخرى ”مصنعة تصنيعًا تركيبيًّا“ لا يكون لها ذات المفعول. أقول هذا، لأن بعض أفراد العينة التي شاركت في الدراسة أعلاه ذكروا لي أنهم لم يسمعوا بها إلا من خطاب خادم الحرمين الشريفين لشعبه حول تفشي فيروس كورونا في 24 رجب 1441 هـ ، الموافق 19مارس 2020م. ورغم ”رعب“ الكلمة شعروا بالأمن والراحة لصراحة المسؤول الأول في هذا الوطن الحبيب، وشعروا بأن عليهم الارتقاء بالمسؤولية في مواجهة ”جائحة كورونا“. فَلْيَدَعْ اللغةَ مَنْ لا يفهمون في أمورها وليبدعوا هم في ما يجيدونه.
وحتى لقاء قادم مع مفردة أخرى أو موضوع لغوي آخر، أسأل الله أن يرفع الجائحة بلطفه عن البشرية في كل مكان على هذا الكوكب، وأن يحمي وطننا الحبيب وأهله، من كل شر وسوء.
المصدر
السلفية اللغوية - "الجائحة" أنموذجًا
د. أحمد فتح الله
لاحظت خلال الأيام القليلة الماضية انبرى بعض الكتاب في تخطئة تسمية الوباء العالمي بسبب فيروس كوفيد - 19 بالجائحة، تحت معيارين: لغوي واصطلاحي، واتهام اللغويين العرب بالتقاعس وعدم الاهتمام بهذا الخطأ. معياريّ التخطئة أوجزهما ثم أرد عليهما:
1- كلمة جائحة في التراث اللغوي العربي، ليست لها علاقة بالأوبئة،
2- في الإصطلاح: هي ما أذهب الثّمر أو بعضه من آفة سماوية،
3- المصطلح اللغوي له انعكاسات على بنية الوعي والفهم، مثلًا مصطلح التاريخ في الثقافة الغربية، ليس له دخل في عملية تحقيب الحوادث التاريخية وتدوينها كما هو عند العرب، وإنما إعمال العقل لتقصي حقيقة حدث أو موقف حدث في الماضي،
4- «الجائحة»، مفردة ثقيلة على القلب واللسان، وليس لها أي دلالة ولا معنى، وهي غريبة حتى على المتخصصين العرب في علم الأمراض والأوبئة.
ما يخص الأشكال رقم واحد واثنين:
نعم، تتفق المعاجم اللغوية العربية على أن الجائح أو الجائحة تختص بالجراد والجفاف، والحريق اللتي تهلك النَّبَاتَ وَالزَّرْعَ وَالأَشْجَارَ، والماشية، التي يُطلق عليها المال. لكن:
1- كما تأتي مخصصة تأتي عامة، أي على الاطلاق، مثلًا:
أ. أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ: أي بَلِيَّةٌ، تَهْلُكَةٌ، دَاهِيَةٌ. «المعجم: المغني»
ب. مصيبة «المعجم: الرائد»
2- تحت اجتاح: نقرأ ما يلي، كما في معجم المعاني:
اِجتياح: اسم، مصدر اِجْتَاحَ، يجتاح، اجتحْ، اجتياحًا، فهو جائح، والمفعول مُجتاح
اِجْتَاحَ الجَرَادُ مَنَاطِقَ الجَنُوبِ: أهْلَكَهَا، اِسْتَأْصَلَهَا
اِجْتَاحَتْ مَوْجَات البَرْدِ القَارِسِ كُلَّ البِلادِ: عَمَّتْهَا «معجم المعاني»
اجتاحت السُّيولُ الأراضي: اكتسحتها وغمرتها
اِجْتَاحَتِ الجُيُوشُ االبِلاَدَ: غَزَتْهَا، اِحْتَلَّتْهَا، عَاثَتْ فِيهَا فَسَاداً وَخَرَابًا
اِجْتِيَاحُ البِلاَدِ: دُخُولهُا غَصْباً وَقَهْرًا، اكْتِسَاحُهَا
في السياسة: قيام إحدى الدول بالدخول عنوة إلى أراضي دولة مجاورة.
«المعجم: اللغة العربية المعاصرة»
3- اللغة كائن حي، فهي تتغير وتتطور، لذا هناك عناوين متعددة لهذه الظاهرة؛ وقد عُرف هذا الموضوع بعناوين كثيرة منها: «التغيّر اللغوي» و«التطور اللغوي»، و«تغيّر المعنى»، و«التطور الدلالي»، وأضحى أحد أهمّ موضوعات «علم الدلالة». كلمات اللغة، أي لغة، كاللغة العربية، تمر في تاريخها في أحد أنواع التطور، ما يهمُّنا هنا الثلاثة التالية:
توسع المعنى «Expansion of Meaning»، وهو انتقال معنى الكلمة من خاصٍ إلى عام، فتشير إلى معنى أكبر مما كان لها في السابق، ويصبح مدلولها أوسع من ذي قبل، ويكون المعنى السابق أخصّ من المعنى الحاضر، مثلًا، كلمة ”الفردوس“ في القرآن، هو: أعلى درجة في الجنة، أو أفضل مناطق الجنة، لكن
العرب تستخدم كلمة ”الفردوس“ على أنها مرادفة لكلمة ”الجنة“، أي على جميع درجات الجنة؛ مما يشير إلى توسع دلالتها في الاستعمال المعاصر، من ”أعلى مكان في الجنة“ إلى ”عموم الجنة“.
ويقابل ”توسع المعنى“، تضييق المعنى «Narrowing of Meaning»، وهو تحويل دلالة الكلمة من المعنى الكُلِّي إلى المعنى الجزئي أو تضييق مجالها السيمائي، أي تحديد معاني الكلمات، وتقليلها، وتخصيصها، فيكون المعنى السابق أعمّ من المعنى الحاضر، فهذه النقطة تماماً خلاف الأولى.
ويقابل الإثنين: ”نقل المعنى“ «or Meaning Transfer، Change of Meaning» وهو انتقال الكلمة إلى معنى جديد معادل في النسبة للمعنى السابق، فالمعنيان «السابق/ والحاضر» هنا متساويان، وليس هناك أعمّ أو أخصّ. مثل، كلمة سيارة، قطار، و”فاتحة“ في العرف الاجتماعي في دول الخليج، وخاصة في المناطق الشيعية فيها. «من أراد المزيد في هذا الموضوع يقرأ مقال العلامة الأستاذ المتميز علي الموسى، بعنوان ”مقارنة بين الاستعمال اللغوي المعاصر والمعاني القرآنية“، في شبكة مزن الثقافية - 27/12/2015م، أو/و الرجوع إلى محاضرتي بعنوان ”النظرية المعجمية: تطبيقات اجتماعية وتراثية“ في منتدى الثلاثاء الثقافي، https://www.thualath.com.article/1272
فعلية كلمة ”جائحة“، هنا أخذت التطور الأول، أو طُوِّرت لأنها الأنسب في غياب كلمة عربية لهذا الغرض، ولضرورة التسمية السريعة وأهميتها، كما بينا في مقال سابق في هذه السلسلة. أمَّا من قام بتسمية وباء كورونا بالجائحة، كترجمة موفقة للمفردة الإنجليزية «Pandemic»، هو منظمة الصحة العالمية، ممثلة في مكتبها الإقليمي للشرق الأوسط، والمعجم الموحد عندها. وتمت عام 2005م، أو قبل ذلك وليس عام 2020م، «انظر: فقرة ”الملاحظة الأولى: المصطلح قديم وليس وليد كوفيد - 19“، أدناه».
ما يخص الإشكال رقم ثلاثة:
باختصار شديد، نعم، مصطلح ”التاريخ“ «history» تطور من فعل يوناني قديم يعني ”أن تعرف“ «to know»، كما يقول فيليب دوركين «Philip Durkin» من قاموس أوكسفورد للغة الإنجليزية «Oxford English Dictionary» كانت الكلمة اليونانية ”هيستوريا“ «historia» تعني في الأصل ”الاستفسار“ «inquiry»، و”البحث عن المعرفة“، وكذلك ”المعرفة التي تنتج عن الاستقصاء“. ومن هناك كانت قفزة قصيرة لسرد الأحداث التي قد يضعها الشخص من خلال ”الاستفسارات“، ما قد نسميه القصص «stories»، «انظر مقال: ”هذا هو المكان الذي تأتي منه كلمة التاريخ“ «This Is Where the Word 'History' Comes From» لـ كاتي شتاينميتز «Katy Steinmetz» في مجلة ”تايم“ «Time»، تاريخ 23 يونيو 2017م». بمعنى آخر تطورت كلمة التاريخ لتعني ما يعنيه العرب وغير العرب بها الآن. ولا داعي للتفاصيل هنا.
ما يخص الإشكال رقم أربعة:
أقول: الحكم على أي مفردة حكمًا نفسيًّا انطباعيًّا مثل ”ثقيلة على القلب واللسان“، هو حكم اعتباطي مبني على شعور غير موضوعي وشخصي ويحتاج إلى دراسة متخصصة تحت ما يسمى دراسات الاتجاه «Attitude Studies»، ومعرفة درجة الانبطاع «Attitude Scale».
وقد قمت بعمل دراسة ابتدائية استكشافية «pilot study» على عينة عشوائية تكونت من 65 شخص، وكانت النتيجة كالتالي:
حوالي 61 في المئة «61,54%» لا يرون كلمة جائحة ثقيلة على القلب واللسان، مقابل حوالي 39 في المئة «38,46%» تراها كذلك. مع ملاحظة تعليقات بعض الفئة الأولى أنهم في البدء كانوا فعلًا يرونها ”ثقيلة“ لكن بمرور الزمن وكثرة السماع ما عادت ”ثقيلة“ عندهم، وهذا أمر متوقع ومتفهم.
حوالي 79 في المئة «78,46%» ترى أن لها دلالة ومعنى، مقابل حوالي 21 في المئة «21,54%» ترى أن ليس لها دلالة ومعنى.
ملاحظات مهمة
وبعد كل ما سبق، هناك ثلاث ملاحظات:
الملاحظة الأولى: المصطلح قديم وليس وليد كوفيد - 19
في معجم أكسفورد لعلم الأوبئة «A Dictionary of Epidemiology، Oxford University Press، 2008، الجائحة هي وباء ينتشر على نطاق شديد الاتساع يتجاوز الحدود الدُوليَّة، مؤثرًا - كالمعتاد - على عدد كبير من الأفراد. وفي المعجم الطبي الموحد لمنظمة الصحة العالمية تجد كلمة pandemic الإنجليزية مترجمة إلى ”جائحة“.
ظهر عبر التاريخ العديد من الجوائح مثل الجدري والسل، ويعتبر الطاعون الأسود أكثر الجوائح تدميرًا؛ إذ قتل ما يزيد عن 20 مليون شخصًا في عام 1350م. ويشتهر من الجوائح الحديثة: فيروس نفقص المناعة المكتسبة، الأنفلونزا الإسبانية، جائحة إنفلونزا الخنازير، فيروس الإنفلونزا أH1N1، وفيروس كورونا «COVID - 19» االحالي. وقد سُجل عدد كبير من الجوائح خلال التاريخ البشري، وهناك العديد من الجوائح يذكرها موقع ويكيبيديا ”باستفاضة لما سببته من تدمير“ تام" للمدن. وفيها ذكر لكثير من المراجع والمصادر من كتب ومقالات تذكر مفردة الجائحة والجوائح.
وقد قسمت منظمة الصحة العالمية دورة حدوث الجوائح من خلال تصنيف من ستة مراحل، ليصف العملية التي من خلالها ينتقل فيروس الإنفلونزا الجديد من كونه مرض أُصيب به أفراد قلة، إلى نقطة تحوله إلى جائحة. هذا يحدث مع فيروس يصاب به على الأغلب حيوانات، مع حالات قِلة لانتقال العدوى إلى الإنسان، يليها مرحلة انتقال المرض ما بين البشر من فرد إلى آخر مباشرة، ويتحول الأمر بالنهاية إلى جائحة مع انتشاره عالميًا وضعف القدرة على السيطرة عليه، حتى يُتَمَكَّن من إيقافه. والمرض لا يُصنّف جائحة بسبب انتشاره الواسع وقتله لكثير من الأفراد فقط، وإنما لابد أن يكون مُعديًّا ويمكن انتقاله من شخص لآخر. فمرض السرطان مثلًا قد تسبب في وفاة الكثيرين حول العالم ولكنه ليس مُعديًّا أو منقولًا بين الأفراد.
وفي مايو لعام 2009 م عُقِد مؤتمرٍ صحفي افتراضي عن ”جائحة الإنفلونزا“، أشار فيه المدير العام المساعد للأمن الصحي والبيئة لمنظمة الصحة العالمية حينها الدكتور كيجي فوكو إلى أنه ”لتسهيل فكرة الجائحة... فمن الممكن القول بأنها اندلاع عالمي، ثم يسأل المرء نفسه ما هو الاندلاع العالمي؟ فهو انتقال المرض بكلا الطريقتين بالعدوى بصورة مباشرة من فرد لآخر، وبانتقال المرض من الشيء الملوث إلى الفرد دون انتقاله من فرد لآخر، وأن نرى أنشطة وتغيرات المرض، وانتشار الفيروس“.
وقد نشرت منظمة الصحة العالمية مقالًا في الكتاب الارشادي التأهب للجوائح في عام 1999م؛ لمواجهة جائحة محتملة للإنفلونزا، وتم تحديثه في عامي 2005 م، و2009 م، وفيه عرّفت المراحل والإجراءات المناسبة للتعامل مع كل مرحلة، وذلك في مذكرة مساعدة بعنوان ”منظمة الصحة العالمية: وصف مراحل الجائحة والإجراءات التنفيذية الرئيسة لكل مرحلة“.
الملاحظة الثانية: جائحة مفردة متسقة مع النظام اللغوي في اللغة العربية
مفردة جائحة استخدمت بمعناها الدلالي الوضعي ”الجوح“، أو ”الاجتياح“ حيث نرى أنها تجوح البشر جوحًا، أي تهلكه، ولم تَدَر جانب من حياتهم إلا عاثت فيه فسادًا باجتياحها الشامل. أما بالنسبة للبعد النفسي «السيكولوجي» طبيعي أن تكون ثقيلة عند من تكون اللفظة غريبة عليه/عليها في بعدها الدلالي، وأعتقد الكثير من الناس في غفلة عن بعدها الدلالي. فالمفردة ذات دلالة لغوية لا دلالة عرفية. ومع مرور الوقت واتساع المعرفة به واعتياد الناس عليها بالتدوال «العالمي» تخف حسب طول المدة واستمرار ”البلاء“، لا قدر الله، كما قال عبر لي بعض أفراد العينة في الدراسة أعلاه.
الملاحظة الثالثة: السلفية اللغوية
في كل أزمة أو قضية ينبري البعض بالخوض فيها دون معرفة أبعادها، أو يمارس ”السلفية الفكرية“. وإذا كان الأمر يتعلق ب أمر لغوي، كصحة مفردة أو تركيب لغوي مثلًا، يمارس البعض السلفية اللغوية. ورغم أنها فكرة واضحة في محور المقال اليوم، أشير إليها باختصار، على أمل التوسع فيها لاحقًا، إن اقتضى الأمر.
السَلَفيَّة في اللغة حسب معجم المعاني، قِدَم وعراقة، اسم مؤنَّث منسوب إلى سَلَف «فعل» سلَفَ يَسلُف، سَلَفًا وسُلُوفًا، فهو سالف والجمع: سُلاَّف، وسَلَف. وسلف بمعنى تقدّم وسبَق، مضى وانقضى، والسَّلَفُ: كلُّ من تقدَّمَك من آبائِك وذوِي قرابتِك في السنِّ أَو الفضلِ، السَّلَف والخلف: هما أهل الإنسان الذين ينحدر منهم وذرَّيته التي تنحدر منه. وبهذا المعنى نقول: مذاهب السَّلَف: أي مذاهب المتقدِّمين.
وفي الاصطلاح: السلفية مذهب مَنْ يرجع إلى الكتاب والسُّنَّة في الأحكام الشَّرعيَّة ويهمل ما سواهما.
فمصطلح السلفية اسم لمنهجٍ يدعو إلى فهم الكتاب «القرآن» والسنة، بفهم سلف الأمة «الإسلامية»، والأخذ بنهج، وعمل النبي محمد ﷺ وصحابته والتابعين وتابعي التابعين «رضي الله عنهم أجمعين» باعتباره يمثل نهج الإسلام، والتمسك بأخذ الأحكام من كتاب الله ومما صح من حديث النبي محمد ﷺ، ويبتعد عن كل المدخلات الغريبة عن روح الإسلام وتعاليمه، والتمسك بما نقل عن ”السلف «الصالح»“، الذي هو أيضًا مصطلح يراد به المسلمون الأوائل الذين عاشوا في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام.
لكن المصطلح، ومفهوم ”المنهج السلفي“ يبدو أنه لم يعد مذهبًا دينيًّا خالصًا، ذلك أننا نراه اليوم حاضرًا حضورًا قويًّا في مجالات أخرى من الحياة كالسياسة واللغة ونحوهما. والعودة إلى الأصول الصافية النقية فكرة «مثالية» تراود كثيرين ممن صاروا يصدعون بالإنكار على من يرغب أو يدعو إلى التطوير وتبني الأفكار والمناهج الحديثة ويرونها خطأً يجب العدول عنه. ولو ألقينا نظرة فاحصة على المجال السياسى، على سبيل المثال، لألفيناه قائمًا على فسيفساء من الأحزاب التى تحمل إيديولوجيات ماضوية «كالمحافظين، في بريطانيا، وفي أمريكا نجدهم في الحزبين الديموقراطي والجمهوري».
السلفية واللغة العربية
ولأننا كأمة «عربية أو إسلامية أو الصفتين معًا» نعاني الضعف والهوان الذي انعكس على واقعنا اللغوي، صرنا دومًا نلجأ إلى الماضي الجميل، المريح لنا، إلى ما يسمى ”عصور الاحتجاج“، أي عصور القوة في والحضارة، بما فيها اللغة، وما تمثله في العصور التي تلته لنستحضر نموذجه ونحاكيه، بل ونقلده.
وتعج المكتبة العربية في هذا العصر بالمصنفات التى تحمل هَمّ تنقية اللغة من «الأدران» التى كدَّرت صفوها تحت مسمى «الأخطاء الشائعة في اللغة العربية» غالبًا. ويكاد البعض يشكك في كل ما يُقال ويُكتب زاعمين أن اللغة التى يتكلمها العرب اليوم ليست عربية، بل هى خليط هجين، أو غلب عليه ”اللحن“، إذا أردنا تخفيف الوصف. ”فَجَاحَتْ“ عبارات ”شرطوية“ الفضاء العربي من قبيل: «لا تقل كذا… بل قل كذا»، «الخطأ كذا…. والصواب كذا». هذا بعض من كثير من العبارات التى تستعملها «شرطة اللغة» بحق ما يعتبرونه أخطاء شائعة في اللغة العربية، ويصدرون بواسطتها ”أحكامهم“ «المعياريَّة» على الألفاظ والأساليب التى باتت مستعملة على نطاق واسع. والمعياريَّة أمرٌ تخطاها علم الألسنية الحديث، على الأقل ضيق مجالاتها ووظيفتها.
السلفية وصلت حتى إلى المعجمية العربية
على العكس من المعجمية الإنجليزية التي تعيش الحدث وتتفاعل معه، كما بينت في مقالات سابقة في هذه السلسلة، يرى المراقب اللغوي العربي بوضوح نزوع حتى صُنَّاع المعاجم إلى ”السلفية اللغوية“ بإقفال باب التجديد، وذلك بدعوى الحفاظ على فصاحة اللغة ونقائها، وهو ما قاد إلى قطيعة بين المعجم واللّغة التي يعاين مفرداتها، ليحوّل نفسه إلى ”مدوّنة ليس فيها إلا الأموات“، كما يقول أحد المراقبين. وهذه قضية تناولها الدكتور أحمد مختار عمر في كتابه ”معجم الصواب اللغوي“ المتضمن توسعات تذهب بعيدًا عن عصور الاحتجاج.
يقول في مقدمته:
”على الرغم من كثرة ما تحويه المكتبة العربية من مؤلفات تتناول أوجه الخطأ والصواب في اللغة فإننا لم نجد واحدًا منها وافيًا بالغرض، مستجيبًا لحاجة المثقف العام، محققًا لمطلب ابن اللغة الذي يبحث عن المعلومة السريعة، والرأي الموجز، وينشد التيسير الذي لا يضيّق واسعًا، ولا يخطّئ صوابًا“.
ثم يواصل الدكتور أحمد مختار عمر ويذكر ما لاحظه ”من عيوب في أعمال السابقين“.
وختامًا، في عصر حروب اللغات التي نعيشه حاضرًا، كما أشارت إليه أول مقالة في هذه السلسلة، حماية اللغة من غزو اللغات الأخرى، المؤدى إلى اختلال انتظامها المعجمى والأسلوبى، أمر محمود، بل ومطلوب، لأن كل لغة لها نظامها «بل منظموتها» الذى يكفل/تكفل تفردها وتميزها. وفي ذات الوقت خوض الصحافيين والمترجمين والكتاب غير المتخصصين، خاصة مع عدم الكفاءة، في أمورها يثير بلبلة لا تحمد عقباها، منها ما قد يصيب اللغة ذاتها أو أصحابها، أو الاثنين معًا. ورغم أنه لا أقبل التعامل بتسامح مفرط مع الألفاظ والأساليب الدخيلة، ينبغى أن يوفق الألسنيُّون والمعجميُّون، وأصحاب اللغة، كتابًا وصحفيين ومترجمين، وغيرهم، بين الحاجة إلى توليد الألفاظ الجديدة والالتزام بالمنظومة الكلية في اللغة، لقواعد التعبير فيها. وكما ينبغي الحذر في التعامل مع اللغة بحمائية، كما لو كانت مهددة بأوبئة، بل فسح المجال أمامها لتتطور ولا تظل حبيسة للقواعد التى صيغت في القرون الماضية". والأفضل من هذا وذاك أن تصحو الأمة من نومها وتنهض وتكون فاعلة في الحضارة المعاصرة، لا مفعول به أو فيه، حينها ستجد الأمة لغتهم، اللغة العربية، جاهزة لاستيعاب كل مفاهميهم ونتاجهم المادي والفكري، والتعبير عنه بسهولة واقتدار طبيعين.
الخلاصة:
مفردة جائحة لوصف وباء كورونا صحيحة ولها دلالتها اللغوية المتناسقة مع طبيعة اللغة العربية وملائمة لوصف الحدث المعاصر ومفهومها الحالي يعكس دلالة الجوح والاجتياح، وليس هناك ما يدعو لإعادة النظر فيها، وقد أجادت منظمة الصحة العالمية، بما فيها المكتب الإقليمي للشرق الأوسط في استعمالها من سنين، وجائحة كورونا فقط أظهرت المفردة العربية لأهلها. وحين يستعملها ملك في خطابه الرسمي لشعبه، يعطيها زخمًا وواقعية لتحذير شعبه وهو المسؤول عن صحتهم وأمنهم بأخذ الحيطة والحذر، فربما مفردة أخرى ”مصنعة تصنيعًا تركيبيًّا“ لا يكون لها ذات المفعول. أقول هذا، لأن بعض أفراد العينة التي شاركت في الدراسة أعلاه ذكروا لي أنهم لم يسمعوا بها إلا من خطاب خادم الحرمين الشريفين لشعبه حول تفشي فيروس كورونا في 24 رجب 1441 هـ ، الموافق 19مارس 2020م. ورغم ”رعب“ الكلمة شعروا بالأمن والراحة لصراحة المسؤول الأول في هذا الوطن الحبيب، وشعروا بأن عليهم الارتقاء بالمسؤولية في مواجهة ”جائحة كورونا“. فَلْيَدَعْ اللغةَ مَنْ لا يفهمون في أمورها وليبدعوا هم في ما يجيدونه.
وحتى لقاء قادم مع مفردة أخرى أو موضوع لغوي آخر، أسأل الله أن يرفع الجائحة بلطفه عن البشرية في كل مكان على هذا الكوكب، وأن يحمي وطننا الحبيب وأهله، من كل شر وسوء.
المصدر
