اللغة العربية ودورها في الوعي القومي (*)
حسين العودات(**)
أولاً: نشأة اللغة العربية
اللغة العربية من أقدم لغات العالم. تجاوز عمرها ما يزيد على خمسة عشر قرناً (بعضهم يقرر أن عمرها سبعة عشر قرناً) وما زالت حية وحيوية ويتحدث بها مئات الملايين، ولا شك في أن هذه اللغة ما كانت لتبقى متداولة لولا جملة من العوامل والظروف المناسبة، التي ساعدتها على التطور والتغلب على الصعوبات التي تراكمت في طريقها، وساهمت في تجددها ومرونتها كي تستمر في القيام بدورها ووظيفتها ومهمتها التاريخية، في الوقت الذي حافظت فيه على بنيتها وبنائها الأساس، وعلى نحوها وصرفها، واستوعبت معطيات التطور العلمي والتقاني والثقافي والحضاري الذي مرّت به ومرّ بها، وشكلت بذلك ظاهرة قليلة الحدوث، حين كانت عدة لغات أخرى تذوي وتموت وتخلي الساحة لغيرها عندما واجهها ما واجه اللغة العربية ومرَّ بها ما مرَّت به.
إن اللغة العربية لغة سامية، ولها مواصفات مشتركة مع لغات سامية أخرى شمالية وجنوبية، مثل الثمودية واللحيانية في الجنوب والأكادية والكنعانية والآرامية في الشمال والأمهرية في أفريقيا، وجاءت اللغة العربية من تطور عدة لغات لقبائل في جزيرة العرب، وقد انفتحت هذه اللغات القبلية في القرن السادس الميلادي بعضها من البعض الآخر ومن لغة قريش، كما شهد هذا القرن تطوراً في لغة قريش بدورها التي استفادت من اللغات القبلية الأخرى، وأخذت منها لفظات عديدة، وطرُقَ صرف متنوعة، حتى صارت مفهومة تماماً من مختلف قبائل العرب.
كانت الكعبة في مكة تؤوي تماثيلَ ورموزاً لآلهة القبائل كلها تقريباً، وكان أبناء هذه القبائل يحجون إلى مكة سنوياً لزيارة آلهتهم، ولأن قبيلة قريش تحكم مكة والحجاز، فقد نظمت الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية والإدارية ليصبح الحجاز شبه دولة، ولأن الأمر على هذا النحو، كانت قريش تحاول فهم لهجات القبائل العربية الأخرى وهمومها واهتماماتها، وتأخذ منها لفظات وأسلوباً دخلت مع الزمن في لغتها، وقد ساهم ذلك في تطوير لغة قريش، وجعلها أكثر استيعاباً للغات القبائل العربية الأخرى، وقد استنّت قريش سنّة مهمّة وتقليداً عظيماً كان له أثر ديني واقتصادي واجتماعي وسياسي، وهو إقامة الأسواق في الحجاز، ومنها أسواق عكاظ ومجنّة وذي المجاز وعشرات الأسواق الأخرى، ولم تكن هذه الأسواق للتبادل الاقتصادي أو للبيع والشراء فقط، وإنما كانت أيضاً ميداناً لنشاطات دينية (حوار ديني بين المشاركين) وشعرية (مباريات شعرية ونتذكر المعلقات مثلاً) واجتماعية (لقاء وتعارف وتبادل الأخبار بين القبائل) ونشاطات اقتصادية (أسواق البيع والشراء) وكانت هذه الأسواق تحت رعاية قريش وحمايتها، وقد أدَّت دوراً كبيراً في تعرّف القبائل بعضها على البعض الآخر وعلى لغاتها وشعرها وتاريخها وما يشبه ذلك، ومن النتائج تبادل لغات القبائل العربية في ما بينها الألفاظ والمعاني والصرف اللغوي والشعر وفنونه جميعاً (كالوصف والفخر والغزل والثأر وغيرها) مما كان يقرب هذه اللغات بعضها من البعض الآخر كما يقربها جميعها من لغة قريش، وعلى أي حال، تقاربت لغات العرب مع لغة قريش، حتى كادت أن تشكل لغة عربية واحدة، مفهومة من الجميع ومقبولة منهم. ولعل هذا هو الذي جعل بعض المستشرقين يعتقدون بوجود لغة عربية أدبية واحدة قبل الإسلام، وصل إليها العرب، ونزل بها القرآن، بينما يرى الدارسون والباحثون المسلمون أنه نزل بلغة قريش، التي كانت مفهومة من الجميع، ومقبولة من الجميع، وخاصة أن قبيلة قريش كانت سيدة الحجاز، والمشرفة على الكعبة بما فيها من أصنام العرب وتماثيل آلهتهم، فضلاً عن قيامها برحلتي التجارة الصيفية والشتوية إلى بلاد الشام واليمن، ولأنها كانت في الواقع أهم قبائل الجزيرة العربية المتطورة، والتي شكلت ما يشبه الدولة، لهذا لم يجد العرب صعوبة في فهم القرآن لأنهم كانوا يفهمون جيدا ًلغة قريش، وكان شعرهم وأدبهم بلغة قريبة منها، فمن الطبيعي إذاً أن ينزل القرآن بلغة قريش، لأنها الوحيدة المؤهلة، في ذلك الوقت، لتكون لغة جامعة مفهومة من القبائل العربية جميعها، بما في ذلك القبائل العربية المسيحية في بلاد الشام والعراق، أعني الغساسنة الذين كانوا بدورهم يتكلمون لغة خاصة بهم (ولذلك لم يوجد لديهم شاعر واحد في الجاهلية) وبما في ذلك أيضاً المناذرة في العراق، لكنهم كانوا يفهمون لغة قريش (التي أصبحت اللغة الأدبية ثم اللغة الفصحى للقبائل العربية جميعها) ويتكلمونها، ولذلك لم يحتج خالد بن الوليد عند دخوله بصرى في حوران لمترجم ليتفاهم مع الغساسنة، كما لم يحتج لمثل هذا المترجم في حواره مع قادة المناذرة وقبائل العراق العربية الأخرى قبل ذلك. وعلى أي حال عندما جاء الإسلام كانت لغة قريش مفهومة من قبائل العرب جميعها في جنوب الجزيرة وشمالها وفي بلاد الشام.
ثانياً: الانتشار
انتشرت اللغة العربية الموحدة (الفصحى) في جميع أنحاء الجزيرة العربية مع انتشار الإسلام، ومثلما وحد الإسلام جزيرة العرب تحت رايته، توحدت لغات هذه الجزيرة تحت راية لغة قريش، وأصبحت هذه اللغة بعد فترة هي الوحيدة المتداولة بين قبائل الجزيرة وسكانها بعد أن نزل القرآن بها، ولم تعد تواجه منافساً لها في أي مكان في الجزيرة، ثم مع توسع انتشار الإسلام والسلطة الإسلامية خارج الجزيرة، توسع انتشار العربية وهُمِّشَتْ لغات سامية عديدة كانت متداولة في البلدان التي فتحها المسلمون، وخاصة بلاد الشام والعراق، كالآرامية والسريانية والآشورية وغيرها، وأخذت هذه اللغة في الوقت نفسه، تغتني بلفظات جديدة، وتتأثر بأساليب جديدة وأدوات صرف جديدة، ونشطت بشكل كبير، مظاهر الترادف والاشتقاق والقياس والنحت وثراء مفردات اللغة وغير ذلك. وأخذت اللغة العربية تتجذر وتتسع مع اتساع الدولة الإسلامية ويصلب عودها لتستطيع القيام بأعباء «إمبراطورية ناشئة» ودولة تتأسس وتستكمل بناءها الإداري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي واللغوي أيضاً، ولم يكن أمام اللغة العربية خيار سوى أن تتطور بما لم تشهده لغة من قبل لا من حيث قصر المدة الزمنية ولا من حيث غنى المفردات أو تطور الأسلوب، ولم يكن بد من أن يتم تطورها بقفزات استثنائية لتستطيع استيعاب حاجات الدولة متعددة الجوانب، وهذا ما تم فعلاً، وساعدتها مرونتها من جهة وكونها لغة القرآن من جهة ثانية على التوسع والنمو وتهميش اللغات الأخرى التي كانت موجودة قبل قدومها، ومنها لغات لإمبراطوريات سابقة كالإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية، ووقفت العربية على أرض صلبة منذ السنوات الأولى لانتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية وانهيار الإمبراطورية الساسانية، وتراجع الإمبراطورية البيزنطية أمام الزحف العربي الإسلامي. وفي الخلاصة قويت اللغة العربية تبعاً لقوة الدولة، وتوسع انتشارها، وغدت جاهزة لتكون لغة ثقافة وإدارة وسياسة واقتصاد، وليس فقط لغة شعر ونثر وأدب كما كان حالها قبيل مجيء الإسلام، إنها الآن لغة إمبراطورية واسعة الأرجاء متعددة الشعوب واللغات التي لا بد من استيعابها.
ثالثاً: التطور السريع
كان على اللغة العربية أن تتطور سريعاً وعميقاً عندما اتسعت الدولة (الإمبراطورية) العربية الإسلامية، ولم يكن أمامها خيار سوى أن تطور نفسها، وتتأقلم مع الظروف المستجدة، ومع احتياجات الدولة والدين والمجتمع متعدد الثقافات والإثنيات، ولم تعد مواصفاتها التي كانت قبل مجيء الإسلام بل حتى قبيل عمليات التوسع والفتح، كافية لتقوم بهذه الأعباء، لأن مهماتها ووظائفها تطورت من مهمات لغة محلية تُعنى باحتياجات الشعر والأدب والهجاء والفخر والوصف والحب واحتياجات استعمالات الحياة اليومية، إلى مهمات لغة دولة قوية واسعة الأرجاء متعددة المجتمعات والثقافات والاحتياجات، بدءاً من احتياجات تعريب إدارة الدولة وصولاً إلى التحاور والتثاقف مع اللغات الأخرى، وأداء مهماتها الكبرى في تمكين المسلمين الجدد من العرب وغير العرب من فهم الإسلام فهماً صحيحاً، وإمكانية التحدث بالعربية وتعلمها بسهولة، وتجنب انتشار اللحْن والمحافظة على صحة اللغة، واستكمال الوصول إلى علومها واستخدام هذه العلوم. وفي ضوء ذلك أُنجز في منتصف القرن الأول الهجري تنقيط أحرف اللغة العربية قبل أن يستفحل اللحن، وقام أبو الأسود الدؤلي بهذه المهمة فنقَّط الحروف ووضع علم النحو، كما وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي علم العروض وألف أول معجم عربي، وتم وضع الحركات فوق الحروف العربية، ثم تمَّ تنقيط القرآن بدقة أكبر من ذي قبل على يديْ نصر بن عاصم ويحيى بن يعفر بإشراف الحجاج بن يوسف الثقفي وبأمر من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (26 _ 86هـ)، وقد اكتملت علوم اللغة العربية في الثلث الأخير من القرن الهجري الأول، وتم ضبطها وأصبحت تساعد على الابتعاد عن اللحن والعجمة، مما أدى إلى ضعف لغات أهل الأمصار من غير العرب وبدء تكلمهم عربية مولدة، وما لبثت اللغة العربية أن تطورت ونمت واستكملت جوانبها العلمية والمعرفية وقدرتها على خدمة الإمبراطورية الناشئة، مما أهّلها مع نهاية العهد الأموي كي تكون قادرة على الدخول في مجال التأليف العلمي، فضلا ًعن تعريب الإدارة والنقد والدواوين أيام عبد الملك بن مروان في إدارة الدولة ومجالات الثقافة والعلوم والترجمة وسد احتياجات الحياة اليومية.
تطورت اللغة العربية أيضاَ تطوراً بارزاً واستثنائياً في العصر العباسي الأول (750 – 847م) فازدهرت في ذلك العصر الترجمة من اللغات الأخرى (الفارسية، اليونانية، وحتى السنسكريتية) وكذلك التعريب، كما تم تأهيل اللغة العربية لاستيعاب الفلسفة والعلوم، ثم للتأليف بها والابتكار، وازدهر التعريب واستخدام المصطلحات وإغناؤها، وتعمق التعاون والاقتباس والتثاقف مع لغات الشعوب الأخرى الإسلامية وغير الإسلامية، وبدأ الاطلاع الجدي على ثقافات هذه الشعوب وحضاراتها والاستفادة منها.
ازدهرت الحضارة واللغة والثقافة العربية ونضجت الإمبراطورية ووصلت إلى أقصى اتساعها واستقرارها وتطور حضارتها وقوة لغتها في القرنين الثالث والرابع الهجريين، إلا أنه، رغم تقدمها العلمي والحضاري والثقافي في هذا العصر، بدأت الاندفاعة السياسية العربية وبالتالي اللغة العربية بالتراجع اعتباراً من هذا العصر، أمام لغات الشعوب الإسلامية الأخرى كالفارسية والتركية اللتين أصبحتا لغتي الإدارة أيضاً، في الدويلات (والإمارات) الفارسية والتركية التي قامت في ذلك الوقت، ولم يكن يربطها بمركز الخلافة العباسية سوى رباطٍ واهٍ، كالدعاء للخليفة وذكر اسمه على المنابر، وأصبح كل من الدويلات هذه كالبويهية والسلجوقية وغيرهما واقعياً دولة كاملة المواصفات والمهمات والوظائف، وتراجعت في مناطق هيمنتها اللغة العربية لتبقى لغة الأدب والشعر كما كانت قبل الإسلام، إلا أنها لم تفقد غناها بالألفاظ وتماسك علومها كالنحو والصرف وكسب مصطلحات علمية في مختلف جوانب الحياة، فضلاً عن تخزينها الحضارة العربية، وتحولها إلى وعاء يستوعب هذه الحضارة ويحملها مع الثقافة والعلوم، وعامل وعي وتوعية، إضافة إلى القيام بدور أداة التواصل، وناقلة القصص والأغاني والحكايات والأشعار والملاحم والبطولات كلها من جيل إلى جيل.
مثلما نُكبت الأمة في عصور الانحطاط بعد سقوط الدولة المركزية كذلك نُكبت اللغة العربية في هذا العصر، فانحسرت مع انحسار أهلها عن السلطة ومركز القرار، وتزايد اللحن حتى استفحل، كما تفشى الحديث باللهجات العامية المطعمة بألفاظ وأساليب لغات أخرى، وجمدت اللغة العربية إجمالاً وغاب الإبداع، واضطرتها الظروف للكمون والتراجع، إلا أنها بقيت حاملة لخصائص الأمة وثقافتها وتاريخها وتقاليدها وحتى لطقوسها وأساطيرها، كما لم ينطفئ كلياً استمرار تأثيرها في لغات الشعوب الإسلامية. وكان المتكلمون بهذه اللغات يتولون سدة الحكم، وبقيت مصدراً ومنبعاً لألفاظ العلوم والحضارة والثقافة.
رابعاً: اللهجات العامية، والدور التركي
مع انتشار اللهجات العامية وانفلات عقالها، تأثرت سلبياً اللغة الفصحى التي كانت من قبلُ تنحّي هذه اللهجات جانباً، وفي مطلع القرن السادس عشر الميلادي احتلت الإمبراطورية العثمانية البلدان العربية ووضعتها تحت هيمنتها، ولمّا كان اعتزاز العثمانيين الأتراك بلغتهم التركية كبيراً جداً، فقد أصرّوا على أن تحل التركية محل اللغة العربية لتصبح لغة ثقافة وحضارة وعلوم وفلسفة، فشرعوا منذ السنوات الأولى لاحتلالهم البلدان العربية بتهميش اللغة العربية، فأبعدوها عن المدارس وشرعوا التعليم بلغتهم فقط، وكذلك فرضوا لغتهم على إدارة الدولة وعلى المحاكم، ولم يكن للعرب سبيل للحفاظ على لغتهم الفصحى وإبقائها حية سوى فتح الكتاتيب لتعليم اللغة والقرآن وبعض الفقه وتعاليم الدين، إلا أن القرون الأربعة التي حكم فيها العثمانيون بلاد العرب، لم تستطع أن تميت اللغة العربية، التي أعطاها القرآن نسغ الحياة، وجهد النهضويون العرب لإحيائها.
اهتم النهضويون العرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بإحياء التراث العربي بمختلف جوانبه الثقافية والعلمية والاجتماعية وغيرها، وانطلقوا منطلقاً صحيحاً، وهو أن إحياء اللغة إنما يتم في إطاره إحياء التراث والتاريخ والثقافة والوعي القومي، فتوجهوا إلى إحياء اللغة كعمل ثقافي قبل أن يكون عملاً سياسياً، وكان ذلك في الوقت نفسه أرضاً صلبة يعتمد عليها الوعي القومي والوعي السياسي، ونهضة الأمة وسيرها في طريق التقدم، وذلك كله لتفادي طغيان الثقافة الأوروبية والنفوذ التركي الذي يحاصر العرب ووعيهم القومي وثقافتهم وحاضرهم السياسي ومستقبلهم، وكانت فكرة إحياء التراث والنشاط فيه فكرة قومية قبل أن تكون فكرة علمية، وبرز من النهضويين المجددين أحمد فارس الشدياق (1804 – 1887) الذي دعا إلى تحديث اللغة العربية وتطويرها وإثراء مفرداتها وأنشأ في الآستانة صحيفة الجوائب عام (1860)، وهي من أوائل الصحف التي صدرت بالعربية. كما دعا إلى تحديث المعاجم العربية فانتقد بشدة مثلاً القاموس المحيط، واهتم بعلوم العربية وفنونها كالاشتقاق والنحت لأنها تثري اللغة وعرّب هو نفسه عديد اللفظات، حتى أنه أعطى عنواناً منحوتاً لإحدى كتبه الساق على الساق فيما هو الفارياق والفارياق منحوتة من اسمه (أحمد فارس الشدياق). ومن النهضويين الذين اهتموا باللغة العربية كذلك ناصيف اليازجي (1800 – 1871) وابنه إبراهيم اليازجي (1847 – 1906) الذي دعا إلى تيسير النحو، وأسس مطبعة البيان في مصر (1897) واهتم بالتعريب وخاصة تعريب المصطلحات العلمية، وعرّب كلمات عديدة واهتم بالألفاظ المولدة، وبلغة (الجرايد)، كما اهتم بالاشتقاق والنحت باعتبارهما يثريان اللغة العربية، وقد أسس النهضويون، وخاصة نهضويو بلاد الشام جمعيات لغوية عديدة مثل الجمعية السورية للعلوم والفنون (1847)، والجمعية العلمية السورية (1857)، والمدرسة الوطنية التي أسسها بطرس البستاني عام (1863) وغيرها، كما أسسوا مطابع وصحفاً ومجلات في مصر، منها مطبعة الأهرام التي أسسها سليم تقلا (عام 1875) واصدر بواسطتها جريدة الأهرام المصرية التي ما زالت تصدر حتى الآن، كما أسس جرجي زيدان مطبعة الهلال (عام 1890) وأصدر بواسطتها مجلة الهلال، وأسس يعقوب صروف وفارس نمر مطبعة المقتطف (عام 1885) وأصدروا مجلة المقتطف وغيرها، وكانت مطبعة بولاق التي أسست (عام1821) قبل ذلك قد ساهمت بحركة النهضة من خلال دورها في حركة الطباعة.
خامساً: النهضويون العرب
اهتم النهضويون عامة بالوعي الثقافي عن طريق إحياء اللغة ودورها في نشر هذا الوعي، وربما كانوا مقتنعين، أو أن الظروف أجبرتهم على إعطاء الأولوية للوعي الثقافي مؤمنين بأن الوعي السياسي سيلحق به، فالوعي السياسي يحتاج إلى أرضية صلبة يقف عليها وينطلق منها، وهذه الأرضية هي الوعي الثقافي والقومي عامة، الذي يبدأ بإطلاق شرارة تطوير اللغة العربية وتحديثها وتكليفها بإفراغ جوانب هذا الوعي المختلفة التي حملتها مئات السنين، وعلى أي حال بدأ النهضويون العرب مسيرة تحديث العربية، وإتاحة الفرصة لها لتقوم بعملية إيقاظ وعي الأمة وتوعيتها وتشكل سلاحاً ماضياً بوجه تلاشي هذه الأمة، وهيأوا لها الطريق للنهوض في ما بعد.
بعد استقلال البلدان العربية، أعطت الدول العربية المستقلة للغة دورها الحقيقي والتاريخي في الوعي القومي، واستعادت حمولتها الثقافية والحضارية والتاريخية، باعتبارها الوعاء الذي يحمل خبرات الأمة وتجاربها، وقد قامت الدول العربية بعد استقلالها بأمرين هامين ساهما في تجديد اللغة من جهة، وفي إعطائها دورها الذي تستحقه في إحياء وعي الأمة وتأكيد مقوماتها وثقافتها واستعادة تجاربها وعلومها، وفي استشراف مستقبلها من جهة أخرى. ولعلَّ هذين الأمرين هما:
الأول: تضمين الدساتير العربية مادة تؤكد أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، مما شكل إلزاماً للحكومات بالحفاظ على اللغة العربية وخدمتها والتعليم بها، والحفاظ على الفصحى، وتهميش اللهجة العامية، والعمل على تطويرها لتقترب من الفصحى، وبالإجمال ممارسة مختلف الأساليب لتجديد اللغة والحفاظ عليها.
والثاني: تأسيس مجامع اللغة العربية، وتكليفها، من حيث المبدأ، صلاحيات تطوير اللغة والإشراف على تجديدها. وقد انتشرت اللغة العربية الفصحى مع انتشار التعليم في البلدان العربية المستقلة حديثاً، بعد الإلزام على استعمالها بالتعليم والصحافة وبوسائل الإعلام وإدارة الدولة، مما نشط فعاليتها ومنحها الحيوية والقدرة على النمو، ما أدى باللهجات العامية إلى التراجع.
حسين العودات(**)
أولاً: نشأة اللغة العربية
اللغة العربية من أقدم لغات العالم. تجاوز عمرها ما يزيد على خمسة عشر قرناً (بعضهم يقرر أن عمرها سبعة عشر قرناً) وما زالت حية وحيوية ويتحدث بها مئات الملايين، ولا شك في أن هذه اللغة ما كانت لتبقى متداولة لولا جملة من العوامل والظروف المناسبة، التي ساعدتها على التطور والتغلب على الصعوبات التي تراكمت في طريقها، وساهمت في تجددها ومرونتها كي تستمر في القيام بدورها ووظيفتها ومهمتها التاريخية، في الوقت الذي حافظت فيه على بنيتها وبنائها الأساس، وعلى نحوها وصرفها، واستوعبت معطيات التطور العلمي والتقاني والثقافي والحضاري الذي مرّت به ومرّ بها، وشكلت بذلك ظاهرة قليلة الحدوث، حين كانت عدة لغات أخرى تذوي وتموت وتخلي الساحة لغيرها عندما واجهها ما واجه اللغة العربية ومرَّ بها ما مرَّت به.
إن اللغة العربية لغة سامية، ولها مواصفات مشتركة مع لغات سامية أخرى شمالية وجنوبية، مثل الثمودية واللحيانية في الجنوب والأكادية والكنعانية والآرامية في الشمال والأمهرية في أفريقيا، وجاءت اللغة العربية من تطور عدة لغات لقبائل في جزيرة العرب، وقد انفتحت هذه اللغات القبلية في القرن السادس الميلادي بعضها من البعض الآخر ومن لغة قريش، كما شهد هذا القرن تطوراً في لغة قريش بدورها التي استفادت من اللغات القبلية الأخرى، وأخذت منها لفظات عديدة، وطرُقَ صرف متنوعة، حتى صارت مفهومة تماماً من مختلف قبائل العرب.
كانت الكعبة في مكة تؤوي تماثيلَ ورموزاً لآلهة القبائل كلها تقريباً، وكان أبناء هذه القبائل يحجون إلى مكة سنوياً لزيارة آلهتهم، ولأن قبيلة قريش تحكم مكة والحجاز، فقد نظمت الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية والإدارية ليصبح الحجاز شبه دولة، ولأن الأمر على هذا النحو، كانت قريش تحاول فهم لهجات القبائل العربية الأخرى وهمومها واهتماماتها، وتأخذ منها لفظات وأسلوباً دخلت مع الزمن في لغتها، وقد ساهم ذلك في تطوير لغة قريش، وجعلها أكثر استيعاباً للغات القبائل العربية الأخرى، وقد استنّت قريش سنّة مهمّة وتقليداً عظيماً كان له أثر ديني واقتصادي واجتماعي وسياسي، وهو إقامة الأسواق في الحجاز، ومنها أسواق عكاظ ومجنّة وذي المجاز وعشرات الأسواق الأخرى، ولم تكن هذه الأسواق للتبادل الاقتصادي أو للبيع والشراء فقط، وإنما كانت أيضاً ميداناً لنشاطات دينية (حوار ديني بين المشاركين) وشعرية (مباريات شعرية ونتذكر المعلقات مثلاً) واجتماعية (لقاء وتعارف وتبادل الأخبار بين القبائل) ونشاطات اقتصادية (أسواق البيع والشراء) وكانت هذه الأسواق تحت رعاية قريش وحمايتها، وقد أدَّت دوراً كبيراً في تعرّف القبائل بعضها على البعض الآخر وعلى لغاتها وشعرها وتاريخها وما يشبه ذلك، ومن النتائج تبادل لغات القبائل العربية في ما بينها الألفاظ والمعاني والصرف اللغوي والشعر وفنونه جميعاً (كالوصف والفخر والغزل والثأر وغيرها) مما كان يقرب هذه اللغات بعضها من البعض الآخر كما يقربها جميعها من لغة قريش، وعلى أي حال، تقاربت لغات العرب مع لغة قريش، حتى كادت أن تشكل لغة عربية واحدة، مفهومة من الجميع ومقبولة منهم. ولعل هذا هو الذي جعل بعض المستشرقين يعتقدون بوجود لغة عربية أدبية واحدة قبل الإسلام، وصل إليها العرب، ونزل بها القرآن، بينما يرى الدارسون والباحثون المسلمون أنه نزل بلغة قريش، التي كانت مفهومة من الجميع، ومقبولة من الجميع، وخاصة أن قبيلة قريش كانت سيدة الحجاز، والمشرفة على الكعبة بما فيها من أصنام العرب وتماثيل آلهتهم، فضلاً عن قيامها برحلتي التجارة الصيفية والشتوية إلى بلاد الشام واليمن، ولأنها كانت في الواقع أهم قبائل الجزيرة العربية المتطورة، والتي شكلت ما يشبه الدولة، لهذا لم يجد العرب صعوبة في فهم القرآن لأنهم كانوا يفهمون جيدا ًلغة قريش، وكان شعرهم وأدبهم بلغة قريبة منها، فمن الطبيعي إذاً أن ينزل القرآن بلغة قريش، لأنها الوحيدة المؤهلة، في ذلك الوقت، لتكون لغة جامعة مفهومة من القبائل العربية جميعها، بما في ذلك القبائل العربية المسيحية في بلاد الشام والعراق، أعني الغساسنة الذين كانوا بدورهم يتكلمون لغة خاصة بهم (ولذلك لم يوجد لديهم شاعر واحد في الجاهلية) وبما في ذلك أيضاً المناذرة في العراق، لكنهم كانوا يفهمون لغة قريش (التي أصبحت اللغة الأدبية ثم اللغة الفصحى للقبائل العربية جميعها) ويتكلمونها، ولذلك لم يحتج خالد بن الوليد عند دخوله بصرى في حوران لمترجم ليتفاهم مع الغساسنة، كما لم يحتج لمثل هذا المترجم في حواره مع قادة المناذرة وقبائل العراق العربية الأخرى قبل ذلك. وعلى أي حال عندما جاء الإسلام كانت لغة قريش مفهومة من قبائل العرب جميعها في جنوب الجزيرة وشمالها وفي بلاد الشام.
ثانياً: الانتشار
انتشرت اللغة العربية الموحدة (الفصحى) في جميع أنحاء الجزيرة العربية مع انتشار الإسلام، ومثلما وحد الإسلام جزيرة العرب تحت رايته، توحدت لغات هذه الجزيرة تحت راية لغة قريش، وأصبحت هذه اللغة بعد فترة هي الوحيدة المتداولة بين قبائل الجزيرة وسكانها بعد أن نزل القرآن بها، ولم تعد تواجه منافساً لها في أي مكان في الجزيرة، ثم مع توسع انتشار الإسلام والسلطة الإسلامية خارج الجزيرة، توسع انتشار العربية وهُمِّشَتْ لغات سامية عديدة كانت متداولة في البلدان التي فتحها المسلمون، وخاصة بلاد الشام والعراق، كالآرامية والسريانية والآشورية وغيرها، وأخذت هذه اللغة في الوقت نفسه، تغتني بلفظات جديدة، وتتأثر بأساليب جديدة وأدوات صرف جديدة، ونشطت بشكل كبير، مظاهر الترادف والاشتقاق والقياس والنحت وثراء مفردات اللغة وغير ذلك. وأخذت اللغة العربية تتجذر وتتسع مع اتساع الدولة الإسلامية ويصلب عودها لتستطيع القيام بأعباء «إمبراطورية ناشئة» ودولة تتأسس وتستكمل بناءها الإداري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي واللغوي أيضاً، ولم يكن أمام اللغة العربية خيار سوى أن تتطور بما لم تشهده لغة من قبل لا من حيث قصر المدة الزمنية ولا من حيث غنى المفردات أو تطور الأسلوب، ولم يكن بد من أن يتم تطورها بقفزات استثنائية لتستطيع استيعاب حاجات الدولة متعددة الجوانب، وهذا ما تم فعلاً، وساعدتها مرونتها من جهة وكونها لغة القرآن من جهة ثانية على التوسع والنمو وتهميش اللغات الأخرى التي كانت موجودة قبل قدومها، ومنها لغات لإمبراطوريات سابقة كالإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية، ووقفت العربية على أرض صلبة منذ السنوات الأولى لانتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية وانهيار الإمبراطورية الساسانية، وتراجع الإمبراطورية البيزنطية أمام الزحف العربي الإسلامي. وفي الخلاصة قويت اللغة العربية تبعاً لقوة الدولة، وتوسع انتشارها، وغدت جاهزة لتكون لغة ثقافة وإدارة وسياسة واقتصاد، وليس فقط لغة شعر ونثر وأدب كما كان حالها قبيل مجيء الإسلام، إنها الآن لغة إمبراطورية واسعة الأرجاء متعددة الشعوب واللغات التي لا بد من استيعابها.
ثالثاً: التطور السريع
كان على اللغة العربية أن تتطور سريعاً وعميقاً عندما اتسعت الدولة (الإمبراطورية) العربية الإسلامية، ولم يكن أمامها خيار سوى أن تطور نفسها، وتتأقلم مع الظروف المستجدة، ومع احتياجات الدولة والدين والمجتمع متعدد الثقافات والإثنيات، ولم تعد مواصفاتها التي كانت قبل مجيء الإسلام بل حتى قبيل عمليات التوسع والفتح، كافية لتقوم بهذه الأعباء، لأن مهماتها ووظائفها تطورت من مهمات لغة محلية تُعنى باحتياجات الشعر والأدب والهجاء والفخر والوصف والحب واحتياجات استعمالات الحياة اليومية، إلى مهمات لغة دولة قوية واسعة الأرجاء متعددة المجتمعات والثقافات والاحتياجات، بدءاً من احتياجات تعريب إدارة الدولة وصولاً إلى التحاور والتثاقف مع اللغات الأخرى، وأداء مهماتها الكبرى في تمكين المسلمين الجدد من العرب وغير العرب من فهم الإسلام فهماً صحيحاً، وإمكانية التحدث بالعربية وتعلمها بسهولة، وتجنب انتشار اللحْن والمحافظة على صحة اللغة، واستكمال الوصول إلى علومها واستخدام هذه العلوم. وفي ضوء ذلك أُنجز في منتصف القرن الأول الهجري تنقيط أحرف اللغة العربية قبل أن يستفحل اللحن، وقام أبو الأسود الدؤلي بهذه المهمة فنقَّط الحروف ووضع علم النحو، كما وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي علم العروض وألف أول معجم عربي، وتم وضع الحركات فوق الحروف العربية، ثم تمَّ تنقيط القرآن بدقة أكبر من ذي قبل على يديْ نصر بن عاصم ويحيى بن يعفر بإشراف الحجاج بن يوسف الثقفي وبأمر من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (26 _ 86هـ)، وقد اكتملت علوم اللغة العربية في الثلث الأخير من القرن الهجري الأول، وتم ضبطها وأصبحت تساعد على الابتعاد عن اللحن والعجمة، مما أدى إلى ضعف لغات أهل الأمصار من غير العرب وبدء تكلمهم عربية مولدة، وما لبثت اللغة العربية أن تطورت ونمت واستكملت جوانبها العلمية والمعرفية وقدرتها على خدمة الإمبراطورية الناشئة، مما أهّلها مع نهاية العهد الأموي كي تكون قادرة على الدخول في مجال التأليف العلمي، فضلا ًعن تعريب الإدارة والنقد والدواوين أيام عبد الملك بن مروان في إدارة الدولة ومجالات الثقافة والعلوم والترجمة وسد احتياجات الحياة اليومية.
تطورت اللغة العربية أيضاَ تطوراً بارزاً واستثنائياً في العصر العباسي الأول (750 – 847م) فازدهرت في ذلك العصر الترجمة من اللغات الأخرى (الفارسية، اليونانية، وحتى السنسكريتية) وكذلك التعريب، كما تم تأهيل اللغة العربية لاستيعاب الفلسفة والعلوم، ثم للتأليف بها والابتكار، وازدهر التعريب واستخدام المصطلحات وإغناؤها، وتعمق التعاون والاقتباس والتثاقف مع لغات الشعوب الأخرى الإسلامية وغير الإسلامية، وبدأ الاطلاع الجدي على ثقافات هذه الشعوب وحضاراتها والاستفادة منها.
ازدهرت الحضارة واللغة والثقافة العربية ونضجت الإمبراطورية ووصلت إلى أقصى اتساعها واستقرارها وتطور حضارتها وقوة لغتها في القرنين الثالث والرابع الهجريين، إلا أنه، رغم تقدمها العلمي والحضاري والثقافي في هذا العصر، بدأت الاندفاعة السياسية العربية وبالتالي اللغة العربية بالتراجع اعتباراً من هذا العصر، أمام لغات الشعوب الإسلامية الأخرى كالفارسية والتركية اللتين أصبحتا لغتي الإدارة أيضاً، في الدويلات (والإمارات) الفارسية والتركية التي قامت في ذلك الوقت، ولم يكن يربطها بمركز الخلافة العباسية سوى رباطٍ واهٍ، كالدعاء للخليفة وذكر اسمه على المنابر، وأصبح كل من الدويلات هذه كالبويهية والسلجوقية وغيرهما واقعياً دولة كاملة المواصفات والمهمات والوظائف، وتراجعت في مناطق هيمنتها اللغة العربية لتبقى لغة الأدب والشعر كما كانت قبل الإسلام، إلا أنها لم تفقد غناها بالألفاظ وتماسك علومها كالنحو والصرف وكسب مصطلحات علمية في مختلف جوانب الحياة، فضلاً عن تخزينها الحضارة العربية، وتحولها إلى وعاء يستوعب هذه الحضارة ويحملها مع الثقافة والعلوم، وعامل وعي وتوعية، إضافة إلى القيام بدور أداة التواصل، وناقلة القصص والأغاني والحكايات والأشعار والملاحم والبطولات كلها من جيل إلى جيل.
مثلما نُكبت الأمة في عصور الانحطاط بعد سقوط الدولة المركزية كذلك نُكبت اللغة العربية في هذا العصر، فانحسرت مع انحسار أهلها عن السلطة ومركز القرار، وتزايد اللحن حتى استفحل، كما تفشى الحديث باللهجات العامية المطعمة بألفاظ وأساليب لغات أخرى، وجمدت اللغة العربية إجمالاً وغاب الإبداع، واضطرتها الظروف للكمون والتراجع، إلا أنها بقيت حاملة لخصائص الأمة وثقافتها وتاريخها وتقاليدها وحتى لطقوسها وأساطيرها، كما لم ينطفئ كلياً استمرار تأثيرها في لغات الشعوب الإسلامية. وكان المتكلمون بهذه اللغات يتولون سدة الحكم، وبقيت مصدراً ومنبعاً لألفاظ العلوم والحضارة والثقافة.
رابعاً: اللهجات العامية، والدور التركي
مع انتشار اللهجات العامية وانفلات عقالها، تأثرت سلبياً اللغة الفصحى التي كانت من قبلُ تنحّي هذه اللهجات جانباً، وفي مطلع القرن السادس عشر الميلادي احتلت الإمبراطورية العثمانية البلدان العربية ووضعتها تحت هيمنتها، ولمّا كان اعتزاز العثمانيين الأتراك بلغتهم التركية كبيراً جداً، فقد أصرّوا على أن تحل التركية محل اللغة العربية لتصبح لغة ثقافة وحضارة وعلوم وفلسفة، فشرعوا منذ السنوات الأولى لاحتلالهم البلدان العربية بتهميش اللغة العربية، فأبعدوها عن المدارس وشرعوا التعليم بلغتهم فقط، وكذلك فرضوا لغتهم على إدارة الدولة وعلى المحاكم، ولم يكن للعرب سبيل للحفاظ على لغتهم الفصحى وإبقائها حية سوى فتح الكتاتيب لتعليم اللغة والقرآن وبعض الفقه وتعاليم الدين، إلا أن القرون الأربعة التي حكم فيها العثمانيون بلاد العرب، لم تستطع أن تميت اللغة العربية، التي أعطاها القرآن نسغ الحياة، وجهد النهضويون العرب لإحيائها.
اهتم النهضويون العرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بإحياء التراث العربي بمختلف جوانبه الثقافية والعلمية والاجتماعية وغيرها، وانطلقوا منطلقاً صحيحاً، وهو أن إحياء اللغة إنما يتم في إطاره إحياء التراث والتاريخ والثقافة والوعي القومي، فتوجهوا إلى إحياء اللغة كعمل ثقافي قبل أن يكون عملاً سياسياً، وكان ذلك في الوقت نفسه أرضاً صلبة يعتمد عليها الوعي القومي والوعي السياسي، ونهضة الأمة وسيرها في طريق التقدم، وذلك كله لتفادي طغيان الثقافة الأوروبية والنفوذ التركي الذي يحاصر العرب ووعيهم القومي وثقافتهم وحاضرهم السياسي ومستقبلهم، وكانت فكرة إحياء التراث والنشاط فيه فكرة قومية قبل أن تكون فكرة علمية، وبرز من النهضويين المجددين أحمد فارس الشدياق (1804 – 1887) الذي دعا إلى تحديث اللغة العربية وتطويرها وإثراء مفرداتها وأنشأ في الآستانة صحيفة الجوائب عام (1860)، وهي من أوائل الصحف التي صدرت بالعربية. كما دعا إلى تحديث المعاجم العربية فانتقد بشدة مثلاً القاموس المحيط، واهتم بعلوم العربية وفنونها كالاشتقاق والنحت لأنها تثري اللغة وعرّب هو نفسه عديد اللفظات، حتى أنه أعطى عنواناً منحوتاً لإحدى كتبه الساق على الساق فيما هو الفارياق والفارياق منحوتة من اسمه (أحمد فارس الشدياق). ومن النهضويين الذين اهتموا باللغة العربية كذلك ناصيف اليازجي (1800 – 1871) وابنه إبراهيم اليازجي (1847 – 1906) الذي دعا إلى تيسير النحو، وأسس مطبعة البيان في مصر (1897) واهتم بالتعريب وخاصة تعريب المصطلحات العلمية، وعرّب كلمات عديدة واهتم بالألفاظ المولدة، وبلغة (الجرايد)، كما اهتم بالاشتقاق والنحت باعتبارهما يثريان اللغة العربية، وقد أسس النهضويون، وخاصة نهضويو بلاد الشام جمعيات لغوية عديدة مثل الجمعية السورية للعلوم والفنون (1847)، والجمعية العلمية السورية (1857)، والمدرسة الوطنية التي أسسها بطرس البستاني عام (1863) وغيرها، كما أسسوا مطابع وصحفاً ومجلات في مصر، منها مطبعة الأهرام التي أسسها سليم تقلا (عام 1875) واصدر بواسطتها جريدة الأهرام المصرية التي ما زالت تصدر حتى الآن، كما أسس جرجي زيدان مطبعة الهلال (عام 1890) وأصدر بواسطتها مجلة الهلال، وأسس يعقوب صروف وفارس نمر مطبعة المقتطف (عام 1885) وأصدروا مجلة المقتطف وغيرها، وكانت مطبعة بولاق التي أسست (عام1821) قبل ذلك قد ساهمت بحركة النهضة من خلال دورها في حركة الطباعة.
خامساً: النهضويون العرب
اهتم النهضويون عامة بالوعي الثقافي عن طريق إحياء اللغة ودورها في نشر هذا الوعي، وربما كانوا مقتنعين، أو أن الظروف أجبرتهم على إعطاء الأولوية للوعي الثقافي مؤمنين بأن الوعي السياسي سيلحق به، فالوعي السياسي يحتاج إلى أرضية صلبة يقف عليها وينطلق منها، وهذه الأرضية هي الوعي الثقافي والقومي عامة، الذي يبدأ بإطلاق شرارة تطوير اللغة العربية وتحديثها وتكليفها بإفراغ جوانب هذا الوعي المختلفة التي حملتها مئات السنين، وعلى أي حال بدأ النهضويون العرب مسيرة تحديث العربية، وإتاحة الفرصة لها لتقوم بعملية إيقاظ وعي الأمة وتوعيتها وتشكل سلاحاً ماضياً بوجه تلاشي هذه الأمة، وهيأوا لها الطريق للنهوض في ما بعد.
بعد استقلال البلدان العربية، أعطت الدول العربية المستقلة للغة دورها الحقيقي والتاريخي في الوعي القومي، واستعادت حمولتها الثقافية والحضارية والتاريخية، باعتبارها الوعاء الذي يحمل خبرات الأمة وتجاربها، وقد قامت الدول العربية بعد استقلالها بأمرين هامين ساهما في تجديد اللغة من جهة، وفي إعطائها دورها الذي تستحقه في إحياء وعي الأمة وتأكيد مقوماتها وثقافتها واستعادة تجاربها وعلومها، وفي استشراف مستقبلها من جهة أخرى. ولعلَّ هذين الأمرين هما:
الأول: تضمين الدساتير العربية مادة تؤكد أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، مما شكل إلزاماً للحكومات بالحفاظ على اللغة العربية وخدمتها والتعليم بها، والحفاظ على الفصحى، وتهميش اللهجة العامية، والعمل على تطويرها لتقترب من الفصحى، وبالإجمال ممارسة مختلف الأساليب لتجديد اللغة والحفاظ عليها.
والثاني: تأسيس مجامع اللغة العربية، وتكليفها، من حيث المبدأ، صلاحيات تطوير اللغة والإشراف على تجديدها. وقد انتشرت اللغة العربية الفصحى مع انتشار التعليم في البلدان العربية المستقلة حديثاً، بعد الإلزام على استعمالها بالتعليم والصحافة وبوسائل الإعلام وإدارة الدولة، مما نشط فعاليتها ومنحها الحيوية والقدرة على النمو، ما أدى باللهجات العامية إلى التراجع.

تعليق