التدريب على وسائل الإقناع الحجاجي في اللغة العربية من المهد إلى اللحد
أ. د. عبد الجليل أبوبكرغزالة
أ. د. عبد الجليل أبوبكرغزالة
مقدمة
يَبْدَأُ اْلتَّدْرِيبُ على بناء وسائل الإقناع الحجاجي في اللغة العربية من المهد إلى اللحد ؛ أي بصورة مبكرة جدا . فالطفل الصغير يكتشف بطريقة عفوية أن بعض صراخه يملك قوة خاصة لإقناع والديه ، كإعطائه المرضع ، أو تلبية حاجياته . لذلك نراه يقوم بتحسين هذه الوسائل بشكل مستمر ، حتى يكتسب ملكة الكلام شيئا فشيئا هذه القدرة التي تمثل أكبر آلية للإقناع .
يَسْتَمِرُّ هذا التدريب العفوي على بناء وسائل الإقناع الحجاجي argumentative طيلة حياتنا ، لكنه يتمُّ في بعض الأحيان بطريقة غير متماسكة ، مما يجعلنا ننتظر الظروف الملائمة لكي نبرز مواهبنا ، وطاقاتنا . لا يفكر أي شخص في تنمية ، وتطوير وسائل إقناعه الحجاجي بشكل منهجي ، مثلما ينمِّي ، ويطور قدراته ، ومواهبه في اللعب ، أو العزف على البيانو ، ورياضة الدراجة الهوائية ، والعمل في البستان ، والرسم ، وصناعة الأثاث ( 1 ).
سَنُحَاوِلُ تقديمَ برنامجٍ تدريبي يمكن أن يتبعه أي إنسان يرغب في تطوير قدراته الخاصة ببناء وسائل الإقناع الحجاجي في اللغة العربية .
التدريب على النطق السليم :
يَتمُّ استقبالُ بعض الناس أحيانا بضحكات مفعمة بالسخرية ، والاستهزاء ، والمكر ، والشفقة ، خاصة عندما (( يغمغمون )) ، (( يلثغون )) ، أو ينطقون بعض الكلمات بشكل سيئ . لذلك فإنه من الطبيعي جدا أن يدرج الشخص المعني في الحسبان فكرة التدريب على النطق السليم . لا بد من تخصيص وقت يحدد يوميا للقراءة بصوت عال في أحد القواميس اللغوية ، وبذل الجهد للتمييز بين نطق الكلمات بدقة ، وصفاء تبعا للاستعمال الصوتي السليم الذي يفصل بين المقاطع .
اِضْغَطْ على نفسك حتى تتعلم النطق الجيد ، أو أطلب المساعدة من المتخصصين في الصوتيات ، أو اللسانيات العامة . إذا كان نطقك سيئا ، أو أنك لا تملك (( نبرة صوتية ذات نكهة محلية )) ، أو أنَّ نبرتك الصوتية tone الخاصة تثير نشازا في آذان الآخرين ، فإنه يجب عليك أن تنجز الأصوات المتحركة ، والمقاطع المركبة حسب النطق المناسب . توجد كتب عربية صوتية ، عروضية ، منهجية خاصة بالنطق تقدم لك معلومات ، وإرشادات مهمة في هذا الاتجاه .
تُعلِّمُكَ هذه الكتب العربية الحالات الصوتية الخاصة بنطق الأصوات اللغوية العربية المتحركة ، مثل الألف ، الواو ، الياء تبعا للنَّبر المرتفع ، أو المنخفض ، والترابطات ، أو الوقف الصوتي ، كقولنا في بعض أنواع السلسلة الكلامية :
_ رَجُلٌ عَظِيمٌ .
_ فِعْلٌ عَظِيمٌ .
_ حَمَاسٌ عَظِيمٌ .
_ دَمِي ، وَدَمُكَ فِدَاءٌ لِلْوَطَنِ ...الخ .
مَا أَكْثَرَ الكلمات العربية ، التي ينطقها أناس مثقفون بطرائق سيئة جدًّا ! نذكر بعض الأمثلة : إذا جاءوك حيُّوك ، إِخْصائي ، قُشَعريرة ، عُروض ، دِلالة ... تلعبُ الحركات الإعرابية الضابطة لهذه الكلمات دورا أساسيا في نطقها السليم ، أو اللاَّحن ، كما أن التركيز على بعض أصواتها يملك الأهمية عينها ( 2 ) . يتكرر الأمر بالنسبة لبعض الكلمات التي تضم أصوات الجيم ، والقاف ، والراء ، فلا بد من إبراز مخْرَجِ وَصِفَةِ كل صوت عند إنجاز كلماتٍ مثل : جَمَلٌ ، رَجْرَاجٌ ، قَلَمٌ ، لَقَبٌ ، اتِّفَاقٌ ، ، رَاكِبٌ ، جَرَادَةٌ ، ، مِصْرِيٌّ ، فُرْفُورٌ...الخ.
لاَ يَتَردَّدُ في نطق بعض الأصوات الحلقية العربية نَفَسٌ كبير ، مثل : العين ، الحاء ، القاف ، كقولك ، عَنْزَةٌ ، عَزِيزٌ ، حَسَنٌ ، مُحَمَّدٌ ، حَاصِدٌ ، قَمَرٌ ، قَادِمٌ ، قَنْطَرَةٌ ...الخ .
لاَ بُدَّ من الاطلاع على نطق الأصوات العربية في الكتب المتخصصة ، ومراجعة أهل الاختصاص ، والمعرفة ، والخبرة في الميدان ، كما أن الإلمام بالكتابة الصوتية ، والعَرُوضية له منافع قيمة في هذا المجال ( 3) .
التدريب على الأسلوب الجيد
يَجِبُ عليك أن تستمر في ممارسة التدريبات على النطق العربي السليم من حيث مخارجُ ، وصفات الأصوات ، كما يجب عليك أيضا الاهتمام بتدريبات أخرى تتعلق بالأسلوب ، وطريقة الإلقاء . اُبذلْ قصارى جهودك لكي تعطي للجمل العربية نبرات صوتية متنوعة تعبر عن الأحاسيس المتمايزة ، والمتقلبة . يجب عليك أن تتساءل عند قراءة أية جملة عربية في أحد الكتب :
_ ما نوعُ النبر الصوتي الذي يجب أن أطبقه لكي أنجز هذه الجملة بشكل سليم ، حتى تصبحَ مفعمةً بالدلالات المهمة ، والفعالية الكبيرة ، وأصلَ إلى التعبير عن كل الأحاسيس ، من خلال عملية النطق فقط ؟
لاَ يُمْكِنُ تحديد (( المشاعر المتباينة )) ، التي ترتبط بطرائق إنجازنا للكلمات والجمل ، لكننا نستطيع استعمال نبر صوتي بسيط ، حاد ، آمر ، مهين ،
، حكمي ، موافق ، عاطفي ، حزين ، عميق ، نزيه ، قاسي ، نشيط ، ضاغط ، ملتهب ، فاتر ، ساحر ...الخ . قد يُترجمُ النَّبرُ الصوتي المرارة ، السخرية ، التحضر ، العنف ، الاتهام ، التساؤل ، الاستنكار ، التعليل ، الألم ، الحماس ، التوقعات ، الوضاعة ، القوة ، السعادة ، الحنان ، العطاء ، الفرح ، الرقة ، الحزن العميق ، النبل ، العظمة ، الصرامة ، الصراحة ، الاطمئنان ، الترحيب ، النبرة الحسنة ، الخير ، الثقة ، الاستغراب ، الأسف ، الحب ، القسوة ، التسلط ، التقرير ، اليقين ، الإبهار ، الرحمة ...الخ ( 4 ) .
اِخْتَرْ من هذه القائمة ما يتناسب مع النبر الصوتي ، الذي تروم استخدامه في تدريبك . يجب عليك مراعاة قراءة كل جملة عربية ملائمة لبناء وسائل إقناعك الحجاجي ، مع ضرورة طرح هذا السؤال :
_ هَلْ يَسْتَطِيعُ التغير ، أو الجهر الذي يطرأ على صوتي أن يعبِّرَ بدقة عن المشاعر ، التي أريد أن أوضحها لمحاوري ؟ .
أَعِدِ اْلقِرَاءَةَ مرات عدة إلى أن تتأكد جيدا أنك قد حققت بالفعل هدفك المطلوب.
تُقَدِّمُ لك بعض النصوص الشعرية ، والمسرحية العربية المعاصرة فوائد عميمة . لذلك يجب عليك قراءة حواراتها بصورة عفوية تتناغم مع نفسيتك ، وعقليتك ، لكن لا تتَّبعْ رتابة هذه الحوارات ، والموضوعات المكررة . من الأحسن التركيز على قراءة نص مسرحي عربي يتكون من عشرين سطرا ، مع تغيير أسلوبك عند كل قراءة ، بدلا من التلعثم المستمر بالنسبة لمضمون المسرحية (5 ) .
تَكُونُ هذه التدريبات مخصصةً لخلق آليات معينة ، تجعل الأمر يسير بكل طواعية ، ومرونة ، كما لا يجب أن تتساءل أثناء بناء وسائل إقناعك الحجاجي :
_ هَلْ نبرةُ صوتي جيدة تلائم طبيعة موضوع الخطاب ، ومقامه ؟ .
تكون لهذا التدخل المرتبط بالوعي ، والرغبة في العمل الجيد نتيجة مؤكدة ، لأنه ينبهك إلى أبسط التفاصيل المزعجة ، ويمنح أقوالك طابعا مصطنعا ، ومتكلفا ، وهو ما يعكر صفو تفكيرك .
تَتَطَلَّبُ عمليةُ بناء وسائل الإقناع الحجاجي في اللغة العربية التوغل في (( منطقة اللاوعي )) ، لأنها تمثل مهارة في القول لا تركز على مدى ملاءمة النبر الصوتي للمقام الخطابي discursive con**** . يعتمد التنغيم intonation ، والتغير الصوتي الملائمين على اللسان دون أي مجهود شعوري يذكر .
التدريب على المعجم الثري
إِنَّ الكلمات المعجمية التي يستعملها المتكلم العربي المُقْنِعُ persuasiveهي عبارة أضواء يسلطها على عملية السماع عند مخاطبه ، حيث يبدو من المناسب توفر هذا المتكلم على معدات متكاملة ( 6 ) .
لِكَيْ تُخَزِّنَ في ذاكرتك عددا كبيرا من الكلمات العربية تكون رهن إشارتك في الوقت المناسب دون أن تبذل أي مجهود ، فلا بد من التمرُّن على إيجاد المرادفات لكل كلمة ، أو البحث عن المفردة القريبة منها في المعنى . استعنْ في البداية بالقواميس العربية ذات الاستعمال الشائع ، حيث إن المنجد مهم جدا ، لكن لكي يكون التدريب عمليا ، ونافعا فإنه لابد من الاعتماد على النفْسِ ، وإعمال الذكاء دون اللجوء إلى أي كتاب .
التدريب على الرد الجيد
لِكَيْ تَعْتَادَ على الرد السريع الملائم ، فإنه يجب عليك هنا أيضا اللجوء إلى إحدى القطع المسرحية العربية . قُمْ بإخفاء جزء من الحوار المتسلسل ، الذي ينجزه أي شخص مساهم في العمل بقطعة صغيرة من الورق . تَخَيَّلْ أنك ملزم بالجواب عن الحوار الذي قرأته قبل قليل . كون جوابا معينا ، وقارنه بالجواب الذي وضعه كاتب المسرحية .
لاَ تَسْتَسْلِمْ بسرعة لجواب كاتب المسرحية رغم صعوبة العملية ، وتعثرك أثناء تكرار المحاولة . أنجز هذا التمرين بنزاهة ، لأنه لا بد من بذل جهد حقيقي لمقاومة فضول معرفة جواب كاتب المسرحية .
التدريب على إيجاد الأدلة المقنعة
قَدْ تَكُونُ قرأت في جريدتك المفضلة مقالا يدافع فيه كاتبه عن أطروحة اجتماعية ، أو أخلاقية تتعلق بحقوق الأسرة ، تخفيض الضرائب ، إصلاح بعض العادات البالية ، وضع قانون صارم يلغي بعض التجاوزات ، ويحفظ بعض المصالح ...الخ .
خُذْ ورقةً ، وقلما ، وسجل كل الأدلة التي تبدو لك أنها تعارض تلك التي يقدمها كاتب المقال . إذا كان لديك متسعٌ من الوقت حاولْ أن تمنح ردك شكلا صحيحا ، ومناسبا بالتركيز على كلمات معينة يتبلور من خلالها فكرك بشكل جلي . لا يهدف هذا التدريب إلى إبراز كيفية معارضة الآخر ، بل إلى جعل الفكرة التي تنفذُ إلى ذهنك تفجر بشكل مباشر أفكارا جديدة ، وتخلق اضطرابات ، وعواطف متنوعة بدلا من بقائها مضمرة ، ومجهولة . ستسمح قوة رد الفعل التي يرسلها جهازك العقلي بتجاوز البراهين ، وانتقاء أجودها .
التدريب على الاستدلالات والبراهين الواضحة
قَدْ تَضَعُكَ الصدفة في بعض الأحيان وجها لوجه مع شخصين يناقشان بشكل مفرط موضوعا لغويا معينا ، فبدلا من الاستماع إليهما على أنك مجرد شخص يحب الاستمتاع بالكلام المسلِّي ، فإنه يجب عليك أن تساهم في الموضوع بذهنية وقَّادة تلفت النظر ، لكن قد يظهر بشكل واضح تحيزك لأحدهما . تخيلْ ماذا ستقول لو أنك كنت مكانه ؟
يَجِبُ عليك التزام الصمت ، مع العلم أن قولك سيبقى غامضا بالنسبة لشريكك المفترض ، كما يجب عليك أن تفكر في ردود تكون أكثر جرأة لإذاعتها بين الملأ. ( 6 ) .
يُمْكِنُكَ أن تعيد كتابة جزء من الحوار في أوقات الفراغ باعتبارك كنت شاهدا صامتا عليه حين حدوثه بين هذين الشخصين ، كما يجب عليك أن تقوم بتحليل ، ونقد أقوال الخصمين ، وابتكار أقوال تخصك شخصيا إذا كنت طرفا فعليا في الموضوع .
التدريب على استعمال الحدس النفسي
قَدْ تُسافرُ بالقطار ، فتجلس بإحدى العربات التي تضم مقهى . يجلس أمامك شخص غريب يسافر مثلك ، ينتظر نهاية الرحلة مثلك ، لكنه قد يمثل هدفا سهلا ، فتسلط عليه نظراتك . تدور بذهنك فكرة كيفية استغلال الموقف ، فتتساءل :
_ مَا اْلخُطَّةُ اْلنَّاجِحةُ ، أوِ اْلقَوْلُ اْلمُلائِمُ بالنِّسْبةِ لِهذَا اْلمَوْقفِ لَوْ أنَّنِي أَردْتُ إِبْرامَ صَفْقةٍ معَ هذَا اْلشَّخْصِ ، أوْ أنَّنِي طَلَبْتُ منهُ خدمةً معينةً ، أوْ عَرضْتُ عليهِ اِقْتراحًا مُعَينًا ؟
إِنَّ البحث الدقيق لتفسير ملامح وجه هذا الشخص ، والفحص الجيد لحركاته ، وسرعته ، وملابسه سيساعدانك على اكتشاف (( الروابط العاطفية )) ، التي يجب تحريكها بطريقة حدسية لإقناعه بقوة . لذلك فإنه يجب عليك إقصاء بسرعة الأدلة غير الملائمة بالنسبة لذهنية هذا الشخص . فكِّرْ في القول الذي يناسب وضعه ، والسلوك الذي يجب نهجه بشأنه ، ونوع النبر الصوتي الذي يجب عليك استخدامه لكي تجعله يقتنع بقولك .
لاَ يُمْكِنُكَ أن تفحص ، وتراجع في أغلب الأحيان فرضياتك السالفة ، حيث إن هدف هذا التدريب هو تعويدك ، وتدريبك بشكل دقيق على ممارسة سلوك عقلي يجعلك تنفذ حدسيا إلى أعماق نفسية مخاطبك ( 7 ) .
التدريب على النقاش الواقعي
قَدْ تَكُونُ التدريبات السابقة عديمة الفائدة ، ولا تمثل (( سوى أوهام فارغة )) ؛ أي أنها مجرد قدرة ضئيلة تروم إيجاد أدلة حاسمة في نهاية المناقشة . لذلك فإنك مضطر لتطعيمها بمناقشات واقعية ، ومتواصلة يكون هدفها التدرب صحبة شخص معارض يمارس عليك تأثيره الخاص ، وهو ما قد يشل حركتك ، وتفكيرك ، أو يشوش فكرك بردود غير متوقعة .
أُطْلُبْ من أحد أقاربك ، أو زملائك القيام بدور الشخص المعارض ، وناقش معه الموضوعات التي تتفقان عليها .
اِغْتَنِمْ كل الفرص التي تقدمها لك الحياة اليومية لكي تبرز مواهبك ، وقدراتك الخاصة بعملية بناء وسائل إقناعك الحجاجي ، إذْ من الواضح أن القول المأثور:
_ (( إنَّ ممارسة الحدادة هي التي تجعلُ الإنسان حدَّادًا ماهرًا )) .
يَنْطَبِقُ هذا على عملية بناء وسائل الإقناع الحجاجي في اللغة العربية ، كما أن تكرار بعض الأفعال النابعة من الرغبة في الإقناع يؤدي إلى تنمية داخلية لاتجاهات ، وسمات المتكلم المُقْنِعِ الجيد . إن نجاح بناء وسائل إقناعك يطور قدراتك ، وكل فشل أو رفض للنقاش يجعلك وضيعا ، وعاجزا ، مما يخلق بعض الآليات العقلية التي تشكل (( موهبة بارزة في مجال بناء وسائل الإقناع في اللغة العربية )) عن طريق التدريبات ، والتقوية ، والتطوير لبعض العادات .
لَكِنْ لا يجبُ أن تتخذ من تدريبات بناء وسائل الإقناع الحجاجي في اللغة العربية ذريعةً لتصبح من المجادلين ، الذين يحركون المناقشات بمجرد سماعهم لأية كلمة مهما كان معناها ، لأنهم أشخاص مزعجون يخلقون السأَمَ (( يفرُّ منهم الناس ، وكأنهم يفرون من مرض فقدان المناعة المكتسبة )) , لأنهم يفرضون عليهم أعمالا ، وتصرفات غير مناسبة.
يَبْدَأُ اْلتَّدْرِيبُ على بناء وسائل الإقناع الحجاجي في اللغة العربية من المهد إلى اللحد ؛ أي بصورة مبكرة جدا . فالطفل الصغير يكتشف بطريقة عفوية أن بعض صراخه يملك قوة خاصة لإقناع والديه ، كإعطائه المرضع ، أو تلبية حاجياته . لذلك نراه يقوم بتحسين هذه الوسائل بشكل مستمر ، حتى يكتسب ملكة الكلام شيئا فشيئا هذه القدرة التي تمثل أكبر آلية للإقناع .
يَسْتَمِرُّ هذا التدريب العفوي على بناء وسائل الإقناع الحجاجي argumentative طيلة حياتنا ، لكنه يتمُّ في بعض الأحيان بطريقة غير متماسكة ، مما يجعلنا ننتظر الظروف الملائمة لكي نبرز مواهبنا ، وطاقاتنا . لا يفكر أي شخص في تنمية ، وتطوير وسائل إقناعه الحجاجي بشكل منهجي ، مثلما ينمِّي ، ويطور قدراته ، ومواهبه في اللعب ، أو العزف على البيانو ، ورياضة الدراجة الهوائية ، والعمل في البستان ، والرسم ، وصناعة الأثاث ( 1 ).
سَنُحَاوِلُ تقديمَ برنامجٍ تدريبي يمكن أن يتبعه أي إنسان يرغب في تطوير قدراته الخاصة ببناء وسائل الإقناع الحجاجي في اللغة العربية .
التدريب على النطق السليم :
يَتمُّ استقبالُ بعض الناس أحيانا بضحكات مفعمة بالسخرية ، والاستهزاء ، والمكر ، والشفقة ، خاصة عندما (( يغمغمون )) ، (( يلثغون )) ، أو ينطقون بعض الكلمات بشكل سيئ . لذلك فإنه من الطبيعي جدا أن يدرج الشخص المعني في الحسبان فكرة التدريب على النطق السليم . لا بد من تخصيص وقت يحدد يوميا للقراءة بصوت عال في أحد القواميس اللغوية ، وبذل الجهد للتمييز بين نطق الكلمات بدقة ، وصفاء تبعا للاستعمال الصوتي السليم الذي يفصل بين المقاطع .
اِضْغَطْ على نفسك حتى تتعلم النطق الجيد ، أو أطلب المساعدة من المتخصصين في الصوتيات ، أو اللسانيات العامة . إذا كان نطقك سيئا ، أو أنك لا تملك (( نبرة صوتية ذات نكهة محلية )) ، أو أنَّ نبرتك الصوتية tone الخاصة تثير نشازا في آذان الآخرين ، فإنه يجب عليك أن تنجز الأصوات المتحركة ، والمقاطع المركبة حسب النطق المناسب . توجد كتب عربية صوتية ، عروضية ، منهجية خاصة بالنطق تقدم لك معلومات ، وإرشادات مهمة في هذا الاتجاه .
تُعلِّمُكَ هذه الكتب العربية الحالات الصوتية الخاصة بنطق الأصوات اللغوية العربية المتحركة ، مثل الألف ، الواو ، الياء تبعا للنَّبر المرتفع ، أو المنخفض ، والترابطات ، أو الوقف الصوتي ، كقولنا في بعض أنواع السلسلة الكلامية :
_ رَجُلٌ عَظِيمٌ .
_ فِعْلٌ عَظِيمٌ .
_ حَمَاسٌ عَظِيمٌ .
_ دَمِي ، وَدَمُكَ فِدَاءٌ لِلْوَطَنِ ...الخ .
مَا أَكْثَرَ الكلمات العربية ، التي ينطقها أناس مثقفون بطرائق سيئة جدًّا ! نذكر بعض الأمثلة : إذا جاءوك حيُّوك ، إِخْصائي ، قُشَعريرة ، عُروض ، دِلالة ... تلعبُ الحركات الإعرابية الضابطة لهذه الكلمات دورا أساسيا في نطقها السليم ، أو اللاَّحن ، كما أن التركيز على بعض أصواتها يملك الأهمية عينها ( 2 ) . يتكرر الأمر بالنسبة لبعض الكلمات التي تضم أصوات الجيم ، والقاف ، والراء ، فلا بد من إبراز مخْرَجِ وَصِفَةِ كل صوت عند إنجاز كلماتٍ مثل : جَمَلٌ ، رَجْرَاجٌ ، قَلَمٌ ، لَقَبٌ ، اتِّفَاقٌ ، ، رَاكِبٌ ، جَرَادَةٌ ، ، مِصْرِيٌّ ، فُرْفُورٌ...الخ.
لاَ يَتَردَّدُ في نطق بعض الأصوات الحلقية العربية نَفَسٌ كبير ، مثل : العين ، الحاء ، القاف ، كقولك ، عَنْزَةٌ ، عَزِيزٌ ، حَسَنٌ ، مُحَمَّدٌ ، حَاصِدٌ ، قَمَرٌ ، قَادِمٌ ، قَنْطَرَةٌ ...الخ .
لاَ بُدَّ من الاطلاع على نطق الأصوات العربية في الكتب المتخصصة ، ومراجعة أهل الاختصاص ، والمعرفة ، والخبرة في الميدان ، كما أن الإلمام بالكتابة الصوتية ، والعَرُوضية له منافع قيمة في هذا المجال ( 3) .
التدريب على الأسلوب الجيد
يَجِبُ عليك أن تستمر في ممارسة التدريبات على النطق العربي السليم من حيث مخارجُ ، وصفات الأصوات ، كما يجب عليك أيضا الاهتمام بتدريبات أخرى تتعلق بالأسلوب ، وطريقة الإلقاء . اُبذلْ قصارى جهودك لكي تعطي للجمل العربية نبرات صوتية متنوعة تعبر عن الأحاسيس المتمايزة ، والمتقلبة . يجب عليك أن تتساءل عند قراءة أية جملة عربية في أحد الكتب :
_ ما نوعُ النبر الصوتي الذي يجب أن أطبقه لكي أنجز هذه الجملة بشكل سليم ، حتى تصبحَ مفعمةً بالدلالات المهمة ، والفعالية الكبيرة ، وأصلَ إلى التعبير عن كل الأحاسيس ، من خلال عملية النطق فقط ؟
لاَ يُمْكِنُ تحديد (( المشاعر المتباينة )) ، التي ترتبط بطرائق إنجازنا للكلمات والجمل ، لكننا نستطيع استعمال نبر صوتي بسيط ، حاد ، آمر ، مهين ،
، حكمي ، موافق ، عاطفي ، حزين ، عميق ، نزيه ، قاسي ، نشيط ، ضاغط ، ملتهب ، فاتر ، ساحر ...الخ . قد يُترجمُ النَّبرُ الصوتي المرارة ، السخرية ، التحضر ، العنف ، الاتهام ، التساؤل ، الاستنكار ، التعليل ، الألم ، الحماس ، التوقعات ، الوضاعة ، القوة ، السعادة ، الحنان ، العطاء ، الفرح ، الرقة ، الحزن العميق ، النبل ، العظمة ، الصرامة ، الصراحة ، الاطمئنان ، الترحيب ، النبرة الحسنة ، الخير ، الثقة ، الاستغراب ، الأسف ، الحب ، القسوة ، التسلط ، التقرير ، اليقين ، الإبهار ، الرحمة ...الخ ( 4 ) .
اِخْتَرْ من هذه القائمة ما يتناسب مع النبر الصوتي ، الذي تروم استخدامه في تدريبك . يجب عليك مراعاة قراءة كل جملة عربية ملائمة لبناء وسائل إقناعك الحجاجي ، مع ضرورة طرح هذا السؤال :
_ هَلْ يَسْتَطِيعُ التغير ، أو الجهر الذي يطرأ على صوتي أن يعبِّرَ بدقة عن المشاعر ، التي أريد أن أوضحها لمحاوري ؟ .
أَعِدِ اْلقِرَاءَةَ مرات عدة إلى أن تتأكد جيدا أنك قد حققت بالفعل هدفك المطلوب.
تُقَدِّمُ لك بعض النصوص الشعرية ، والمسرحية العربية المعاصرة فوائد عميمة . لذلك يجب عليك قراءة حواراتها بصورة عفوية تتناغم مع نفسيتك ، وعقليتك ، لكن لا تتَّبعْ رتابة هذه الحوارات ، والموضوعات المكررة . من الأحسن التركيز على قراءة نص مسرحي عربي يتكون من عشرين سطرا ، مع تغيير أسلوبك عند كل قراءة ، بدلا من التلعثم المستمر بالنسبة لمضمون المسرحية (5 ) .
تَكُونُ هذه التدريبات مخصصةً لخلق آليات معينة ، تجعل الأمر يسير بكل طواعية ، ومرونة ، كما لا يجب أن تتساءل أثناء بناء وسائل إقناعك الحجاجي :
_ هَلْ نبرةُ صوتي جيدة تلائم طبيعة موضوع الخطاب ، ومقامه ؟ .
تكون لهذا التدخل المرتبط بالوعي ، والرغبة في العمل الجيد نتيجة مؤكدة ، لأنه ينبهك إلى أبسط التفاصيل المزعجة ، ويمنح أقوالك طابعا مصطنعا ، ومتكلفا ، وهو ما يعكر صفو تفكيرك .
تَتَطَلَّبُ عمليةُ بناء وسائل الإقناع الحجاجي في اللغة العربية التوغل في (( منطقة اللاوعي )) ، لأنها تمثل مهارة في القول لا تركز على مدى ملاءمة النبر الصوتي للمقام الخطابي discursive con**** . يعتمد التنغيم intonation ، والتغير الصوتي الملائمين على اللسان دون أي مجهود شعوري يذكر .
التدريب على المعجم الثري
إِنَّ الكلمات المعجمية التي يستعملها المتكلم العربي المُقْنِعُ persuasiveهي عبارة أضواء يسلطها على عملية السماع عند مخاطبه ، حيث يبدو من المناسب توفر هذا المتكلم على معدات متكاملة ( 6 ) .
لِكَيْ تُخَزِّنَ في ذاكرتك عددا كبيرا من الكلمات العربية تكون رهن إشارتك في الوقت المناسب دون أن تبذل أي مجهود ، فلا بد من التمرُّن على إيجاد المرادفات لكل كلمة ، أو البحث عن المفردة القريبة منها في المعنى . استعنْ في البداية بالقواميس العربية ذات الاستعمال الشائع ، حيث إن المنجد مهم جدا ، لكن لكي يكون التدريب عمليا ، ونافعا فإنه لابد من الاعتماد على النفْسِ ، وإعمال الذكاء دون اللجوء إلى أي كتاب .
التدريب على الرد الجيد
لِكَيْ تَعْتَادَ على الرد السريع الملائم ، فإنه يجب عليك هنا أيضا اللجوء إلى إحدى القطع المسرحية العربية . قُمْ بإخفاء جزء من الحوار المتسلسل ، الذي ينجزه أي شخص مساهم في العمل بقطعة صغيرة من الورق . تَخَيَّلْ أنك ملزم بالجواب عن الحوار الذي قرأته قبل قليل . كون جوابا معينا ، وقارنه بالجواب الذي وضعه كاتب المسرحية .
لاَ تَسْتَسْلِمْ بسرعة لجواب كاتب المسرحية رغم صعوبة العملية ، وتعثرك أثناء تكرار المحاولة . أنجز هذا التمرين بنزاهة ، لأنه لا بد من بذل جهد حقيقي لمقاومة فضول معرفة جواب كاتب المسرحية .
التدريب على إيجاد الأدلة المقنعة
قَدْ تَكُونُ قرأت في جريدتك المفضلة مقالا يدافع فيه كاتبه عن أطروحة اجتماعية ، أو أخلاقية تتعلق بحقوق الأسرة ، تخفيض الضرائب ، إصلاح بعض العادات البالية ، وضع قانون صارم يلغي بعض التجاوزات ، ويحفظ بعض المصالح ...الخ .
خُذْ ورقةً ، وقلما ، وسجل كل الأدلة التي تبدو لك أنها تعارض تلك التي يقدمها كاتب المقال . إذا كان لديك متسعٌ من الوقت حاولْ أن تمنح ردك شكلا صحيحا ، ومناسبا بالتركيز على كلمات معينة يتبلور من خلالها فكرك بشكل جلي . لا يهدف هذا التدريب إلى إبراز كيفية معارضة الآخر ، بل إلى جعل الفكرة التي تنفذُ إلى ذهنك تفجر بشكل مباشر أفكارا جديدة ، وتخلق اضطرابات ، وعواطف متنوعة بدلا من بقائها مضمرة ، ومجهولة . ستسمح قوة رد الفعل التي يرسلها جهازك العقلي بتجاوز البراهين ، وانتقاء أجودها .
التدريب على الاستدلالات والبراهين الواضحة
قَدْ تَضَعُكَ الصدفة في بعض الأحيان وجها لوجه مع شخصين يناقشان بشكل مفرط موضوعا لغويا معينا ، فبدلا من الاستماع إليهما على أنك مجرد شخص يحب الاستمتاع بالكلام المسلِّي ، فإنه يجب عليك أن تساهم في الموضوع بذهنية وقَّادة تلفت النظر ، لكن قد يظهر بشكل واضح تحيزك لأحدهما . تخيلْ ماذا ستقول لو أنك كنت مكانه ؟
يَجِبُ عليك التزام الصمت ، مع العلم أن قولك سيبقى غامضا بالنسبة لشريكك المفترض ، كما يجب عليك أن تفكر في ردود تكون أكثر جرأة لإذاعتها بين الملأ. ( 6 ) .
يُمْكِنُكَ أن تعيد كتابة جزء من الحوار في أوقات الفراغ باعتبارك كنت شاهدا صامتا عليه حين حدوثه بين هذين الشخصين ، كما يجب عليك أن تقوم بتحليل ، ونقد أقوال الخصمين ، وابتكار أقوال تخصك شخصيا إذا كنت طرفا فعليا في الموضوع .
التدريب على استعمال الحدس النفسي
قَدْ تُسافرُ بالقطار ، فتجلس بإحدى العربات التي تضم مقهى . يجلس أمامك شخص غريب يسافر مثلك ، ينتظر نهاية الرحلة مثلك ، لكنه قد يمثل هدفا سهلا ، فتسلط عليه نظراتك . تدور بذهنك فكرة كيفية استغلال الموقف ، فتتساءل :
_ مَا اْلخُطَّةُ اْلنَّاجِحةُ ، أوِ اْلقَوْلُ اْلمُلائِمُ بالنِّسْبةِ لِهذَا اْلمَوْقفِ لَوْ أنَّنِي أَردْتُ إِبْرامَ صَفْقةٍ معَ هذَا اْلشَّخْصِ ، أوْ أنَّنِي طَلَبْتُ منهُ خدمةً معينةً ، أوْ عَرضْتُ عليهِ اِقْتراحًا مُعَينًا ؟
إِنَّ البحث الدقيق لتفسير ملامح وجه هذا الشخص ، والفحص الجيد لحركاته ، وسرعته ، وملابسه سيساعدانك على اكتشاف (( الروابط العاطفية )) ، التي يجب تحريكها بطريقة حدسية لإقناعه بقوة . لذلك فإنه يجب عليك إقصاء بسرعة الأدلة غير الملائمة بالنسبة لذهنية هذا الشخص . فكِّرْ في القول الذي يناسب وضعه ، والسلوك الذي يجب نهجه بشأنه ، ونوع النبر الصوتي الذي يجب عليك استخدامه لكي تجعله يقتنع بقولك .
لاَ يُمْكِنُكَ أن تفحص ، وتراجع في أغلب الأحيان فرضياتك السالفة ، حيث إن هدف هذا التدريب هو تعويدك ، وتدريبك بشكل دقيق على ممارسة سلوك عقلي يجعلك تنفذ حدسيا إلى أعماق نفسية مخاطبك ( 7 ) .
التدريب على النقاش الواقعي
قَدْ تَكُونُ التدريبات السابقة عديمة الفائدة ، ولا تمثل (( سوى أوهام فارغة )) ؛ أي أنها مجرد قدرة ضئيلة تروم إيجاد أدلة حاسمة في نهاية المناقشة . لذلك فإنك مضطر لتطعيمها بمناقشات واقعية ، ومتواصلة يكون هدفها التدرب صحبة شخص معارض يمارس عليك تأثيره الخاص ، وهو ما قد يشل حركتك ، وتفكيرك ، أو يشوش فكرك بردود غير متوقعة .
أُطْلُبْ من أحد أقاربك ، أو زملائك القيام بدور الشخص المعارض ، وناقش معه الموضوعات التي تتفقان عليها .
اِغْتَنِمْ كل الفرص التي تقدمها لك الحياة اليومية لكي تبرز مواهبك ، وقدراتك الخاصة بعملية بناء وسائل إقناعك الحجاجي ، إذْ من الواضح أن القول المأثور:
_ (( إنَّ ممارسة الحدادة هي التي تجعلُ الإنسان حدَّادًا ماهرًا )) .
يَنْطَبِقُ هذا على عملية بناء وسائل الإقناع الحجاجي في اللغة العربية ، كما أن تكرار بعض الأفعال النابعة من الرغبة في الإقناع يؤدي إلى تنمية داخلية لاتجاهات ، وسمات المتكلم المُقْنِعِ الجيد . إن نجاح بناء وسائل إقناعك يطور قدراتك ، وكل فشل أو رفض للنقاش يجعلك وضيعا ، وعاجزا ، مما يخلق بعض الآليات العقلية التي تشكل (( موهبة بارزة في مجال بناء وسائل الإقناع في اللغة العربية )) عن طريق التدريبات ، والتقوية ، والتطوير لبعض العادات .
لَكِنْ لا يجبُ أن تتخذ من تدريبات بناء وسائل الإقناع الحجاجي في اللغة العربية ذريعةً لتصبح من المجادلين ، الذين يحركون المناقشات بمجرد سماعهم لأية كلمة مهما كان معناها ، لأنهم أشخاص مزعجون يخلقون السأَمَ (( يفرُّ منهم الناس ، وكأنهم يفرون من مرض فقدان المناعة المكتسبة )) , لأنهم يفرضون عليهم أعمالا ، وتصرفات غير مناسبة.

تعليق