العربية: فضلها على العلم والمدنية، وأثرها في الأمم غير العربية
الإمام محمد البشير الإبراهيمي
الإمام محمد البشير الإبراهيمي
العربية
فضلها على العلم والمدنية، وأثرها في الأمم غير العربية[1]
الخطاب الذي ألقاه الأستاذ البشير الإبراهيمي، نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في أحد أيام اجتماعها، تفضل الأستاذ بتقديمه لهذه المجلة.
أيها الاخوة الكرام، كلَّفني الأستاذ الرئيس أن أحاضر هذا الجمع العربي الحاشد بكلمات في ناحية زاخرة من نواحي لغته الجليلة، وجانب عامر من جوانبها الفسيحة - وهو فضلها على العلم والمدنية، وأثرها في الأمم غير العربية - إشادةً بفضل هذه اللغة الشريفة، في هذا الاحتفال العلمي، ووفاء ببعض حقها علينا، وحفزًا لهممكم - وأنتم أبناؤها البررة - أن تهن في خدمتها، أو تقصر في حقها، وإعلانًا للمعنى الذي قامت جمعية العلماء بتحقيقه، وهو إحياء هذه اللغة، وإحياء الدين الذي ترجمت محاسنه، واضطلعت بحمل أسراره.
ثم عهد إليَّ الأستاذ أن أكتب ما ألقيه عليكم؛ ليعُمَّ نفعه السامعين والقارئين، وإن هذا الموضوع الذي سامني الأستاذ الكتابةَ فيه موضوع علمي تاريخي، لا تعلق الحافظة بأسبابه كلها، ولا تقوى على جمع أطرافه؛ وإنما عماده البحث والتنقيب، وإقامة الشواهد، وحشد النصوص، وهذا ما لا يسعه وقت التكليف، وهو يومان، تتخللهما فروض المجلس الإداري، وواجبات جمعية العلماء؛ لذلك كله سلكت في الكتابة مسلكًا أدبيًّا، يُستمد من الخيال أكثر مما يستمد من الحقيقة، ويعتمد على الخطابة أكثر مما يعتمد على البرهان، ويرمي إلى إلهاب الحماس في نفوسكم أكثر مما يرمي إلى تقرير الحقائق فيها، فإن بلغت رضاكم بما تسمعون فذلك، وإن قصرت عن الغاية كان ضيق الوقت وسَعة الموضوع شفيعيَّ في التقصير.
أيها الإخوة، انشقت اللغة العربية من أصلها السامي في عصور متوغلة في القِدَم، وجرت في ألسنة هذه الأمة التي اجتمعت معها في مناسب المجد وأرومات الفخر، وشاء الله أن يكون ظهورها في تلك الجزيرة الجامعة بين صحو الجو وصفو الدَّوِّ، والمحبوة بجمال الطبيعة ومحاسن الفِطرة؛ لتتفتق أذهان عُمَّار تلك الجزيرة عن روائع الحكمة، مجلوة في معرِض البيان، بهذا اللسان، وقد كانت هذه اللغة تَرجمانًا صادقًا لكثير من الحضارات المتعاقبة التي شادها العرب بجزيرتهم، وفي أوضاع هذه اللغة إلى الآن مِن آثار تلك الحضارات بقايا، وعليها من رونقها سمات، وفي هذه اللغة من المزايا التي يعز نظيرها في لغات البشر: الاتساعُ في التعبير عن الوجدانيات، والوجدانُ أساس الحضارات والعلوم كلها.
وهذه المدنيَّة التي تردِّد لفظَها الألسنُ، ويصطلح المؤرخون على نسبتها إلى أمم مختلفة، ويميزون بينها بطوابع خاصة، ويشتد المتعصبون في احتكارها لأمة دون أمة، كأنها خُلقت معها، أو كأنها ذاتية لها، هي في الحقيقة تراث إنساني تُسلِّمه أمة إلى أمة، وتأخذه أمة عن أمة، فتزيد فيه، أو تنقص منه، بحسب ما يتهيأ لها من وسائل، وما يؤثر فيها من عوامل، وخير الأمم وأوفاها للمدنية هي الأمة التي تقوي الجهات الصالحة في المدنية، وتكمل النقائص الظاهرة فيها، وتسعى في نشرها وإشراك الناس كلهم في خيراتها ومنافعها، وخير اللغات ما كانت لسانًا مبينًا للمدنية، تسهل على الناس سبيلها، وتمهِّد لهم مقيلها.
وقد أصبح احتكار المدنية لأمم خاصة تقليدًا شائعًا متعاصيًا عن التمحيص والنقد، ومن هذا الباب احتكار الغربيين للمدنية القائمة اليوم، وما هي في الحقيقة إلا عصارة الحضارات القديمة، ورثها الغربيون عمن تقدمهم، وقاموا عليها بالتزيين والتحسين والتلوين، وطبعوها بالطوابع التي اقتضاها الوقت، وانتحلوها لأنفسهم أصلاً وفرعًا، ولا تزال التنقيبات عن مُخلَّفات الحضارات القديمة تكشف كل يوم عن جديد يفضح هؤلاء المحتكرين، ويقلل من غرورهم.
ومن العجائب أن هذه الحضارة القائمة الآن تساندت في تكوينها وفي تلوينها عدة لغات مختلفة الأصول، ولم تستطع أن تقوم بها لغة واحدة، على حين أن العربية قامت وحدها ببناء حضارة شامخة البنيان، ولم تستعر من اللغات الأخرى إلا قليلاً من المفردات.
أيها الإخوان، ازدهرت حضارات الأمم القديمة؛ من العرب، وفارس، والهند، والصين، ومصر، واليونان، والرومان، وزخرت علومها، وكانت كلها مبنية على أصول عامة متشابهة، وكانت لكل حضارة لغتها المعبرة عن محاسنها، والكاشفة عن حقائقها، وكان لتلك اللغات أثر بيِّن في بقاء الحضارة وانتشارها، وكلٌّ مِن بقاء الحضارة وانتشارها يتوقف على ما في اللغة من قوة وحياة واتساع، فاللغة من الحضارة جزء لا كالأجزاء، كاللسان من البدن عضو لا كالأعضاء، ثم اندثرت تلك المدنيات والعلوم إلا ما بقي من آثار الأولى منقوشًا على الأحجار، وما بقي من آثار الثانية مكتوبًا في الأسفار، ولولا اللغات لم نتبين من الحضارات ما تبينَّاه.
أيها الإخوان، كانت الحضارات القديمة تقوم على تعبُّد يسد شعور النفس البشرية بالخضوع إلى قوة أعلى منها، فإن لم يكن هذا التعبد حقًّا طغت عليه الخرافة، وأصبحت الخرافة جزءًا من المدنية، وتقوم على تشريع يوزع العدل بين الناس، ويحفظ مصالحهم الدنيوية، فإن لم يستند هذا التشريع على وحي سماوي أو نظام شوري، طغى عليه التحكم والاستبداد، وأصبح الاستبداد جزءًا من تلك المدنية، وتقوم على نتاج القرائح البشرية من علوم، فإن لم تكفل هذه القرائح حرية شاملة، لابَسَها التزوير والكذب، وأصبح التزوير والكذب جزءًا من تلك المدنية، وتقوم على لغة تسع تلك المدنية بيانًا وإفصاحًا، فإن ضاقت اللغة خسرت المدنية، وإنَّ حضارة اليوم لم تَسْلَمْ من بعض هذه النقائص والعيوب.
كانت هذه حال الحضارات إلى أن جاء الإسلام بالحضارة التي لا تَبيد، والمدنية المبنية على حكم الله وآداب النبوة، فكان التوحيد أساسها، والفضائل أركانَها، والتشريع الإلهي العادل سياجَها، واللغة العربية الناصعة البيان الواسعةُ الأفق لسانَها، وبذلك كله أصبحت مهيمنة على المدنيات كلها، ووضع الإسلام هذه الحضارة الخالدة على القواعد الثابتة مما ذكرناه، وقامت اللغة العربية ببيانها على أكمل وجه، وكانت الأمة المدخَرة لتشييد هذه الحضارة التي نسميها بحق الحضارة الإسلامية هي الأمةَ العربية.
فهِم العرب لأول عهدهم بالإسلام وبإرشاد القرآن أن هناك أممًا قد خلت عمرت الأرض، ومكن لها الله فيها، وكانت أكثر أموالاً، وأعز نفرًا، وأثبت آثارًا، وامتثلوا أمر القرآن بالسير في الأرض، والنظر في آثار تلك الأمم، والاعتبار بمصايرها وعواقبها، ونبههم القرآن إلى أن مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً، فكان هذا الإرشاد القرآني المتكرر حفزًا إلى التنقيب عن آثار المدنيات القديمة، ودراستها، والاطلاع على الصالح النافع منها، والأخذ به، وكان من آثار هذا التنبيه القرآني أن تفتحت أذهان المسلمين - ولا أعنيكم - إلى دراسة هذه المدنيات، واقتباس النافع منها، وكان من فضل القرآن على العالم أنه أبقى بهذا الإرشاد على علوم كادت تندرس، وعلى آثار مدنيات كادت تنطمس.
إن الفائدة الكبرى التي يعلقها القرآن على السير في الأرض، والوقوف على آثار الأمم البائدة، هي الاعتبار بحال الظالمين وعقبى الظالمين؛ ليعلم المعتبِر أن الظلم هو سُوسُ المدنيات، فيقيم العدل، وإذا جاء العدل جاء العمران، وإذا جاء العمران قامت المدنية، وكان العدل سياجها، والعلم سراجها، وهذه هي مدنية الإسلام.
إن إرشاد الإسلام للمسلمين بأخذ الصالح النافع أينما وُجِد هو الذي دفعهم - بعد تمكن سلطانهم، وتمهد ملكهم - إلى البحث عن الآثار العقلية للأمم التي سبقتهم، فاطلَعوا على ما أنتجت قرائح يونان، وفارس، والهند، في العلم والآداب، فنقلوها إلى لغة القرآن، ووجدوا فيها خير معين على ذلك.
أيها الإخوان، هنا الجانب العامر من لغتكم، وهنا النقطة التي سُقْنا هذا الحديث كلَّه من أجلها، وهنا الموضوع؛ وهو فضل اللغة العربية على العلم والمدنية.
أيها الإخوان، لو لم تكن اللغة العربية لغةَ مدنيَّةٍ وعمران، ولو لم تكن لغة متسعة الآفاق، غنية بالمفردات والتراكيب، لما استطاع أسلافكم أن ينقلوا إليها علوم اليونان، وآداب فارس والهند، وَلَأَلْزَمَتْهُم الحاجة إلى تلك العلوم تعليم تلك اللغات، ولو فعلوا لأصبحوا عربًا بعقول فارسية، وأدمغة يونانية، ولو وقع ذلك لتغير مجرى التاريخ الإسلامي برُمَّته، لو لم تكن اللغة العربية لغة عالمية لما وسعت علوم العالم، وما العالم إذ ذاك إلا هذه الأمم التي نقل عنها المسلمون.
قامت اللغة العربية في أقل من نصف قرن بترجمة علوم هذه الأمم، ونُظمها الاجتماعية، وآدابها، فوعت الفلسفةَ بجميع فروعها، والرياضيات بجميع أصنافها، والطب، والهندسة، والآداب، والاجتماع، وهذه هي العلوم التي تقوم عليها الحضارة العقلية في الأمم الغابرة والحاضرة، وهذا هو التراث العقلي المشاع الذي لا يزال يأخذه الأخير عن الأول، وهذا هو الجزء الضروري في الحياة الذي إما أن تنقله إليك فيكون قوة فيك، وإما أنْ تنتقل إليه في لغة غيرك فتكون قوة لغيرك، وقد تفطن أسلافنا لهذه الدقيقة، فنقلوا العلم، ولم ينتقلوا إليه، وقد قامت لغتهم بحفظ هذا الجزء الضروري من الضياع، بانتشاله من أيدي الغوائل، وبنقله إلى الأواخر عن الأوائل، وبذلك طوَّقت العالم مِنَّة لا يقوم بها الشكر، ولولا العربية لضاع على العالم خيرٌ كثير.
أيها الإخوان، إن كثيرًا من العلوم التي بُنيت عليها الحضارة الغربية لم تصلها إلا على طريق اللغة العربية، بإجماع الباحثين منا ومنهم، وإن المنصفين منهم ليعترفون للغة العربية بهذا الفضل على العلم والمدنية، ويوفونها حقها من التمجيد والاحترام، ويعترفون لعلماء الإسلام بأنهم أساتذتهم في هذه العلوم؛ عنهم أخذوها، وعن لغتهم ترجموها، وإنهم يحمدون للدهر أن هيأ لهم مجاورة المسلمين بالأندلس، وصقلية، وشمال إفريقيا، وثغور الشام، حتى أخذوا عنهم ما أخذوا، واقتبسوا عنهم ما اقتبسوا، ولا يزال هؤلاء المنصفون يذكرون فضل معاهد الأندلس العربية، ومعاهد شمال إفريقيا، ومعاهد الشام، على الحضارة القائمة، ولا يزالون ينتهجون بعض المناهج الدراسية الأندلسية في معاهدهم إلى الآن، ولا يزالون يردون كل شيء إلى أصله، ويعترفون لكل فاضل بفضله.

تعليق