الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

خرافة واو الثمانية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د أبوأوس إبراهيم الشمسان
    عضو المجمع
    • Mar 2012
    • 461

    #1

    خرافة واو الثمانية

    روى الزركشي(794ه) "حُكِيَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ[377هـ] مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالَوَيْه[370هـ]ِ فِي مَجْلِسِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فَسُئِلَ ابْنُ خَالَوَيْهِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا جاءوها وفتحت أبوابها}[الزمر: 73]، فِي النَّارِ بِغَيْرِ وَاوٍ(1)، وَفِي الْجَنَّةِ بِالْوَاوِ! فَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: هَذِهِ الْوَاوُ تُسَمَّى وَاوَ الثَّمَانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْطِفُ الثَّمَانِيَةَ إِلَّا بِالْوَاوِ، قَالَ: فَنَظَرَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِلَى أَبِي عَلِيٍّ وَقَالَ: أَحَقٌّ هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: لَا أَقُولُ كَمَا قَالَ، إِنَّمَا تُرِكَتِ الْوَاوُ فِي النَّارِ؛ لِأَنَّهَا مُغْلَقَةٌ وَكَانَ مَجِيئُهُمْ شَرْطًا فِي فَتْحِهَا فَقَوْلُهُ: {فُتِحَتْ} فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَفُتِحَتْ} فِي الْجَنَّةِ فَهَذِهِ وَاوُ الْحَالِ كَأَنَّهُ قَالَ جَاءُوهَا وَهِيَ مُفَتَّحَةُ الْأَبْوَابِ أَوْ هَذِهِ حَالُهَا"(2).
    لا نعلم من سماها بذلك ولا متى؛ فالمصادر تنسب القول بها إلى ثلاثة ابن خالويه(370هـ)، والثعلبي(427هـ)، والحريري(516ه). قال الثعلبي "{وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} وقال بعضهم: هذه الواو واو الثمانية، إن العرب يقولون: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، لأن العقد كان عندهم سبعة"(3). وقال الحريري(516ه) "وَمن خَصَائِص لُغَة الْعَرَب إِلْحَاق الْوَاو فِي الثَّامِن من الْعدَد، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن ... وَتسَمى هَذِه الْوَاو وَاو الثَّمَانِية"(4).
    وينفي العلماء القول بها أو يضعفونه، فالقيرواني(479هـ) يقول "وأما من يقول هي واو الثمانية، ويستدل بذلك على أن للجنة ثمانية أبواب، لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 71]، فشيء لا يعرفه النحويون، وإنما هو من قول بعض المفسرين"(5). والمرادي(749ه) يصفهم بضعفة النحويين(6)، وقال ابن هشام(761هـ) "وَقد مضى فِي بَاب الْوَاو أَن ذَلِك لَا حَقِيقَة لَهُ"(7). وقال السبكي(773ه) "وأما قولهم واو الثمانية فهو كلام ضعيف ليس له أصل طائل، وإن كان وقع في كلام كثير من الأئمة واستندوا فيه إلى أن السبعة نهاية العدد عند العرب"(8)، وقال خالد الأزهري(905هـ) "وَقَوْلهمْ إِن مِنْهَا أَي من وَاو الثَّمَانِية قَوْله تَعَالَى {وثامنهم كلبهم} وَهَذَا القَوْل لَا يرضاه نحوي لِأَنَّهُ لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم إعرابي وَلَا سر معنوي"(9).
    ويستدل الرازي(606هـ) لبطلان واو الثمانية قال "وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الْحَشْرِ: 23]"(10). إذ لم تأت الواو قبل المتكبر.
    وفسروا ما ظاهره عطف للثامن بها، بأن الواو إما عاطفة لازمة مثل (ثيبات وأبكارا) فالعطف للمغايرة، و(الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر) فالعطف لتلازم الصفتين، وإما حالية نحو (وفتحت أبوابها)(11)، وإما زائدة نحو (وثامنهم كلبهم).
    والذي ننتهي إليه أن واو الثمانية خرافة لا أصل لها، وليس يتعلق بها سوى مُستهتَر بالغرائب.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) الزمر: 71.
    (2) الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 3: 189.
    (3) الثعلبي، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، 6: 162.
    (4) الحريري، درة الغواص في أوهام الخواص، ص: 31.
    (5) القيرواني، النكت في القرآن الكريم، ص: 304.
    (6) المرادي، الجنى الداني في حروف المعاني، ص: 167.
    (7) ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ص: 859.
    (8) السبكي، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، 1: 544.
    (9) خالد الأزهري، موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب، ص: 146.
    (10) الرازي، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، 21: 449.
    (11) قول القيرواني في (النكت في القرآن الكريم، ص: 430) إن المبرد يعدها زائدة صحيح، وأما أنه "كان ينكر قول من يقول هي (واو الثمانية) قال: لأن هذا غير معروف في كلام العرب" فلم أجده في كتب المبرد ولعله في نسخ لم تصل إلينا.
  • عبدالله بنعلي
    عضو نشيط
    • Apr 2014
    • 6053

    #2
    ول في واو الثمانية
    قول في واو الثمانية
    د. إسلام بن نصر الأزهري



    تاريخ الإضافة: 22/7/2018 ميلادي - 9/11/1439 هجري


    من موقع الالوكة:
    قولٌ في واو الثمانية


    الواو الواقعة في موضعين في القرآن قبلَ المعدود الثامن: ï´؟ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ï´¾ [التوبة: 112]، ï´؟ وَأَبْكَارًا ï´¾ [التحريم: 5]، والواقعة قبل العدد ثمانية في الكهف: ï´؟ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ï´¾ [الكهف: 22] وقبل قوله: ï´؟ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ï´¾ [الزمر: 73] مع أهل الجنة؛ لأن أبوابها ثمانية، أطلَق عليها البعض واو الثمانية.



    ويَنقُض هذا الكلام مواضعُ في القرآن الكريم، لم يُذكَر قبلَ المعدود الثامن واوٌ؛ نحو قوله تعالى: ï´؟ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ï´¾ [الحشر: 23]، فلم يَذكُر قبلَ (المتكبِّر) واوًا.



    وينقُضُه أيضًا مواضعُ ذكَرت الواو مع المعدود الثاني مباشرةً؛ نحو قوله تعالى: ï´؟ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ï´¾ [الحديد: 3] ... ومواضع أخرى كثيرة.



    وأما هذه المواضع الأربعة المذكور فيها الواو، فإنما جاءتْ هذه الواوات لعِللٍ معنوية وبلاغية، وليس لمجرد أنها للثمانية.



    ♦ ففي قوله تعالى: ï´؟ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ï´¾ [التوبة: 112]، ذُكِرت الواو للفصل بين المتقابلين، وهذه عادة القرآن دائمًا؛ نحو قوله: ï´؟ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ï´¾[الحديد: 3]، ففصَل بين كلِّ متقابلين بالواو.



    ♦ وأما قوله: ï´؟ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ï´¾ [التحريم: 5].



    فالواو هنا متعينةٌ، وفارقةٌ بين ما يَستحيل اجتماعُهما؛ لأن الثيوبة والبكارة لا تجتمعان معًا في محل واحدٍ، فلا بدَّ من تلك الواو للتفرقة بينهما.



    ومثله قوله تعالى: ï´؟ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ï´¾ [الأحزاب: 35]، فلا تجتمع الذكورةُ والأنوثة في محل واحد، ففصَل بينهما بالواو في كلِّ صفة للتفريق بينهما.


    ومُراد الآية: بيان أن الله تعالى يُزوِّج نبيَّه صلى الله عليه وسلم الثيبَ والبِكر.

    ♦ وأما قوله: ï´؟ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ï´¾ [الكهف: 22].



    فالواو في ï´؟ وَثَامِنُهُمْ ï´¾ يُحتمل أنها استئنافية من كلام الله تعالى، وقد تَمَّ كلامُ القوم قبلَها، وبهذا استدلَّ بعضُ أهل العلم على أن هذا هو العدد الصحيح لأهل الكهف.



    ♦ وهذه الواو كما قال الرازي: "هي التي تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، كَما تَدْخُلُ عَلى الواقِعَةِ حالًا عَنِ المَعْرِفَةِ؛ في نَحْوِ قَوْلِكَ: جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ، ومَرَرْتُ بِزَيْدٍ وفي يَدِهِ سَيْفٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ï´؟ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ï´¾ [الحجر: 4]، وفائِدَتُها تَوْكِيدُ ثُبُوتِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، فَكانَتْ هَذِهِ الواوُ دالَّةً عَلى صِدْقِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهم كانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهم، وأنَّهم قالُوا قَوْلًا مُتَقَررًا مُتَحَققًا عَنْ ثَباتٍ وعِلْمٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ".



    قال الرازي: «إنَّهُ تَعالى خَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِهَذا الحَرْفِ الزائِدِ، وهو الواوُ، فَوَجَبَ أنْ تَحْصُلَ بِهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ صَوْنًا لِلَّفْظِ عَنِ التَّعْطِيلِ، وكُلُّ مَن أثْبَتَ هَذِهِ الفائِدَةَ الزائِدَةَ قالَ: المُرادُ مِنها تَخْصِيصُ هَذا القَوْلِ بِالإثْباتِ والتَّصْحِيحِ".



    وليست هي واو الثمانية؛ لعدة أمور:

    الأول: أنه لا نظيرَ لها في القرآن الكريم لتُحمَلَ عليه، ومعلوم أن التماس النظير والحملَ عليه من المسوِّغات للمعاني المحتملة، والمرجِّحات للفهوم المختلفة، وما لا نظيرَ له يكون أقربَ للضَّعف والرد.



    الثاني: لا نظير لها في كلام العرب لتُخَرَّج عليه، وكل مَن أثبَت نسبتها إلى العرب، لم يأتِ بدليلٍ واحدٍ من كلامهم - (على كثرته نظمًا ونثرًا) - فاحتمالُ عدم ثبوتها عنهم قائمٌ، لا سيما وقد نفاها جمهورُ النحاة والمفسرين، وقد خلَت كتبُ ï؛چï»ںﻨï؛¤ï»® ï؛چï»ںﻤﻌï؛کﻤï؛ھï؛“، وكتب حروف المعاني من ذكرها في الكلام عن الواو وتقسيماتها ومعانيها، مع مراعاتهم الاستقصاء.



    أما مَن أثبتها فقد استدل بالآيات السابق ذكرُها، وقد أجبتُ عليها، ولا يصح أن نقول: إنها مِن مبتكرات أساليب القرآن؛ لأنه لا يترتَّب على إثباتها معانٍ بيانية ذات بالٍ، وبلاغة القرآن الكريم تأبَى ذلك.



    الثالث: وقوع الواو في القرآن الكريم لمجرد الثمانية فقط، مع خُلوِّ كلام العرب منها - قدحٌ في بلاغة القرآن الكريم؛ لأنها تُعد حينئذ زائدةً، والقرآن الكريم تنزَّه عن زيادةٍ لا فائدة منها.



    أما هذه الواو:

    • فإما أن تكون هي الواو الداخلة على الجملة الواقعة حالًا عن المعرفة، أو صفة للنكرة، كما في قوله تعالى: ï´؟ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ï´¾.


    • وإما أن تكون عاطفةً، وهذا قول ابن هشام والمحقِّقين من النحاة، ولا سيما وقد يُلمَحُ من الكلام - بجعل الواو عاطفة - معنى أخلاقيًّا، وهو أنه فصَل بين أهل الكهف وكلبهم بتلك الواو العاطفة - (والعطف يقتضي المغايرة) - تنزيهًا لهم، ولا يُعترَضُ على هذا بخُلوِّ الجملتين قبلها: (ثلاثة رابعهم كلبهم، وخمسة سادسهم كلبهم) من تلك الواو؛ لأنهما خرَجتا منهم رجمًا بالغيب، ولا حقيقةَ لهما، أما هذه فاحتمال ترجيحها على سابقتيها كبيرٌ؛ لذا راعى هذا التغاير.



    • وإما أن تكون استئنافية، ولا يَبعُد هذا؛ لأن الاستئنافَ أمرٌ معنوي، لا ضابطَ له إلا لمحُ المعنى من السياق، وحمْلُه عليه، وهذا قال به بعض المفسرين.



    ♦ وأما قوله تعالى: ï´؟ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ï´¾ [الزمر: 73]، وقوله مع أهل النار: ï´؟ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ï´¾ [الزمر: 71].



    فالواو دخلت على الفعل (فُتِحَتْ) مع أهل الجنة؛ لبيان أن الأبواب فُتِحَتْ بيد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلم قبلَ مَجيئهم، فالواو حاليَّة، وحُذِفَتْ من الفعل ذاته مع أهل النار؛ لبيان أنها كانت مُغلقةً قبل مَجيئهم.



    • وحكمةُ ذلك من وجوهٍ:

    ♦ أحدها: أن أهل الجنة جاؤوها وقد فُتِحت أبوابُها؛ استعجالًا للفرح والسُّرور إذا رأَوا الأبواب مفتَّحةً، وأهل النار يأتونها وأبوابُها مُغلقة؛ ليكون أشدَّ لحرِّها.


    ♦ الثاني: أنَّ الوقوفَ على الباب المغلق نوعُ ذُلٍّ، فلو وَجَدَ أهلُ الجنة بابها مُغلَقًا، لأثَّر انتظارُ فَتْحه في كمال الكرَم، فصِينَ أهلُ الجنة عنه، وجُعِلَ في حق أهل النار؛ ليكون لهم بمثابةِ عذاب معنويٍّ قبلَ العذاب الحسِّيِّ.



    ♦ الثالث: أن أبواب أهل النَّار مُغَلقة؛ لتكون المفاجئةُ مُرَوِّعةً لهم، ولكيلا يُصلَى بلَفْحِهَا مَن هو خارجها، وفُتِحت أبوابُ أهل الجنة؛ تَهيُّؤًا لاستقبالهم، ولكي يَنعَموا بعَبقِها الطَّيب وريحها الذَّكي، منذ أن تبدأ مسيرتهم المباركة نحوها.



    ♦ وأما الواو في قوله تعالى: ï´؟ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا ï´¾ [الحاقة: 7]، فهي واو عاطفة قطعًا، ومتعيِّنة للفصل بين متقابلات الكلمات (ليال) و(أيام)، وللفرق بين ما يستحيل اجتماعهما معًا: (الليل والنهار).

    والله أعلم



    رابط الموضوع: https://www.alukah.net/literature_**...#ixzz6PnHUGWtl

    تعليق

    • عبدالله بنعلي
      عضو نشيط
      • Apr 2014
      • 6053

      #3
      ديوان العرب
      بقلم فاروق مواسي
      واو الثمانية
      هذه الواو تأتي قبل ترتيب الاسم الثامن في الجملة، نحو قوله تعالى:

      "...التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر- التوبة- 112

      فالواو التي قبل (الناهون) سماها بعض النحويين "واو الثمانية" لأنها بعد سبعة أسماء.

      وقد تأتي هذه الواو قبل الرقم- ثمانية:

      سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجمًا بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم- الكهف، 22.

      كذلك جعل الحريري هذه الواو في الآية: ..حَتَّىظ° إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ..- الزمر، 73، وذلك بدعوى أن للجنّة ثمانية أبواب، فالواو (قبل "فتحت" هي واو الثمانية).

      أثارت هذه الواو الكثير من المحاورات والجدل، وكثير منها لا طائل وراءه:

      فريقٌ يقول بهذه الواو ومنهم ابن خالَويهِ:

      1- "وقالت فرقة منها ابن خالَويهِ هي واو الثمانية".

      الاقتباس من (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي ج10 ص249.( وهو يعرض الآراء المختلفة حول تفسير الآية 22- سورة الكهف- دار الكتب العلمية)

      2ـ يذكر الثعالبي قي (فقه اللغة وأسرار العربية) في باب الواوات:

      "ومنها واو الثمانية، كقولك: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية" (فقه اللغة، ص 395- المكتبة العصرية.

      3- الحريري في (دُرّة الغوّاص في أوهام الخواص)، ص 31، جعلها من خصائص العربية:

      «ومن خصائص لغة العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد"

      ب ـ فـريقٌ لا يرى القول بها، ومنهم الزمَخْشـري (الكشّاف ج2، ص 479)، فيقول وهو يشرح "سبعة وثامنهم كلبهم":

      "وفائدة الواو توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أنّ اتصافه بها أمر ثابت مستقر؛ وهذه الواو هي التي آذنت بأنّ الذين قالوا سبعة قالوه عن ثابت علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم؛ والدليل على ثبات قولهم أنّ الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله: "رجمًا بالغيب" وأتبع الثالث قوله: "وما يعلمهم إلا قليل". وقال: "سبعة وثامنهم كلبهم " على القطع والثبات".

      ومنهم ابن هشام في كتابه- (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)، 474.

      قال: ". . . وزعموا أنّ العرب إذا عدوا قالوا: ستة سبعة وثمانية".

      يقول ابن هشام "وزعموا" وهذا موقف منه، ثم أتبع وقال:

      "وقد سموها مؤكدة".

      وفي معرض تعداده لاستعمالات الواو قال ابن هشام متحفظًا:

      "التاسع: واو الثمانية، ذكرها جماعة من الأدباء، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه".

      (مغني اللبيب، ن.م) .

      أخلص إلى القول إن الشواهد منها قليلة جدًا، وإنما هي حرف عطف، ومن أحب أن يسميها "واو الثمانية" فذلك من باب ذكر فنية العبارة القرآنية، وبلاغتها، علمًا بأنه ليس لديها وظيفة نحوية خاصة بها.

      ثم

      ما فائدة ذكرها لو قلنا اليوم:

      هذا الكاتب رائع ماتع أنيس طيب الذكر مفيد مريد سديد ومجدد.

      إنها واو العطف، وهذا مبلغنا من العلم...

      كما أني لم أجد في الشعر شواهد على ذلك.

      وحتى في القرآن الكريم كان هناك ما ينقض رأي المُصرّين على التسمية، فاقرأ معي:

      هو الله الذي لا إله هو الملك القًدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر- الحشر، 23

      لم يذكر القرآن واوًا قبل المتكبر- الاسم الثامن، وهي ليست شرطًا لا غنى عنه.

      تعليق

      • عبدالله بنعلي
        عضو نشيط
        • Apr 2014
        • 6053

        #4
        وَاوُ الثَّمَانِيَة (1)
        الكاتب: عبد الحليم توميات
        الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد:

        فإنّ أهمّ مباحث اللّغة وعلومها المختلفة هو ما ينبني عليه عمل، ويكون له أثر في فهم القرآن الكريم وسنّة النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويشهد لذلك ما يبثّه المفسّرون وشرّاح الحديث من المباحث في مصنّفاتهم ومؤلّفاتهم، بل إنّه لأهمّيتها ترى أكثر كتب أصول الفقه وعلوم القرآن قديما وحديثا لا تخلو من ذكر بعضها.

        ومن ببن المسائل الّتي لها تأثير على فهم كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى اللَّه عليه وسلّم، فتعود عليهما إمّا بالبيان والإيضاح السّليم، أو بالتّحريف والتّأويل السّقيم: مسألة واو الثّمانية.

        التّعريف بالمسألة:

        يرى بعض أهل العلم أنّ العرب تُدخِل الواو بعد العدد ( سبعة )، إشارة إلى تمام العدد، قالوا: إنّ ( السّبعة ) عند العرب هي العقد التامّ، فيأتون بحرف العطف الدالّ على المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيقولون: " ستّة، سبعة، وثمانية "، فيزيدون الواو إذا بلغوا الثّمانية، إشعارا بأنّ السّبعة عندهم عدد كامل.

        [انظر: " الجنى الدّاني "، و" مغني اللّبيب"، و" البرهان في علوم القرآن " (3/189) و(4/438)، و" تفسير القرطبي " (8/271، 272)، و(10/382)، و(15/285)، و" البحر المحيط " عند تفسيره لآية الكهف، و" فتح القدير " عند تفسيره لآية الكهف والزّمر].

        من أشهر القائلين بها:

        - ابن خالويه (تـ: 370 هـ): على ما ذكره ابن هشام وابن أمّ قاسم والزّركشي، وربّما كان أوّل من قال بها، فعلى حدّ علمي القاصر لم أعثر على قائل بها قبله، وتبعه على ذلك أبو اللّيث السّمرقندي (تـ:373 هـ).

        جاء في " البرهان في علوم القرآن " للزّركشيّ رحمه الله (3/189) ما نصّه:

        " حكي أنّه اجتمع أبو عليّ الفارسي مع أبي عبد الله الحسين ابن خالويه في مجلس سيف الدّولة، فسئل ابن خالويه عن قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } فقال في النّار بغير واو، وفي الجنّة بالواو ؟ فقال ابن خالويه: هذه الواو تسمّى واو الثمانية، لأنّ العرب لا تعطف الثّمانية إلاّ بالواو ..."، ثمّ ذكر رحمه الله ردَّ الفارسيّ عليه، وسنذكره إن شاء الله بعد حين.

        - أبو منصور الثعالبي (تـ:429 هـ) قال في " فقه اللّغة " وهو يعدّد معاني الواو:

        " ومنها واو الثمانية، كقولك: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية وفي القرآن: { سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبهُمْ،وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ }، وكما قال تعالى في ذكر جهنّم: { حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } بلا واو، لأنّ أبوابها سبعة، ولمّا ذكر الجنّة قال: {حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا }، فألحق بها الواو لأن أبوابها ثمانية، وواو الثمانية مستعملة في كلام العرب ".

        - الحريري (تـ:516 هـ) قال في " درّة الغوّاص ":

        " ومن خصائص لغة العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد كما جاء في القرآن:{ التاَّئبِوُنَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الراَّكعُونَ السَّاجِدُونَ الآمرُونَ باِلمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ } وكما قال سبحانه: { سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ }، ومن ذلك أنّه - جلّ اسمه - لمّا ذكر أبوابَ جهنّم ذكرها بغير واو، لأنّها سبعة، فقال:{ حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا }، ولما ذكر أبواب الجنّة ألحق بها الواو لكونها ثمانية فقال سبحانه: { حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } وتسمّى هذه الواو: واو الثمانية " اهـ.

        - الفيروز آبادي (تـ:817 هـ): قال وهو يعدّد معاني الواو في " القاموس المحيط ":

        " التاسع: واو الثمانية، يقال: ستة سبعة وثمانية، ومنه:{ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ }.

        - مرتضى الزّبيدي (تـ: 1205 هـ) قال في " تاج العروس " وهو يعدّد معاني الواو كذلك:

        " التّاسع: واو الثّمانية، يقال: ستّة سبعة وثمانية، منه قوله تعالى:{ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } ..."اهـ.

        النّافون لها:

        جمهور أهل اللّغة وعلماءِ التّفسير على عدم اعتبار واو الثّمانية، وهم صنفان:

        - صنفٌ: لم يعرّج على ذكرها أصلا، وهم المتقدّمون أمثال الخليل، وسيبويه، ويونس، والكسائي، وتلامذتهم.

        - وصنف: ردّ على القائلين بها، فمقلّ ومستكثر، ومن أبرز من أطال في ردّ هذا الرّأي ابن هشام الأنصاريّ رحمه الله حيث قال في " مغني اللّبيب " وهو يردّ قول من قال إنّ الواو تأتي بمعنى (أو):

        " وأبلغ من هذه المقالة في الفساد قولُ مَنْ أثبت واو الثمانية، وجعل منها { سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلبُهُمْ }، وقد مضى في باب الواو أنّ ذلك لا حقيقة له ..".

        كما أنّ ابن القيّم رحمه الله عقد فصلا ممتعا يبيّن فيه فساد هذا القول نذكر طرفا منه لاحقا إن شاء الله.

        وقال ابن كثير في تفسيره لآية الزّمر:" ومن زعم أن الواو في قوله:{ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } واو الثمانية، واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية، فقد أبعد النّجْعَة وأغرق في النزع. وإنما يستفاد كون أبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة ".

        لذلك لن ننقل أقوال النّافين لها لكثرتهم، ولكنّنا نعقد فصلا مهمّا في توجيه النّصوص الّتي استدلّ بها القائلون بواو الثّمانية.

        ( فصل ) في توجيه النّصوص الّتي استدلّ بها القائلون بواو الثّمانية:

        النصّ الأوّل: قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا }.

        لعلماء اللّغة النّافين لواو الثّمانية ثلاث توجيهات للواو في هذه الآية:

        التّوجيه الأوّل: أنّ الواو زائدة، وهو قول الكوفيّين.
        [انظر: " الخصائص " لابن جنّي، و" اللّباب " للعكبريّ، و" حاشية الصبّان "، و" البحر المحيط " لأبي حيّان، وغيرها].

        وممّن ذهب مذهب الكوفيّين ابن قتيبة الدّينوري في " المعاني الكبير "، والرّازي في " مختار الصحاح "حيث قال:" وقد تكون زائدةً كقولهم: رَبَّنا وَلَكَ الحَمْدُ، وقوله تعالى:{ حَتَّى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ أَبْوَابُها } يَجُوز أَنْ تكون الواو فيه زائدة ".

        وقال خالد بن عبد الله الأزهري في " موصل الطّلاّب ": " وإنّ لنا واوا يكون دخولها في الكلام كخروجها وهي الواو الزائدة، وتسمّى في القرآن صلة، نحو قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا }، ففتحت جواب إذا، والواو صلة، جيء بها لتوكيد المعنى بدليل الآية الأخرى قبلها، وهي: { حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } بغير واو، وقيل ليست زائدة و إنها عاطفة والجواب محذوف، والتّقدير: كان كيت وكيت، قاله الزمخشري والبيضاوي ".

        والحقّ، أنّ القول بزيادة الواو ضعيف، لأنّه خلاف الأصل، وسيأتي بيان معناها.

        التّوجيه الثّاني: أنّها عاطفة، وجواب ( إذا ) الشّرطيّة محذوف، والتّقدير:{ حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } لرأوا شيئاً عظيماً جدّاً تعجز عباراتهم عن وصفه.
        وهو مذهب الشّيخين الخليل وتلميذه سيبويه.

        قال سيبويه في " الكتاب ": " وسألت الخليل عن قوله جلَّ ذكره: { حَتََّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا }، أين جوابها ؟ وعن قوله جلّ وعلا: { وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ}، { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ } ؟ فقال: إنّ العرب قد تترك في مثل هذا الخبر الجواب في كلامهم، لعلم المخبَر لأيِّ شيء وضع هذا الكلام ".

        وقال أبو على الفارسي: " قال أبو العباس: حذف الجواب في مثل هذا الموضع أفخم؛ لأن المخاطب يتوهم كلَّ شيء، فإذا ذُكر شيءٌ بعينه حضره فهمُه ".

        [انظر:" النّظرية السياقية الحديثة عند علماء العربيّة " للدّكتور: محمد سالم صالح].

        وقال ابن الأنباري في " الإنصاف ": " وأمّا الجواب عن كلمات الكوفيّين:

        أمّا احتجاجهم بقوله تعالى:{ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا }، فنقول: هذه الآية لا حجّة لكم فيها، لأنّ الواو في قوله: { وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } عاطفة، وليست زائدة، وأمّا جواب ( إذا ) فمحذوف، والتّقدير فيه: حتّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها فازوا ونعموا.

        وكذلك قوله تعالى:{ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ ..} الواو فيه عاطفة وليست زائدة، والجواب محذوف، والتّقدير فيه: حتّى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون قالوا: يا ويلنا، فحذف القول، وقيل: جوابها:{ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ }...".

        وقال ابن جنّي في " الخصائص ": " ومن ذلك ما يدّعيه الكوفيون من زيادة واو العطف؛ نحو قول الله عز وجلّ:{ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } قالوا: هنا زائدة مخرجة عن العطف. والتقدير عندهم فيها: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها. وزيادة الواو أمر لا يثبته البصريون. لكنّه عندنا على حذف الجواب، أي: حتّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها كذا وكذا صدقوا وعدهم، وطابت نفوسهم، ونحو ذلك مما يقال في مثل هذا ".

        وهذا الرأي هو قول أبي عبيدة في " مجاز القرآن "، والزجّاج في " إعراب القرآن "، والمبرّد في " المقتضب "، وابن فارس في " الصّاحبي "، والأمير ابن سنان الخفاجي في " سرّ الفصاحة "، وعبد القادر البغدادي في " خزانة الأدب "، والمرزوقي في " شرح ديوان الحماسة "، وابن أُمّ قَاسِم المرادي في " الجنى الدّاني في حروف المعاني " .

        واختاره الزّمخشريّ والبيضاوي والزّركشي والسّيوطي في " الإتقان " تحت باب الإيجاز والإطناب، وكثيرون.

        التّوجيه الثّالث: أنّها واو الحال:
        أي: جاءوها وقد فتحت أبوابها، فدخلت الواو لبيان أنها كانت مفتّحة قبل مجيئهم، وحذفت في الآية الأولى لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم، قاله البغوي.

        وهو قول الفارسيّ، حيث إنّه لمّا قال ابن خالويه بواو الثّمانية في مجلس سيف الدّولة، نظر سيف الدّولة إلى أبي عليّ الفارسيّ، وقال: أحقٌّ هذا ؟ فقال أبو عليّ: لا أقول كما قال، إنّما تُرِكت الواو في النّار لأنّها مغلقة، وكان مجيئهم شرطا في فتحها، وأمّا قوله في الجنّة فهذه واو الحال، كأنّه قال: جاءوها وهي مفتّحة الأبواب، أو هذه حالها.

        حكاه الزّركشي في " البرهان " وقال:" وهذا الّذي قاله أبو عليّ هو الصّواب، ويشهد له أمران: أحدهما أنّ العادة مطّردة شاهدة في إهانة المعذّبين بالسّجون من إغلاقها حتّى يرِدُوا عليها، وإكرام المنعّمين بإعداد فتح الأبواب لهم مبادرة واهتماما " اهـ.

        وقال أبو البقاء الكفوميّ في " الكلّيات ":

        " وقد تستعار الواو للحال بجامع الاشتراك بينهما في الجمعية لأن الحال تجامع ذا الحال لأنها صفته في الحقيقة كما في قوله تعالى { حتى إذا جَاءُوها وفُتِحَتْ أَبْوابُها } أي حال ما تكون أبوابها مفتوحة لأنه تعالى في بيان الإكرام لأهل الإسلام، ومن إكرام الضيف أن يكون الباب مفتوحاً حال وصوله إلى باب الضيف فيحمل على الحال لإفادة هذا المعنى، يؤيده قوله تعالى { جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحة ً لهمُ الأبْواب }، ولهذا قال في حق الكفار بدون الواو، لأن تأخير فتح باب العذاب أليق بكرم الكريم، ومن هذا أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأبواب الجنة مفتوحة قبل الوصول إليها ".

        الحاصل: إنّ النّحاة الأوائل كالخليل وسيبويه والمبرّد وابن قتيبة ومن لحقهم كالفارسيّ وابن جنّي وغيرهم حين تطرّقوا لآية الزّمر لم يشيروا إلاّ إلى قولين اثنين: أن تكون الواو للحال، أو الاستئناف، والكوفيّون ذهبوا إلى زيادتها، فمن قال إنّها واو الثّمانية فإنّه زيادة على أنّه فسّر القرآن على غير وجهه، فإنّه يكون قد أتى بشيء لم يُنقل عن الأوائل.

        والله تعالى أعلم وأعزّ وأكرم.

        تعليق

        • عبدالله بنعلي
          عضو نشيط
          • Apr 2014
          • 6053

          #5
          آراء العلماء في واو الثمانية
          من ورقة بحثيَّة للأستاذ/ عمر عبد الله العمري
          مارس
          مقدمة:
          واو الثمانية هذا الاسم هو أحد الاستعمالات للواو في لغة العرب ، وهو رأي ذهب إليه ابن خالويه ومجموعة سنرى آراءهم هنا .
          والشواهد التي يستشهد بها القائلون تدور حول مجموعة من الآيات الكريمة، استعرضتها موضحًا ما قاله العلماء الذين يقولون بها ، وقرنت ذلك بتخريج العلماء الذين لا يرونها .
          وقد رتبت من تيسر لي الوقوف على رأيهم بناءً على تاريخ الوفاة ـ عليهم جميعاً رحمة الله ـ , ثم بينت في نهاية المبحث الرأي الذي خرجتُ به نتيجة الدراسة .
          1- أبو إسحاق الزجاج [31هـ] :
          قال تعالى : “… ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم” [الكهف :22] .
          قال ـ رحمه الله ـ عن هذه الواو : « دخول الواو ههنا وإخراجها من الأولى واحد ، وقد يكون الواو يدخل ليدل على انقطاع القصة وأنّ الشيء قد تم”.
          في واو التوبة والتحريم لم يذكر شيئًا ؛ وقوله : « ههنا » يريد الآية المذكورة , وقوله : « الأولى » يريد ما سبق من الآية نفسها وهو قوله تعالى : ” سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب” [الكهف : 22] .
          فأبو إسحاق ـ عليه رحمة الله ـ له في هذه الواو رأيان :
          الأول : وهو أنّ دخولها وخروجها سواء .
          الثاني : وهو أنّ الواو تدل على تمام القصة وانقطاع الكلام .
          أقول : ويستفاد من الرأي الثاني أنّه يذهب إلى أنّها مؤكِدةٌ عدتهم ، وبعدها ينقطع الخوض بالعدة .
          لم يذكر ما يشير إلى أنّها واو الثمانية . وهذا يدل على أنّه ليس من القائلين بها .
          2- رأي أبي جعفر النحاس [338هـ] :
          قال أبو جعفر النحاس ـ رحمه الله ـ : « . . . وفي المجيء بالواو (و ثامنهم ) خاصة دون ما تقدم قولان :
          أحدهما : أنّ دخولها وخروجها واحد,
          والآخر : أنّ دخولها يدل على تمام القصة وانقطاع الكلام . . .فيكون المعنى عليه أنّ الله جل وعز خبّر بما يقولون ثم أتى بحقيقة الأمر فقال : “وثامنهم كلبهم” .
          ذكر أبوجعفر رأيين لهذه الواو الواردة في سورة الكهف :
          1ـ أنّها زائدة أي : زائدة في الإعراب لا في المعنى .
          2ـ أنّها مصدقة لخبر القائلين بهذا العدد .
          ولم يذكر ما يشير إلى أنّها واو الثمانية .
          3ـ ابن خالويه [370هـ] :
          1ـ « وقالت فرقة منها ابن خالويه هي واو الثمانية ».
          2ـ في معرض تعداده لاستعمالات الواو قال ابن هشام : « التاسع : واو الثمانية ، ذكرها جماعة من الأدباء , ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه ” .
          4- الهروي 415هـ :
          قال في باب مواضع الواو : « اعلم أنّ للواو اثني عشر موضعًا » . ثم عددها ولم يذكر منها واو الثمانية .
          وواضح من عنوان الكتاب أنّه متخصص في مباحث الحروف وما يختص به كل حرف . والهروي ـ عليه رحمة الله ـ من أئمة النحو ؛ ومع هذا لم يذكر من استعمالات الواو واو الثمانية .
          5- رأي الحريري [51هـ] :
          قال عن الواو : « ومن خصائص لغة العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد، كما جاء في القرآن “التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون والناهون عن المنكر” .
          وكما قال سبحانه : “سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجمًا بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم” [الكهف : 22] ” .
          نرى أنّ الحريري ـ رحمه الله ـ يقول بها على سبيل الجزم بوجودها بلغة العرب .
          وكونها من خصائص اللغة فهذا يقتضي شيوعًا في الاستعمال ؛ وأن يكون دخولها هو القاعدة وما عداه فشاذ؛ ولكنّ استعراض مجموعة من الآراء لا يؤيد هذا المذهب . كما أني لم أجد شيوعًا في استعمالها في لغتنا .
          وقد ضعّف ابن هشام ما ذهب إليه الحريري فقال : « ذكرها أي واو الثمانية جماعة من الأدباء كالحريري . . . وزعموا أنّ العرب إذا عدوا قالوا ستة سبعة وثمانية » مغني اللبيب وسيأتي مفصلاً بإذن الله .
          وبقراءة تحليلية لكلام ابن هشام نجد فيه تضعيفًا لرأي الحريري حيث أشار إلى أنّه من الأدباء .
          أقول : وأنا أميل إلى جعل هذا السبب مضعفًا رأي الحريري ؛ لأنّ الأدباء ليسوا من الذين يعتد برأيهم في المسائل العلمية الصِرفة ، فالأدب الغالب فيه أنّه فن يخضع للقول والاستطراد ، وليس محدوداً بقواعد . فما قاله زيد في الأدب قد ينقضه عمرو ، وكلاهما صواب . من هنا أرى أنّ الأديب الذي غلب عليه الأدب لا يعول على رأيه في المسائل العلمية, وإنما قد يستأنس به .
          كما أنّ الإنتاج الأدبي الغالب فيه تأثره بالحالة الشعورية التي تصحب الأديب ساعة إفراز العمل الأدبي ؛ والأديب نفسه يكون إفرازه الأدبي متعدد الصور لحدث واحد . فما يسوؤه في يومه قد يسعده في غده ؛ بسبب ما يتلبس به الأديب من حالة شعورية ساعة ولادة العمل الأدبي ؛ لذلك أرى أنّ الحريري ـ عليه رحمة الله ـ انطلق من نظرة أدبية أفرزتها حالة شعورية حفزته إلى القول بهذا الرأي واستحسانه ؛ فهو قد أُعجب به لنظرة أدبية جمالية لا علمية ؛ فالقاعدة التي أرى أنّ الحريري انطلق منها هي ذوقه وإحساسه بجمال التسمية .
          على أنّ الحريري وإن كان في عداد الأدباء بسبب شهرة مقاماته إلا أن له إسهاماتٍ في النحو تتمثل في منظومته (ملحة الإعراب) التي عدد أبياتها سبعة وسبعون وثلاثمائة بيت .
          6 . رأي الزمخشري 538هـ
          أولاً : كلامه عن آية سورة الكهف وهي قوله تعالى : “سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ” .
          قال: فإنّ قلتَ : ما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة؟ ولم دخلت عليها دون الأوليين؟
          قلتُ : هي الواو التي تدخل على الجمل الواقعة صفة للنكرة ، كما تدخل على الواقعة حالاً في نحو قولك:جاءني رجل ومعه آخر, ومررت بزيد وفي يده سيف؛ومنه قوله تعالى : “وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم”.
          وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف, والدلالة على أنّ اتصافه بها أمر ثابت مستقر ؛ وهذه الواو هي التي آذنت بأنّ الذين قالوا سبعة قالوه عن ثابت علم وطمأنينة نفس, ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم ؛ والدليل على ثبات قولهم أنّ الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله : “رجماً بالغيب” وأتبع الثالث قوله : “وما يعلمهم إلا قليل” .
          وقال : “سبعة وثامنهم كلبهم ” على القطع والثبات » انتهى .
          قوله عن سورة التحريم وهي قوله تعالى : “عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيراً منكن مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيباتٍ وأبكاراً” .
          قال : « فإنّ قلت : لم أُخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار » .
          قلت : لأنّهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات فلم يكن بد من الواو » .
          تحليل كلام الزمخشري :
          قوله عن آية سورة الكهف . نلاحظ أنّه ذكر لهذه الواو في آية سورة الكهف ما يلي :
          1ـ أنّها الواو التي تدخل على الجمل الواقعة صفة للنكرة .
          2ـ أنّ لها فائدتين :
          أ- توكيد لصوق الصفة بالموصوف .
          ب ـ الدلالة على أنّ اتّصافه بها أمر ثابت مستقر .
          3ـ الدلالة على القطع والثبات في الإخبار .
          وأمّا عن الواو في آية التحريم فعلّل دخولها ؛ لأنها بين صفتين متنافيتين . وهما صفة الثيوبة والبكارة ، ولا يُتصور وجودهما معاً في امرأة واحدة . مع أنّ ورود الواو جاء بعد الصفة السابعة .
          فالزمخشري ـ رحمه الله ـ على إمامته في اللغة لم يتعرض لذكر واو الثمانية . وحاصل قوله عن آية الكهف أنّها مؤكِدة, وعن آية التحريم أنّها فارقة بين متنافيين .
          وقوله في تعليله السابق عن واو سورة الكهف: [إنّها الواو التي تدخل على على الجمل الواقعة صفة للنكرة] هذا تعليلٌ نحويٌ علمي ، لم يُبنَ على الاستحسان والذوق .
          وهذا يضعف رأي الحريري ـ رحمه الله ـ .من القول بواو الثمانية, وجزمه بأنّها من خصائص لغة العرب .
          7- رأي السهيلي ـ 581هـ :
          السهيلي ـ عليه رحمة الله ـ في كتابه شرح سيرة ابن هشام قال عن آية الكهف : «… والذي يليق بهذا الموضع أن تعلم أنّ الواو تدل على تصديق القائلين ؛ لأنها عاطفة على كلام مضمر تقديره : نعم وثامنهم كلبهم , وذلك أنّ قائلاً لو قال : أزيدٌ شاعر فقلت له وفقيه كنت قد صدّقته كأنك قلت : نعم هو كذلك وفقيه أيضاً » .
          ولتأكيد مذهبه في أنّ الواو مؤكدة ساق مثالين من القرآن والسنة . قال : «وفي التنزيل : “وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير” [البقرة: 126]. ثم قال : «هو من هذا الباب » انتهى .
          قلت : أي أنّه من باب أنّ حصول الرزق لمن بعد الواو مؤكِدٌ حصوله لمن قبلها , فسأرزق من كفر أيضاً . فعندما يرزق الله الكافر من غير دعاء فهذا تأكيد لرزق المؤمن المدعوِ له .
          وقال ـ رحمه الله ـ : « وفي الحديث سئل رسول الله : أيُتوضأ بما أفضلت الخمر؟ فقال : « وبما أفضلت السباع » يريد : نعم وبما أفضلت السباع .
          فحاصل رأي السهيلي أنّ هذه الواو ليست واو الثمانية . بل تدل على أنّ الذين قالوا إنّهم سبعة هم الذين قولهم موافق للحقيقة ؛ فهي مؤكدة .
          8ـ رأي الرازي 660هـ :
          أ- تحدث في البداية عن آية سورة التوبة حيث قال : «… فإن قيل كيف قال تعالى : “والناهون عن المنكر” بالواو وما قبلها من الصفات بغير واو؟ قلنا : لأنها صفة ثامنة, والعرب تدخل الواو بعد السبعة إيذاناً بتمام العدد ؛ فإنّ السبعة عندهم هي العقد التام كالعشرة عندنا » .
          ب ـ قال : « ونظيره قوله تعالى : “وثامنهم كلبهم” » .
          ج ـ وقوله تعالى في صفة الجنة : “وفُتحت أبوابها” بالواو ؛ لأنها ثمانية . وقال في صفة النار نعوذ بالله منها : “فُتحت أبوابها” بغير واو لأنّها سبعة .
          د ـ وليس قوله تعالى : “ثيبات وأبكاراً” . من هذا القبيل ؛ لأنّ الواو لو أسقطت فيه لاستحال المعنى ؛ لتناقض الصفتين .
          تحليل رأي الرازي :
          أخرج من كلام الرازي ـ عليه رحمة الله ـ أنّه من القائلين بورود واو الثمانية في لغة العرب . بل ذهب بعيدًا حين عدَّ من هذا آية سورة الزمر ، مع أنّه لم يذكر فيها عدد أصلاً .
          وقد ذكر ابن القيم ـ رحمه الله ـ تضعيفه لهذا الرأي حيث قال : « وهذا في غاية البعد ولا دلالة في اللفظ على الثمانية » .
          وقال ابن هشام عن هذا الموضع : « لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن هذه الآية منها؛ إذ ليس فيها ذكر العدد البتة » .
          وسيأتي الحديث مفصلاً حول رأي ابن القيم وابن هشام إن شاء الله » .
          9ـ القرطبي .671هـ :
          أشار – عليه رحمة الله – إلى أنّ الواو في قوله تعالى : “وثامنهم كلبهم” أشار إلى ما يفيد أنّ رأي النحويين فيها أنّها عاطفة زيدت لتوكيد صحة العدد .
          ثم نقل رد القشيري على الذين يقولون إنّ السبعة نهاية العدد عندهم حيث قال : قال القشيري أبو نصر : ومثل هذا الكلام تحكُّم ,ومن أين السبعة هي نهاية عندهم! ثم هو منقوض بقوله تعالى : “هو الله الذي لا لإله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر . . .”. ولم يذكر الاسم الثامن بالواو .
          ثم قال : قال القشيري : « لم يذكر الواو في قوله : رابعهم سادسهم, ولو كان بالعكس لكان جائزًا, فطلب الحكمة والعلة في مثل هذا تكلُف بعيد » .
          تحليل رأي القشيري :
          « لو كان بالعكس لكان جائزًا » أي لو أنّ الواو ذُكرت مع رابعهم سادسهم وأُسقطت من ثامنهم لكان هذا الأمر جائزاً ؛ لأنّ الواو على مذهبه ليست خاصة بهذا العدد . بل ذهب إلى أكثر من هذا حيث صرح أنّ طلب العلة لهذه الواو تكلف ، فحذفها جائز وإيرادها جائز ؛ فهو مما يسوغ في اللغة ؛ واستشهد لجواز الإيراد بقوله تعالى :”وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم” ، وللحذف بقولها تعالى : “وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون” .
          10- رأي ابن القيم :751هـ :
          في بداية حديثه عنها قال : « قولهم إنّ الواو تأتي للثمانية ليس عليه دليل مستقيمٌ وهذا تصريح بضعف رأي القائلين بوجود واو بهذا الاسم في لغة العرب » .
          أقول : تصريح بضعف ولا أقول بنفي ؛ لأننا سنجد له – رحمه الله – بعد قليل ميلاً إلى احتمال صحة هذا الرأي في واو آية الكهف “وثامنهم كلبهم” .
          كذلك قوله : « دليل مستقيم » فلفظة مستقيم لا تنفي صراحة صحة الدليل وإنما هي إشارة إلى ضعفه .
          ثم استعرض المواضع التي يراها القائلون شواهد على واو الثمانية مبتدئا بآية التوبة وهي قوله تعالى: “التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر” .
          فقال : «… حَسُنَ العطف ليبين أنّ كل وصف منهما قائم على حِدَته مطلوب بتعيينه, لا يُكتفى فيه بحصول الوصف الآخر بل لابد أن يظهر أمره بالمعروف بصريحه ونهيه عن المنكر بصريحه » .
          قلت : فمفهوم كلام ابن القيم أنّ الواو ليست واو الثمانية ؛ فعلة دخولها أنّ كلاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائم بذاته فلا يكفي واحد منهما عن الآخر, فورودها لنكتة معنوية مرادة بعينها ، لا لخصيصة من خصائص لغة العرب ، كما ذهب إليه الحريري .
          كلامه عن آية سورة التحريم وهي قوله تعالى : “عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيراً منكن مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيباتٍ وأبكارا” .
          قال عن هذه الآية : «فقيل هذه واو الثمانية لمجيئها بعد الوصف السابع. وليس كذلك ودخول الواو ههنا متعين ؛ لأنّ الأوصاف التي قبلها المراد اجتماعها في النساء , وأمّا وصفا البكارة والثيوبة فلا يمكن اجتماعهما ؛ فتعين العطف ؛ لأنّ المقصود أنّه يزوجه بالنوعين الثيبات والأبكار » .
          فهو هنا يرد على القائلين بأنّها واو الثمانية ؛لأنّ العطف يقتضي المغايرة .وبهذا يتوافق مع الزمخشري بتعليل ورود الواو في هذه الآية .
          وقال عن آية سورة الكهف وهي قوله تعالى : “سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم”.
          وابن القيم هنا ـ عليه رحمة الله ـ لم ينفِ صراحةً مسمى واو الثمانية عن هذا الموضع؛ حيث قال : « قيل : وإدخال الواو ههنا لأجل الثمانية ،وهذا يحتمل أمرين أحدهما هذا » يقصد بقوله : « هذا » أي إدخال الواو: أي أنّ أحد الاحتمالين أن تكون الواو للثمانية ؛ فعبارته هنا تدل على ميله إلى القول بواو الثمانية في هذا الموضع . فعنـدما قال : إنّ أحد الاحتمالين هو كون الواو للثمانية فهذه موافقة منه ـ رحمه الله ـ ولكنّها ليست موافقة جازمة جزمه بآرائه السابقة؛ لأنّه صدر كلامه بعبارة التمريض « قيل » وقال أيضاً في مبدأ كلامه عن ورود واو بهذا الاسم : «ليس عليه دليل مستقيم » .
          ولأنه لم يجد تعليلاً يرضاه يُخرج به الواو عن القول بأنّها واو الثمانية , ولم يمل مع التعليلات المذكورة عند من سبقوه . خاصة تعليلات الزمخشري ـ رحمه الله ـ التي أخرج بها الواو عن هذا المسمى في هذا الموضع ؛ لهذا لم ينفرد برأي ، وهنا رأيته ينقل رأي السهيلي , وملخصه أنّ هذه الواو تؤذن بتمام الكلام وتقرير القول .
          وهذا الرأي هو الأقرب لاختياره .
          ثم تحدث عن آية سورة الزمر وهي قوله تعالى : “وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها و فُتحت أبوابها” فأتى بالواو لما كانت أبواب الجنة ثمانية, وقال في النار”حتى إذ جاءوها فتحت أبوابها” لما كانت سبعة .
          قال عن دلالة هذه الواو على الثمانية : « وهذا في غاية البعد » ثم علل إيرادها بقوله : « ففُتحت في وجوههم ؛ لأنّه ابلغ في مفاجأة المكروه » .
          « وأمّا الجنة فلما كانت دار كرامة وهي مأدبة الله . . . أتى بالواو العاطفة ههنا الدالة على أنهم جاءوها بعدما فتحت أبوابها » .

          تعليق

          • عبدالله بنعلي
            عضو نشيط
            • Apr 2014
            • 6053

            #6
            تتمة
            11- أبوحيان الأندلسي754هـ :
            «… والواو في +وثامنهم” للعطف على الجملة السابقة : أي يقولون هم سبعة وثامنهم كلبهم , ثم أخبروا إخباراً ثانياً أنّ ثامنهم كلبهم فيهما جملتان » .
            فأبو حيان – عليه رحمة الله – مع عنايته بالمباحث النحوية ، وإمامته في علم النحو لم يذكر ما يدل على أنّه يرى أنّها واو الثمانية ؛ ومفهوم كلامه أنّها عاطفة للتوكيد .
            12 : رأي ابن هشام 761هـ :
            أولاً : عن آية سورة الكهف وهي قوله تعالى : “سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم” [الكهف : 22] .
            قال : « . . . وزعموا أنّ العرب إذا عدوا قالوا : ستة سبعة وثمانية » ( ) .
            وفي قوله زعموا تصريح بضعف هذا الرأي , لهذا رأيناه يأخذ بالرأي الذي يقول بأنها عاطفة للتصديق . أي تصديق خبر عدتهم أنّهم ثمانية .
            ولميله أنّها للتصديق رأيته يفترض اعتراضاً ثم يجيب عليه حيث قال : « فإن قلت إذا كان المراد التصديق فما وجه مجيء “قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل” ؟ .
            قلت : وجه الجملة الأولى وهي قوله تعالى : “ربي أعلم بعدتهم” لتوكيد صحة التصديق بإثبات علم المصدِّق ؛ ووجه الجملة الثانية وهي قوله تعالى :+ما يعلمهم إلا قليل” وجه هذا الإشارة إلى أنّ القائلين تلك المقالة الصادقة قليل. أو أنّ الذي قالها منهم عن يقين قليل, أو لما كان التصديق في الآية خفياً . . . قيل ذلك» .
            رأيه في آيتي الزمر وهما قوله تعالى : “وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها . . .” ، وقوله تعالى : “وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها وفُتحت أبوابها . . .” .
            قال : « لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها ، إذ ليس فيها ذكر العدد البتة . . . ثم الواو ليست داخلة عليه » ـ أي على العدد ـ .
            وقيل عن هذه الواو إنّها مقحمة كما ذهب إليه الهروي في كتابه « الأزهية في علم الحروف » .
            « وقيل هي واو الحال … وهذا قول المبرد والفارسي وجماعة » ( ) المغني .
            نجد أنّ ابن هشام يقطع هنا بأنّ الواو ليست واو الثمانية ؛ بل يذكر ما يشير إلى أنّه لا حقيقة لوجودها في لغة العرب وهذا بقوله السابق: « لو كان لواو الثمانية …» .
            * * *
            رأيه في آية سورة التوبة وهي قوله تعالى : “التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر” .
            هو يرى أنّها عاطفة وعلل ورودها بقوله : « . . . أنّ الأمر والنهي من حيث هما أمر ونهي متقابلان . . . وأنّه لا يُكتفى فيه بما حصل في ضمن الآخر” .
            رأيه في آية سورة التحريم وهي قوله تعالى : “عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيباتٍ وأبكاراً” .
            « والصواب أنّ هذه الواو وقعت بين صفتين هما تقسيم لمن اشتمل على جميع الصفات السابقة ؛ فلا يصح إسقاطها إذ لا تجتمع الثيوبة والبكارة . . . » .
            « ثم إنّ أبكاراً صفة تاسعة لا ثامنة ، إذ أول الصفات “خيراً منكن” » .
            هذا ملحظ دقيق منه – عليه رحمة الله – فهو يقول على افتراض صحة وجود هذه الواو في لغة العرب فلا يُعد هذا الموضع منها ؛ لأنّه يرى أنّ الواو وردت بعد الصفة الثامنة لا السابعة؛ فقوله تعالى : “خيراً منكن” هي الصفة الأولى .
            وهذا مذهب سبق إليه ابن هشام ، فلم أرَ من قال به من الذين استعرضت أقوالهم .
            ثم نبه على سهو الثعلبي بقوله عن الواو في قوله تعالى : “سبع ليال وثمانية أيام حسوماً” بأنّها واو الثمانية . حيث قال : « . . . فسهو بيّن وإنما هذه واو العطف وهي واجبة الذكر ».
            والسؤال هنا بعد استعراض أقوال العلماء هو : هل لهذه الواو حقيقة أو أصل في لغة العرب كما لسائر مسميات اللغة حقيقة وأصل؟
            في قراءة تحليلية لهذه الآراء نجد أنّ هناك فريقين :
            1ـ فريقٌ يقول بهذه الواو ومنهم ابن خالويه والحريري .
            2ـ فـريقٌ لا يرى القول بها ومنهم الزمخشـري وابن هشام . وقد سموها مؤكدة .
            وباستعراض المكانة اللغوية للفريقين ووجاهة التسمية وكثرة شواهدها نجد أنّ كفة الذين لا يقولون بها هي الأرجح ؛ لهذا , ولقلة الشواهد , ولأنّ القول بها لا يعدو- برأيي – أن يكون استحساناً أدبياً . أرى أنّ هذه الواو لا حقيقة لها في لغتنا ؛ وإنما هي من تسميات الأدباء المبنية على تلمس الجمال الفني . البعيد عن التقعيد العلمي الذي سار عليه النحاة في بناء قواعد اللغة . كما ذكروا في تعليل بعض المسميات النحوية .
            فالنحاة قالوا : إنّ لفظة [الذي] وأخواتها أسماء موصولة ؛ لأنّ هذه الألفاظ لا يستقيم الكلام بذكرها مجردة بدون شيء بعدها تتصل به ويتمم معناها ؛ فالمعنى يبقى ناقصاً عندما نقول : أستُشهد الجندي الذي . . . وهكذا سائر الأسماء الموصولة .
            ومن هذا أدوات الشرط فسبب تسميتها أنّها تربط جزاءً بشرط؛فهي تدخل على معنى لا يتحقق ثبوته إلا بتحقق شرطه فعندما قال تعالى : “من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة” [النحل : 97] فقد شرط للحياة الطيبة شرطاً هو العمل الصالح مع الإيمان فسبب تسميتها أدوات شرط أمر ظاهر . وهذا بيّنٌ في سائر المسميات اللغوية ذات الصبغة العلمية .
            هذا جانب التسمية في تعليل المعاني . أمّا من حيث تسمية الحروف بمسميات مقبولة فكثير ؛ ومن هذا تسمية حروف العطف , فسبب التسمية ظاهر فعندما نقرأ قوله تعالى : “ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون” نجد أنّ حرف العطف (الواو) قد نسق لنا مجموعة من صفات المؤمنين .
            ولو حُذف لاختل المعنى فهو حرف أصلي أضاف معنى للكلام
            ومن حروف المعاني حروف الجر وحروف التوكيد . . . إلخ .
            وقول الحريري ـ عليه رحمة الله ـ : إنّها من خصائص لغة العرب يقتضي استقراءً للغات الأخرى . كما يقتضي أن يكون ورودها في لغة العرب بكثرة, وليس مقصوراً على شواهد ردها جمع من أئمة اللغة .
            وقد أوردت رد القشيري ص124 على الذين يرون أنّ السبعة هي نهاية العد عند العرب .
            من هنا أختار أنّ الواو للتوكيد وتقرير المعنى لورود هذا في القرآن والسنة، فمن القرآن قوله تعالى : “وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم” .
            ومن السنة قوله ïپ² : « ألا وإنّ لكل ملك حمى ، ألا وإنّ حمى الله محارمه , ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » رواه البخاري ومسلم , وهو الحديث السادس من الأربعين النووية .
            فهذه أربع واوات ورودها للتوكيد وهي : ألا وإن لكل ملك , ألا وإنّ حمى , ألا وإنّ في الجسد , ألا وهي القلب .
            من ورقة بحثيَّة للأستاذ/ عمر عبد الله العمري

            تعليق

            يعمل...