جهود مجمع اللغة العربية بدمشق في التعمية واستخراج المعمّى عند العرب[1]
د. يحـيى مـير عـلم [2]
د. يحـيى مـير عـلم [2]
الملخّص:
يتناول هذا البحث جهود مجمع اللغة العربية في موضوع مهمّ، هو (علم التعمية واستخراج المعمّى عند العرب) المعروف حديثًا بالـ (الشِّفْرة وكسرها) أو (التشفير) أو (أمن المعلومات)، وذلك مُذْ كان البحثُ عن التعمية وريادة العرب فيها فكرةً إلى غدت مشروعًا كبيرًا، تطلّب تنقيبًا في كثير من فهارس المكتبات في بلدان عدّة، وأثمر كشفًا عظيمًا، أماط اللثام عن جُملةٍ صالحةٍ من كنوز تراثنا العلمي المخطوط في هذا الموضوع الخطير المنسيّ، الذي غفل عنه أهله، فبقي رهينَ خزائنِ المكتبات في العالم، على أهمّيّته في عصر المعلومات والاتصالات الرقمية والحواسيب والجوّالات ومنصّات التواصل الاجتماعي والشابكة (الإنترنت)، وعلى ريادة أعلامه العرب وسبقِهم الغربيين بنحو ستة قرون، واضطرارهم إلى إعادة النظر في تأريخ التعمية في حضارات العالم، وإلى الإقرار بريادة العرب فيه، وكان من ثمرات ذلك الكشف تحقيقُ نصوصِ كثيرٍ من مخطوطات التعمية واستخراجها ودراستها، ثم طباعتها في جزأين[3]، ثم ما تبع ذلك من ترجمتهما إلى اللغة الإنكليزية، وطباعتها في ستة أجزاء[4].
مـــقـــدّمـــات:
1- البداية والاكتشاف:
يرجع الفضلُ في اهتمامنا بعلم التعمية واستخراج المعمّى وريادة العرب فيهما إلى مركز البحوث والدراسات العلمية بدمشق عندما وقف الدكتور محمد مراياتي مدير المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا سابقًا على نصٍّ مهمٍّ لكبير مؤرّخي التعمية البروفسور ديفيد كان David Kahn يقول فيه: «وُلِد علمُ التعمية بشقَّيه بين العرب، فقد كانوا أولَ من اكتشف طُرُق استخراج المعمَّى، وكَتَبها ودَوَّنها»[5] مُعْتَمِدًا في ذلك على ما أورده القلقشندي (ت821هـ) في كتابه المشهور (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) في «باب إخفاء ما في الكتب من السِّرِّ..»[6] الذي أكثرَ فيه من النقل عن رسالة (مفتاح الكنوز في إيضاح المرموز) لابن الدُّرَيْهم، ومُعَبِّرًا عن بالغ أسفه لفقدان تلك الرسالة المهمّة[7].
كانت البدايةُ البحثَ عن مخطوطة (مفتاح الكنوز في إيضاح المرموز) ومؤلّفها ابن الدُّرَيْهم في المكتبة الظاهرية بدمشق عام (1979). وقد تبيّن لنا بعد البحث في الفهارس وكتب التراجم أن المخطوطة لا أثر لها، وأن عليّ بنَ الدُّرَيْهم (ت 760 أو 762 هـ) عالمٌ مشهورٌ كثيرُ التصانيف في الشريعة والعلوم الخفية عامّةً، والتعميةخاصّةً، فانتقلنا إلى مكتبات اسطنبول عام (1981 (وتابعنا البحث عن عنها وعن غيرها من المخطوطات في التعمية واستخراجها وعلوم العربية نحوًا من شهرٍ، فوقفنا على كنزٍ ثمينٍ من المخطوطات، جملتها إحدى عشرة رسالة، صوّرناها بعد طويل معاناة، أهمّها رسالة (مفتاح الكنوز في إيضاح المرموز) لابن الدُّرَيْهِم، وعدّةَ نسخٍ من رسالة (أسباب حدوث الحروف) لابن سينا[8]، ثم ظفرنا بما هو أهمُّ من رسالة ابن الدُّرَيْهِم مادّةً، وأقدمُ تاريخًا، وهي (رسالة في استخراج المعمى) ليعقوب بن إسحاق الكندي (ت260ه)، وبـ (مجموع التعمية) الذي اشتمل على ثماني رسائل، كان أستاذنا العلّامة أحمد راتب النفاخ قد استقدم لنا مصوّرة عنه من صديقه المؤرّخ العلّامة د. فؤاد سزكين. وفي سنة 1986م حصلنا على مصوّرة لأهمّ كتاب في التعمية بالأقلام واللغات البائدة، وهو (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام) لابن وحشية النبطي (ت260 أو 291 أو 318 أو نحو350هـ) الذي سبق شامبليون إلى كشف رموزٍ هيروغلفيةٍ بعشرة قرون، يصحّح ذلك أن المخطوط طُبع في لندن عام 1806م بعناية جوزيف هامّر (Joseph von Hammer, 1774-1856)، وأن دعوى اكتشاف شامبليون حروفًا هيروغليفيةً في الكتابة على حجر رشيد كانت سنة 1822م. وفي سنة 1991م حصلنا على مصوّرات لثلاث مخطوطات في التعمية، هي (حلّ الرموز وبَرْء الأسقام في أصول اللغات والأقلام) لذي النون المصري (ت 245ﻫ)، تشتمل على مئتي قلم، ومخطوط للجِلْدَكي (ت بعد 742ﻫ) يشتمل على سبعين قلمًا، ومخطوط ثالث لمجهول[9].
على أن ثمّة مصوّرات أخرى في التعمية تفضّل بإهدائها لنا بعض أهل العلم، أهمّها )مجموع التعمية( المتقدّم، ومنها (قصيدة ابن الدُّرَيْهِم في حلّ رموز المكاتبات وفهم أقلام المتقدمين)[10] من مكتبة دار الكتب المصرية، أرسلها د. فتحي صالح إلى صديقه د. محمد مراياتي، ومنها نسختان مصوّرتان من مخطوط (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام) لابن وحشية النبطي، أهدانا الأولى أ. محمد عدنان جوهرجي من مكتبته الخاصّة، وأهدانا الثانية أ. محمد الزمامي من المكتبة الوطنية في فيينا، ومنها مصوّرة رسالة (كشف المغمَّى عن أصول المعمَّى) لمحمد مرتضى الزَّبيدي، من المكتبة اليهودية الوطنية بالقدس، وردتنا هديّةً من الشيخ نظام اليعقوبي في البحرين.
2- التعمية واستخراجها قديمًا وحديثًا:
تتنامى أهمّيّة التعمية (الشِّفْرة) واستخراج المعمّى (كسر الشِّفْرة) صُعُدًا في عصرنا الذي أصبحت فيه التعمية (التشفير) حجرَ الأساس في مجتمع المعرفة الرقمية والمعلوميات وأمن الاتصالات والحواسيب والشابكة (الإنترنت) ومنصّات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن تطبيقاتها الأخرى التي استغرقت جميع العلوم والميادين العلمية والتقنية والتجارية والشؤون المدنية والداخلية والعسكرية والخارجية وغيرها. ولعلّ من نافلة القول الإشارة إلى أن استعمال التعمية قديم جدًّا، اقتضته دواعٍ مختلفةٌ لإخفاء بعض ما يُقال أو يُكتب عن الآخرين، فلا عجب أن تكون حضاراتُ العالم القديم قد عرفت استعمالَ التعمية منذ أكثر من ألفي سنة قبل الميلاد. على أنّ التعمية لم تَغْدُ علمًا مُدَوَّنًا في مؤلَّف، يجمع أصولها وقواعدَها وطرائقَها وسُبُلَ استخراجها حتى جاء الفيلسوف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت260هـ- 874م) ووضع مُصَنَّفه المشهور (رسالة في استخراج المعمّى) الذي أفاد منه، على إيجازه، كلُّ مَنْ جاء بعده، فكان رائدًا في تأليف أقدمِ مُدَوَّنةٍ في تاريخ حضارات العالم، وكان جديرًا بما وصفوه أنّه أبو التعمية في العالم، إذ سبق رُوّاد التعمية الغربيين بنحو ستة قرون، وعلى رأسهم ألبرتي الإيطالي Leon Battista Alberti الذي كتب رسالة باللغة اللاتينية في نحو (25) صفحة سنة 1466م.
لقد تأخّر اهتمام الباحثين المعاصرين في التعمية واستخراج المعمّى (الشِّفْرة وكسرها) على الرغم مما سبق ذكره من أهميّة هذا العلم، ومن ريادة الأعلام العرب في وضع أصول التعمية حتى صدر الجزءُ الأول من كتابنا (علم التعمية واستخراج المعمّى عند العرب) 1987م الذي كان مُخَطّطًا له أن يجيءَ الأولَ في سلسلةِ أجزاءٍ، تتوزّع ما انتهى إلينا من مصوّرات مخطوطات التعمية واستخراجها مشفوعةً بالتحقيق والدراسة، لِتُؤَلِّف من بعدُ موسوعةَ التعميةِ عند العرب.
3- أسباب نشوء التعمية وتطوّرها عند العرب:
ثمّة أسباب كثيرة أدّت إلى ولادة علم التعمية وتدوينه وتطويره لدى العرب، أهمّها:
أ- نشاطُ حركة الترجمة إبّانَ ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، وإنشاءُ الخليفة المأمون لبيت الحكمة، واستقدامُه أشهر المترجمين من العرب والمسلمين وغيرهم، وترجمة كثير مما وُجِدَ في اللغاتِ السريانية والنبطية واليونانية والرومية والفارسية والهندية والأرمنية والعبرية والـمُغْلية وبعض اللغات البائدة= اقتضى ذلك دراسةَ تلك اللغات وتبويب حروفها، ومحاولةَ فهم ما فيها من كتابات معمّاة[11].
ب- تطوّرُ الدراسات اللغوية العربية في النحو والصرف والمعاجم والدلالة والأصوات، والانتشار الواسع للغة العربية ساعد في تطوير منهجية استخراج المعمّى وطرائقه، من جهة الكمية التي تتطلّب معرفةً بتواتر الحروف، وأطوال الكلمات مجردةً ومزيدةً، وتواتر الحروف أصليةً وزائدةً في مواقع الكلمة، ومن جهة الكيفية التي تتطلّب معرفةً بقوانين ائتلاف الحروف وتنافرها في الكلمة، وبالمستعمل والمهمل، وبوجوه تصرّف الكلمات الثنائية والثلاثية والرباعية والخماسية.
ج- التقدّمُ العلميّ في العلوم الرياضية أدّى إلى تقدُّمِ عِلْمَي الحساب والجبر والمقابلة لدى العرب تلبيةً لاحتياجات الدولة الإسلامية في حسابات الإرْث، وتقسيم الأراضي، والزكاة، وأعمال الهندسة، والفلك، وتحديد أوقات الصلوات والعبادات وغيرها.
د- ازدهارُ علوم الإدارة والدواوين والإنشاء تلبيةً لاحتياجات الإدارة في الدولة الإسلامية المترامية الأطراف أدّى إلى تطوّر الدواوين، وشيوع صنعة الكتابة، ووفرة الكُتَّاب، وازدهار الترسُّل. وكان طبيعيًّا أن يشتملَ بعضُ ما يُكتبُ أو يُرسَلُ على شيءٍ توجِبُ الضرورةُ كتمانَه أو تعميتَه، مما اقتضى الممارسةَ العملية للتعمية واستخراجها، ونشوءَ مهنة كاتب السرّ أو كاتب الجيش[12].
ه- انتشارُ القراءة والكتابة والحفظ في أرجاء العالم الإسلامي، وتشجيعُ الخلفاء والأمراء والقادة والأعيان عليها، ورصدُهم الجوائز لها. وأظهر ما تجلّى ذلك في حفظ متون العلوم الشرعية واللغوية وغيرها منظومةً ومنثورةً، وأمثلة هذا من الكثرة بمكان، تغني الإشارة إليها عن نصب الأدلّة والشواهد لها.
و- تعرّضُ العالم الإسلامي للغزو المغولي من الشرق والحروب الصليبية من الشمال أدّى إلى نشاط التعمية واستخراج المعمّى بين القادة وأولي الأمر في أرجاء العالم الإسلامي تلبيةً لاحتياجات الدولة والقادة في الحروب والمعارك التي كانوا يخوضونها[13].
4- طرائق التعمية ومبادئ استخراج المعمّى:
♦ طرائق التعمية: هي الخوارزميات أو العمليات التي تُطَبَّق على النصّ الواضح لتحويله إلى نصٍّ معمّى. وأهمّها التعمية بالقلب أو البعثرة، والتعمية بالإبدال أو الإعاضة.
♦ التعميـة بالقلـب أو البعثـرة: تقوم على تغيير مواقع حروف النصّ الواضح وفق قاعدة معينة.
♦ التعميـة بالإبدال أو الإعاضـة: يُستبدل فيها بكلِّ حرفٍ شكلٌ أو رمزٌ وفق قاعدةٍ محدَّدة، كأن يُستبدل بكلّ حرفٍ الحرفُ الذي يليه على ترتيب (أبجد هوز) أو حساب الجُمَّل إلخ...
♦ التعميـة المركبـة: وتكون باستعمال طريقتين أو أكثر من طرائق التعمية المتقدّمة، وينتج عن تطبيق ذلك عدد كبير جدًّا من أساليب التعمية.
مبـادئ اسـتخراج المعمّـى: يعود استخراج المعمّى إلى ثلاثة مبادئ أساسية:
• اسـتعمال الصفـات الكميـة للحروف: وذلك بمعرفة تواتر الحروف في النصوص، ومقابلتها بمراتب الرموز المستعملة في الرسالة المعمّاة. ويُعَدّ الكنديُّ أولَ مَنْ كتب عن هذا المبدأ، أي قبل ألبرتي (Alberti) صاحب أول رسالة في التعمية بستة قرون.
• اسـتعمال الصفـات الكيفيـة للحروف: وذلك بمعرفة أحكام بنية الكلمة، والأصليّ والزائد من حروفها، وما يقارِن غيرَه من الحروف، وما لا يقارنه، وما يَكثُرُ دورانُه من الثنائيات والثلاثيات، وما يكثر دورانه في أوائل الكلمات أواخرها.
• اسـتعمال الكلمـة المحتملـة: وذلك بمعرفة الكلمات التي يُحتمَل وجودها في النص، مثل فواتح الرسائل وخواتمها. ويُعَدّ الكنديُّ أوّلَ مَنْ نبَّه على هذه الفواتح قبل رسالة بورتا (Porta) في القرن 16م.
أمّا استخراج المعمّى المنظوم (الشعر) فيحتاج إضافةً إلى ما سلف من المبادئ معرفةً بالقوافي، والعَروض، والرَّوِيّ، والتشاطير، وعددِ حروف البيت، والحروفِ الصامتة والمصوّتات الطويلة والقصيرة[14].

تعليق