فضائل وميزات لغة القرآن
حسن محمد فؤاد
حسن محمد فؤاد
المقدمة:
إنَّ الحمد لله نحمَده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونَعُوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
ثُم أمَّا بعد:
فاللغة بالنسبة لكلِّ أمَّة هي أداة تَواصُل، وطريقة تفكير، ورمزُ عزَّةٍ، أمَّا العربيَّة فهي بالنسبة للعرب كلُّ هذا، وتَزِيد عليه أنها لغةُ دينٍ وكتابٍ مُوحًى به، وهي لغة عِبادات وشعائر، فهي لغةٌ مُقدَّسَة، مأجورٌ مَن يتعلَّمها، مُثابٌ مَن يَعلمها، ثم هي لغةٌ محفوظةٌ بحفظ الله للكتاب الذي نزل بها.
وتحتَلُّ العربيَّة المركز السادس من حيث عدد المتكلِّمين بها، وهي اللغة الوحيدة التي دامَتْ لأكثر مِن خمسة عشر قرنًا مِن الزمان، فكلُّ اللغات القديمة قد انقرَضَتْ إلا هي، واللغة العربيَّة قد تجمَّع فيها مِن الميزات والخصائص ما لم يُوجَد مُجتَمِعًا في لغةٍ غيرها، ومع كلِّ هذه الخصائص والميزات إلا أنَّ كثيرًا مِن أهلها جهِلُوا مكانتَها وقيمتَها، ورمَوْها بالتُّهَم الباطِلَة بأقوالهم، وبالتصرُّفات المشينة التي تُسِيء إلى لُغتهم، ولم يُقَدِّر أكثرُ العرب قيمة لغتهم ومكانتها، ولم يحفَظُوها ويراعوا حقَّها عليهم، وإلا لكان مِن الواجب عليهم تعلُّمها وتعليمها، والالتِزام بقواعدها، فهي خيرٌ وعزَّة لهم في الدنيا، وأجرٌ وثواب عظيم لهم يوم القيامة، فكم عَزَّ أقوامٌ بعزِّ لغات! ووَجَب على كلِّ غَيُورٍ على أمَّته، محبٍّ لدينه، أن يعملَ على إحياء اللغة العربية في المنتديات والتجمُّعات الثقافية والعلميَّة، ودُور العبادة، وقاعات الدرس، وأن يُذكِّر بفضلها ومكانتها وأهميَّتها بالنسبة لنا كمسلِمين، فهي من الدِّين، وبالنسبة لنا كعرب.
لذا جاء هذا البحْث تذْكيرًا بفَضْل ومكانة العربيَّة، وما تَحوِيه مِن الميزات والخصائص التي لم تَشرُف لغة أخرى باجتماعها فيها، ثم نُعَرِّج على أسباب تَدَنِّي مستوى المتحدِّثين بالعربية، ومنه نَدلِف إلى اقتِراحاتٍ لِمُحاوَلة عِلاج هذه الظاهرة التي عمَّت بها البلوى، وأصبحتْ عائقًا من عَوائِق تقدُّم الأمَّة؛ إذ لا تتقدَّم الأُمَم إلا بعقيدةٍ صحيحةٍ راسخةٍ، ولغةٍ توحِّد ألسنتَها، وهدفٍ يُوحِّدُ اتِّجاهها، وعزيمةٍ قويَّة وإخلاص صادقٌ للهِ تبارك وتعالى.
وقد اقتَضَتْ طبيعة البحث أن يكونَ في ثلاثة أبواب:
الباب الأول: فضل اللغة العربية ومكانتها بين اللغات.
وجاء هذا الباب في تقديم وفصلَيْن:
الفصل الأول: فضْل العربية في الشريعة الإسلامية.
الفصل الثاني: مكانة العربية بين اللغات العالمية.
الباب الثاني: أسباب تَدَنِّي المتحدِّثين باللغة العربية.
وكان هذا الباب في فصلين:
الأول: أسباب خارجية.
الثاني: أسباب داخلية.
الباب الثالث: اقتِراحات للحلول ولنشْر الثقافة العربية.
وكان هذا الباب في خمسة فصول:
الأول: نشر التوعية بفضل ومكانة اللغة العربية.
الثاني: فرْض اللغة العربية على كلِّ جهاز حكومي، أو إعلامي، أو تعليمي.
الثالث: إقامة مشروع كامل لتهذيب اللغة نحوًا وصرفًا ومعجمًا.
الرابع: إقامة مركز علمي متخصِّص لحوسَبة العلوم اللغويَّة.
الخامس: البعثات العربية لنشْر ثقافة اللغة العربية.
• • •
الباب الأول: فضل اللغة العربيَّة ومكانتها بين اللغات
تقديم:
يقتَضِي المنهجُ العلمي تقسيمَ هذا الباب إلى فصلين: فصلٍ مُوجَّه إلى المسلمين المؤمنين بالإسلام دينًا، وبالقرآن وحيًا، وهذا الفصل لا يتطلَّب إلا نصوصًا قرآنيَّة أو نبويَّة، أو كلامًا لعلمائنا الأجلَّاء المُوافِق للدليل الصحيح، فهذا كلامٌ عندنا مُصدَّقٌ، ولدينا مقبولٌ، وهو حجَّة على كلِّ مؤمنٍ بهذا الدين، أمَّا عند غير المسلمين فليس بحجَّة، ولا يجوز لنا إلزامه به؛ لأنه غير مؤمن بهذا الكتاب ولا بذلك الرسول؛ لذلك كان الفصل الثاني، وهو يعتَمِد على الدليل العقلي والحقيقة العلمية، وأقوال العلماء من أصحاب هذا الفن المُشتَغِلين بعلم اللغة وأصل اللغات، العالِمِين بمنابِتها وأصولها وفروعها؛ فهم أعلمُ، وكلامهم حجَّة في هذا الباب، خاصَّةً إذا اجتَمَع منهم غيرُ واحدٍ على قولٍ مِن غير اتِّفاق فكري أو ديني، وما دفعهم إلى ذلك إلا البحث والإنصاف.
الفصل الأول: فضل العربية ومكانتها في الإسلام:
قد كرَّم الله تعالى هذه اللغة العربية؛ إذ أنزل كتابه الكريم بها على رجلٍ مِن أهلها صلَّى الله عليه وسلَّم، وكرَّمها إذ حَفظها بحفظِ ذلك الكتاب العظيم، وهذا التكريم قطعيُّ الدلالة على أنَّها خيرُ اللغات، وما انحِسار ظِلِّها في هذا الزمن وضيق انتشارها، إلا دليلٌ على ضعف أهلها في تعلُّمها وتعليمها، وتلك حقيقةٌ لا سبيل إلى جحْدها أو المُمارَاة فيها، وإلا فإنَّ الإسلام الذي حكَم العالمَ قرونًا مَدِيدةً قد نُحِّيَ هو الآخَر في هذا العَصْر عن موقع القيادة والسلطان، أَفَيَحْمِلُ الإسلامُ - وهو دينُ الله الخاتم، وكلمته العليا - وِزْر انتكاسِنا وارتكاسنا؟!
اللغة العربية والعقيدة:
لا يكون الإنسان مسلمًا إلا إذا نطَق الشهادتين بلغةٍ عربية إنِ استَطاع، وإلا كُتِبت له كلمة التوحيد (الشهادتان) بحروف لغته الأصليَّة، ثم ينطق بها.
اللغة العربية وشرائع الإسلام:
الإسلام عقيدةٌ تنبَثِق عن هذه العقيدة شريعةٌ، ومن هذه الشريعة:
الصلاة:
مِن شُرُوط صحَّة الصلاة قراءة الفاتحة قراءة صحيحة - فالفاتحة ركنٌ مِن أركان الصلاة - والأذكار بلغةٍ عربية صحيحة، خلافًا للأحناف الذين أجازوا قراءة القرآن في الصلاة بغير العربية لغير القادر على النطق بها، أمَّا قول جمهور العُلَماء فهو وجوب تعلُّم الأعجمي ما يُقِيم به صلاته، ولا تصحُّ الصلاة بغير ذلك.
الحج:
هو رُكن الإسلام الأعظم، وفيه مِن التلْبية والشعائر القوليَّة المطلوب أداؤها - طلب وجوبٍ أو استِحباب - باللغة العربيَّة على كلِّ المسلمين ومِن كلِّ اللغات.
وغير ذلك مِن الشعائر؛ مثل: قراءة القرآن، وذِكْر الله جلَّ وعلا، كلُّ هذا يحتاج فيه إلى تعلُّم شيءٍ من العربية؛ ليصحَّ إسلام العبد، وتصحَّ عباداته.
العربيَّة والعلم:
وضَع العلماء شروطًا مَن حقَّقها وحاز عليها، نال رُتبةَ الاجتهاد في الدِّين، واختَلفوا في بعض هذه الشروط؛ لكنَّهم اتَّفقوا جميعًا على شرط إتقان اللغة العربية كشرطٍ أساسٍ في المجتَهِد، لا يصحُّ له الاجتِهاد إلا بإتقان لغة العرب التي بها نزَل القرآن، وبها تحدَّث سيِّد ولد عدنان صلَّى الله عليه وسلَّم، فالقرآن والسُّنَّة هما مصدر التشريع الإسلامي، فوجَب على مَن أراد بلوغ رتبة الاجتهاد أن يَحُوز هذه اللغة؛ ليفهَم مراد الله جلَّ وعلا، ويَفهَم كلام المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال أبو إسحاق الشيرازي في "صفة المفتي": (ويَعرِف مِن اللغة والنحو ما يَعرِف به مراد الله ومرادَ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم في خطابهما)، "اللُّمع في أصول الفقه" ص 127.
اللغة العربية واجبة على كلِّ مسلم:
العربية واجبةٌ على كلِّ مسلم بحسبه، فالقَدْر الذي لا يجوز لمسلمٍ أن ينقص عنه هو القدر الذي يُمَكِّنه من إقامة الفرائض، وفهْم كلام الله ورسوله، ففيهما نجاتُه في الدنيا والآخرة، قال الماوردي: (ومعرفة لسان العرب فرضٌ على كلِّ مسلمٍ من مجتهد وغيره)؛ "إرشاد الفحول"؛ للشوكاني، ص 252.
قال ابن تيميَّة رحمه الله: (معلومٌ أنَّ تعلُّمَ العربية وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، وكان السلف يؤدِّبون أولادَهم على اللحن، فنحن مأمورون - أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ - أن نحفَظ القانون العربي، ونُصلِح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهْم الكتاب والسُّنَّة، والاقتِداء بالعرب في خِطابها، فلو تُرِك الناس على لحنهم كان نقصًا وعيبًا)؛ "الفتاوى" 32/ 252.
وقال الشافعي: (يجب على كلِّ مسلم أن يتعلَّم مِن لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه).
وذلك لأنَّ معرفة الدِّين فرض واجب، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، والإسلام لا يُفهم إلا بفهْم العربية.
اللغة العربية شعار الإسلام والمسلمين:
اللغة هي تعبيرٌ عن كيان وروح، والعربية هي تعبيرٌ عن كيان وروح ودين؛ لذلك كَرِهَ العلماء الرطانة بغير العربية دون حاجة؛ بل قال مالك: (مَن تكلَّم في مسجدنا بغير العربيَّة فأَخرِجوه منه).
وقال ابن تيميَّة رحمه الله: (فإنَّ اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميَّزون)؛ "اقتضاء الصراط المستقيم" ص 203.
وقال أيضًا: (وما زال السلف يكرَهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات، وهو التكلُّم بغير العربية إلَّا لحاجة، كما نصَّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد؛ بل قال مالك: مَنْ تكلَّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه، مع أنَّ سائرَ الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوَّغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام)؛ "الفتاوى" 32/ 255.
واللغة العربيَّة من الإسلام؛ لذا وجَب التمسُّك بها، والحذر من البُعد عنها؛ لأنَّ هذا من البُعد عن سبيل المؤمنين، وقد حذَّر الله تعالى من هذا المسلك؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85].
اللغة العربية مظهرُ عِزٍّ وفخار للمتمسِّك بها:
وهكذا كلُّ قومٍ يعتزُّون بلُغتهم، ولا يقبَلون عنها بديلًا؛ لذا نجد قادَةَ الدُّوَل الكبرى لا يتحدَّثون بغير لغاتهم في أيِّ مكانٍ كانوا، أمَّا قادتنا فهم لا يتحدَّثون بعربيَّتهم وإن كانوا في بلادهم، وهذا مِنْ إهانة اللغة وتحقير شأنها.
قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: (ما ذلَّت لغةُ شعبٍ إلَّا ذلَّ، ولا انحطَّت إلَّا كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبيُّ المستعمِر لغتَه فرضًا على الأمَّة المستعمَرَة، ويركبهم بها، ويُشعِرهم عظمته فيها، ويستَلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أمَّا الأول فحَبْس لغتهم في لغته سجنًا مؤبَّدًا، وأمَّا الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونِسيانًا، وأمَّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم مِن بعدها لأمْره تَبَعٌ)؛ "وحي القلم" 3/ 33 - 34.

تعليق