#شيء من اللغة: كمامة أم لثام؟
د. هادي حسن حمودي
أرسل الباحث الأستاذ صبيح دهشان مؤسس مركز (ض) لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في مصر. سطورا رقيقة جاء في آخرها:
(...... أرجو من سعادتكم التكرم ببيان صحة استخدام كلمة كِمامة على كل ما يغطي الفم والأنف، في حين كانت تستعمل قديما للحيوان، أما الإنسان فكانوا يطلقون على ما يغطي الفم والأنف باللثام . وهل ضبط كلمة كِمامة هو الأفصح، أم كَمَّامة؟ على وزن اسم الآلة فَعَّالة.(
** جوابي، باختصار:
مع الشكر للأستاذ الباحث صبيح دهشان، واستجابة لطلبه، أعرض هنا للكلمتين. وأشير قبل ذلك إلى أن (الكمامة) بأي ضبط كان، لم تٌذكر في المعجمات الأولى كالعين للخليل ومجمل اللغة ومقاييس اللغة لابن فارس ومختصر العين للإسكافي. (ملاحظة: أثبتها محققا (إصلاح المنطق) لابن السكيت (تـ 244 هـ) بدل الكِعامة وبعير مكعوم)! ثم وردت في معجمات لاحقة.
الجذر (ك م م) يدلّ على التغطية، ومنه: كَمَمْتُ الشهادةَ إذا أخفيتها، وكأنك غطيتها حتى لا يعرفها أحد. ومنه (الكِمّة) و(الكُمّة) بكسر الكاف في الأولى وضمّها في الثانية (ملاحظة: رواية الضم ذكرها الأستاذ صالح الفارسي (من عمان) في صفحته وفي بعض كتبه) مع تشديد الميم، فيهما: تدلّ على غطاء للرأس ذي صفات معينة. ويرجع تاريخ استعمالها إلى عهود قديمة من الزمن. ويبدو أن العُمانيين أول من استعملها وأطلقوا عليها هذه التسمية ونقلوها إلى الأقوام الأخرى في أفريقيا وآسيا وجنوب شرق أسيا في رحلاتهم التجارية. (أرفقنا صورة منها).
وإذا كانت العِمّة ذات دلالتين: العمامة، وحُسْن التعمُّم، فكذلك الكِمّة دلّت على المعنيين معا. ومن غرائب المعجمات تفسيرها بالقلنسوة والقحفيّة. وكأنّ كلمة الكِمّة عسيرة على التوضيح ففسرتها هاتان الكلمتان (!!).
ولم تُطلق الكِمّة على ما يغطّي الفم والأنف، بل اشتقت منها الكِمامة. وهي بكسر الكاف وفك تضعيف الميم وزيادة صوت الألف بين الميمين، تماما مثل العِمّة والعِمامة.
ومن الكُمّة، بضم الكاف، جاءت الكُمامة.
وسواء كانت بضم الكاف أم بكسرها فالكمامة تمنع غبار الصحراء من التسلل إلى الفم والأنف. استعملها الناس لأنفسهم ولحيواناتهم ومزارعهم عند الضرورة.
أمّا (كَمّامة) فكأنها من (كمّم) الرباعي المتفرع من الثلاثي (كَمّ). وما دامت دالة على المعنى وليست خارجة عن الأصول اللغوية، فلا ضير من استعمالها في الموارد الملائمة لها.
** اللثام: من الجذر (لثم) الدال على الانشداد بقوة. ومنه اللثام وهو ردّ غطاء الرأس من الرجل والمرأة على الأنف والفم بقوة (صورة مرفقة). وذكر المعجميون لثَم فلانٌ فلانة، أي: قبّلها. ولا أرى المعنيين متطابقين. فاللثم أعمق من التقبيل. فقد يقبّل الصديق صديقه حين الالتقاء، علامة الترحيب، أو للملاينة والمجاملة أو مراعاةً للعادة الجارية. أما اللثم فأعمق من ذلك بما يلائم دلالة الجذر على الانشداد بقوة، حتى أن ابن الرومي (القرن الثالث للهجرة) أوصل اللّثم في قصيدته النونية المشهورة إلى امتزاح الأرواح.
ويبدو لي أنّ اللثامَ أكثر انشدادا إلى الوجه والفم والأنف وأكثر انطباقا عليها من الكمامة. فهي كمامة حتى لو لم تكن ملتصقة تماما بالفم والأنف. وليس كذلك اللثام. ومن أدلة هذا قولهم: لثم البعيرُ الحجارة بخُفّه أي: كسرها. ولثمت الحجارةُ خُفّ البعير: أدمته. ففي (اللثم) من العمق والتعمق والانشداد والقوة ما ليس في التقبيل.
وفيه من الانشداد والانطباق ما ليس في الكمامة.
ولكم الاختيار.. ونجاكم الله وإيانا، من جوائح هذا الزمن وجائحاته.
د. هادي حسن حمودي
أرسل الباحث الأستاذ صبيح دهشان مؤسس مركز (ض) لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في مصر. سطورا رقيقة جاء في آخرها:
(...... أرجو من سعادتكم التكرم ببيان صحة استخدام كلمة كِمامة على كل ما يغطي الفم والأنف، في حين كانت تستعمل قديما للحيوان، أما الإنسان فكانوا يطلقون على ما يغطي الفم والأنف باللثام . وهل ضبط كلمة كِمامة هو الأفصح، أم كَمَّامة؟ على وزن اسم الآلة فَعَّالة.(
** جوابي، باختصار:
مع الشكر للأستاذ الباحث صبيح دهشان، واستجابة لطلبه، أعرض هنا للكلمتين. وأشير قبل ذلك إلى أن (الكمامة) بأي ضبط كان، لم تٌذكر في المعجمات الأولى كالعين للخليل ومجمل اللغة ومقاييس اللغة لابن فارس ومختصر العين للإسكافي. (ملاحظة: أثبتها محققا (إصلاح المنطق) لابن السكيت (تـ 244 هـ) بدل الكِعامة وبعير مكعوم)! ثم وردت في معجمات لاحقة.
الجذر (ك م م) يدلّ على التغطية، ومنه: كَمَمْتُ الشهادةَ إذا أخفيتها، وكأنك غطيتها حتى لا يعرفها أحد. ومنه (الكِمّة) و(الكُمّة) بكسر الكاف في الأولى وضمّها في الثانية (ملاحظة: رواية الضم ذكرها الأستاذ صالح الفارسي (من عمان) في صفحته وفي بعض كتبه) مع تشديد الميم، فيهما: تدلّ على غطاء للرأس ذي صفات معينة. ويرجع تاريخ استعمالها إلى عهود قديمة من الزمن. ويبدو أن العُمانيين أول من استعملها وأطلقوا عليها هذه التسمية ونقلوها إلى الأقوام الأخرى في أفريقيا وآسيا وجنوب شرق أسيا في رحلاتهم التجارية. (أرفقنا صورة منها).
وإذا كانت العِمّة ذات دلالتين: العمامة، وحُسْن التعمُّم، فكذلك الكِمّة دلّت على المعنيين معا. ومن غرائب المعجمات تفسيرها بالقلنسوة والقحفيّة. وكأنّ كلمة الكِمّة عسيرة على التوضيح ففسرتها هاتان الكلمتان (!!).
ولم تُطلق الكِمّة على ما يغطّي الفم والأنف، بل اشتقت منها الكِمامة. وهي بكسر الكاف وفك تضعيف الميم وزيادة صوت الألف بين الميمين، تماما مثل العِمّة والعِمامة.
ومن الكُمّة، بضم الكاف، جاءت الكُمامة.
وسواء كانت بضم الكاف أم بكسرها فالكمامة تمنع غبار الصحراء من التسلل إلى الفم والأنف. استعملها الناس لأنفسهم ولحيواناتهم ومزارعهم عند الضرورة.
أمّا (كَمّامة) فكأنها من (كمّم) الرباعي المتفرع من الثلاثي (كَمّ). وما دامت دالة على المعنى وليست خارجة عن الأصول اللغوية، فلا ضير من استعمالها في الموارد الملائمة لها.
** اللثام: من الجذر (لثم) الدال على الانشداد بقوة. ومنه اللثام وهو ردّ غطاء الرأس من الرجل والمرأة على الأنف والفم بقوة (صورة مرفقة). وذكر المعجميون لثَم فلانٌ فلانة، أي: قبّلها. ولا أرى المعنيين متطابقين. فاللثم أعمق من التقبيل. فقد يقبّل الصديق صديقه حين الالتقاء، علامة الترحيب، أو للملاينة والمجاملة أو مراعاةً للعادة الجارية. أما اللثم فأعمق من ذلك بما يلائم دلالة الجذر على الانشداد بقوة، حتى أن ابن الرومي (القرن الثالث للهجرة) أوصل اللّثم في قصيدته النونية المشهورة إلى امتزاح الأرواح.
ويبدو لي أنّ اللثامَ أكثر انشدادا إلى الوجه والفم والأنف وأكثر انطباقا عليها من الكمامة. فهي كمامة حتى لو لم تكن ملتصقة تماما بالفم والأنف. وليس كذلك اللثام. ومن أدلة هذا قولهم: لثم البعيرُ الحجارة بخُفّه أي: كسرها. ولثمت الحجارةُ خُفّ البعير: أدمته. ففي (اللثم) من العمق والتعمق والانشداد والقوة ما ليس في التقبيل.
وفيه من الانشداد والانطباق ما ليس في الكمامة.
ولكم الاختيار.. ونجاكم الله وإيانا، من جوائح هذا الزمن وجائحاته.
المصدر
