#شيء من اللغة: المأوى والمثوى

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    #شيء من اللغة: المأوى والمثوى

    #شيء من اللغة: المأوى والمثوى
    د. هادي حسن حمودي




    أرسل لي صديق عزيز رسالة عبّر بها عن قلقه من نص قرأه، فكان لا بد من الإسراع في إجابته لإزالة ذلك القلق. قال: إنه قرأ تنبيها جاء فيه: (حين يموت أحد يقول البعض (؟): رحمه الله وجعل الجنة مثواه. وهذه الكلمة (أي المثوى) خاصة بأهل النار (ثم نقل آيات رآها دالة على ذلك، وأضاف): أما (انتقل الى مثواه الأخير) فهو كفر أو كفر لفظي على الأقل لأن القبر ليس هو المثوى الأخير ... وأن هذه الكلمة كفر وإلحاد ثم تقلّدت من المسلمين في غفلة شديدة غريبة..).
    وطلب الصديق العزيز رأيا.
    ** جوابي:
    أحمدُ للصديق العزيز أنه لم يذكر في رسالته اسما. فعلى الرغم من أننا حين ننقد نصا لا ننقد شخصا، فإن بعض الناس يعتبر ذاك النقد انتقاصا منه وإساءة له ولمَنْ يأخذ عنهم، سواء كانوا من القدماء أم من المعاصرين. خاصة مع الخطأ الذي وقع به المنبّه بإدخال الألف واللام على (بعض) وقوله (ثم تقلدّت من المسلمين).
    إن تكفير من قال (مثواه الأخير) أو تخطئة (الجنة مثواه)، فيهما جرأة غير محمودة، ولا ترضاها كلمة المثوى، ذاتها، لأنها لا تتحمل ما رآه من معانٍ. وتفضل معي:
    الجذر (ث و ى) دالّ على الإقامة، ومنه تطورت المعاني الأخرى. وسيعرف هذا المعنى كل من شدا شيئا من الشعر، عرف رائعة الحارث بن حلزّة اليشكري:
    آذَنَـتْـنا بِـبَـيْـنِها أسماءُ
    رُبّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ
    فقد أنبأتهم أسماء أنها ستفارقهم لأن طول الإقامة معهم ربّما يسبب لهم الملل منها. ولو كان الثواء في سوء من الحال لرحب ببينها، ولَما ذكره.
    والمَثوى: المنزل، ومحلّ الإقامة. وأثْوَيْتُ: أقمتُ. وإذا أكرهت غيرك على الإقامة في مكان ما، قلتَ: أثْوَيْتُهُ. واستُعير المثوى للقبر فكأن الميت مقيم فيه. وجاء المثوى في التنزيل العزيز لبيان أن النار ستكون محل إقامة لمن يستحقها، كما في الآية: (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ). وليس معنى ذلك أنك لا تستطيع استعمالها في سياقات أخرى. ذلك أنّ لفظة (مثوى) دالة على الإقامة في أيّ مكان، كانت. وليست محددة بجهنم أو نار السعير. وإلا، كيف نفهم الآية (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)؟ فالمثوى هنا وُصِفَ بالحُسن. فهي، إذن، كأية لفظة أخرى تتلوّن دلالتها بألوان السياق لأنها جزء منه. ولا بأس في أن نذكّر بالكتاب النبويّ إلى أهل نجران: (وعلى أهل نجران مَثْوَى رُسُلي) أي مسكنهم مدة إقامتهم هناك.
    ومثوى مثل لفظة (مأوى) كما في: (مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) وفي: (فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا). فهل يمكن لأحد أن يستنتج من هذا أن كلمة مأوى لا تأتي إلا مع جهنم؟ فإذا كانت كذلك فكيف نفهم: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ /فَآوَاكُمْ/ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ)؟ وقوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) أي هيّأ لك المأوى؟
    وقد تسأل: إذن، لماذا لم يذكر القرآن لفظ (المثوى) في سياق حديثه عن الجنة بل ذكرها في سياق حديثه عن جهنم فقط؟
    ** الجواب: لذلك أسباب عديدة ولكل سبب دليل. وقولي يرتكز على المعنى اللغوي للفظة وعلى الحقل الدلالي الذي وردت فيه. فأقول: إن كلمة (مثوى) لا تدلّ على حيوية وانشراح، لذا أطلقت على الموت، كما في قول الشاعر:
    فمن للقوافي شانَها من يحوكها
    إذا ما ثوى كعبٌ وفوَّز جرولُ؟ (هما شاعران)
    ومثله قول الأخر راثيا:
    فإنْ ثوى.. ثوى الندى في لحدِهِ
    والجنة فيها حياة وانشراح. فإن جاء (مثواهم الجنّة) وقع تناقض بين أوصاف الجنة وركود الثواء.
    أما (مثواه الأخير) فالمقصود مرقده الأخير في هذه الدنيا، من غير إنكار للقيامة. فلكلّ امرئ في الدنيا مثوى، أي بيت، أو محلّ إقامة، يخرج منه ويعود إليه. أمّا حين يموت فقبره مثواه الأخير من دنياه، فلا إلى الدنيا يخرج منه ولا إليه منها يعود.
    ومن جهة أخرى، يجب الانتباه إلى الفرق بين الأخير والآخِر بكسر الخاء. فاللغة العربية ابتكرت للفرق بينهما تعبير (أخيرا وليس آخِرا). والفرق بين الأخير والآخِر واضح لمن يعرف شيئا من هذه اللغة، وأساليب التعبير بها.
    فلا كفر ولا إلحاد ولا خطأ في التعبيرين.. فاطمئن أخي العزيز.

    المصدر
يعمل...