#شيء من اللغة: تأصيل اسم يوسف
د. هادي حسن حمّودي
حاورني الأستاذ نائل أبو عاصم في تسمية يوسف، وخلاصة ما تفضل بكتابته:
(سؤال بعد تفضلك : هل يمكن القول بإن كلمة يوسف والتي جذرها الثلاثي وسف بإن الواو في وسف منقلبة عن أسف ؟ وأكون ممتنا أن بدت لك فكرة الإبدال بين وسف وأسف فوسف الزيادة بينما أسف الحزن كما تقول بعض المعاجم ولماذا أبدلت أسف ب وسف أن كان هنالك وجه لهذا الإبدال. دمتم بعز ومحبة)
مع الشكر للأستاذ نائل أبي عاصم، نواصل الحوار:
ثقافات متعددة نسبت لنفسها ما لغيرها من منجزات التاريخ الحضارية. ما عدا العرب فقد نسبوا لغيرهم ما هو حق لهم. ولنحدد الكلام في المستوى اللغوي.
منذ أن ظهرت نظرية الفصائل اللغوية، معتمدة ما ذكرته التوراة عن أولاد نوح الثلاثة: سام، وحام، ويافث، وتحديد الفصيلة السامية، سارع الباحثون العرب جميعا لتبني هذه النظرية، ولم يسأل أحد منهم: إذا كانت الفصيلة السامية تعود إلى سام بن نوح، وبقية الفصائل اللغوية إلى أخويه، فما كانت لغة نوح نفسه؟ وكم عدد أولاده؟ وأين ذهبوا؟ وما كانت لغتهم؟
لقد كانت تلك خطوة نحو اعتبار العبرية اللغة الأم للغات العالم. وحينما أخذت الدلائل ترجح العربية لذلك الدور، أخرج القوم نشأة اللغة من ميدان علم اللغة باعتبارها قائمة على فرضيات لم تثبت. وسارع الباحثون العرب لتبني هذه المقولة أيضا. وكلما ظهرت نظريات في المسار ذاته سارعوا إليها.
أكتفي بهذا لأني سبق أن بحثت الموضوع من مختلف أطرافه، لا تعصبا للغة أو لاندفاعة قومية، بل لحقائق علم اللغة والآثار والحِجَاج المنطقي، ثم لأني أريد من هذه السطور الدخول إلى تأصيل لفظة يوسف، هل هي عربية أم معربة؟ ولا يتسع المجال، هنا، لغير هذا.
علماؤنا القدماء وضعوا ضوابط بنوها على ما وصل إليهم من اللغة العربية، وهو أقل من القليل، وأضأل من الضئيل، بشهادتهم أنفسهم. ثم تحولت تلك الضوابط مع الزمن إلى اقفاص وصناديق مقفلة. فكل لفظ رفض الدخول إلى قفص من تلك الأقفاص أو صندوق من تلك الصناديق، اعتبروه أعجميا، أو معرّبا، مهما توفرت الأدلة والبراهين على أصله العربي.
أسماء الأنبياء كلها عربية، ولها جذورها اللغوية، ما بين أسماء، وصفات حولت إلى أسماء. ومن هذه الأسماء يوسف.
هذه الكلمة من الجذر وسف الدالّ على الخير العميم، ومن مظاهر هذا الخير العميم سمن البعير واكتنازه مما يؤدي إلى تشقق جلده (العين 6/286 ط، مسقط) ثم خلف من بعده خلف أضاعوا معنى السمن والبضاضة والاكتناز وأبقوا معنى التشقق وأعادوه إلى الجرب. وجمع ابن منظور بينهما.
أما العبرانيون الذين اختلقوا لهم عبرية جديدة بعد أن ماتت القديمة، فقالوا: إن أصله (يوه – سف) ثم غيروه إلى (يهوه – سف) وجعلوا معناه (الله يزيد) فأين هذا المعنى من ذاك الذي جاء في اللغة العربية، ارتباطا بالجذر تأصيلا وتأثيلا ودلالة؟
وعلى الرغم من كل هذا سارع باحثون عرب وأساتذة جامعات عربية إلى القول بأنه عبريّ. وسبقهم إلى ذلك مفسرون، كالزمخشري (تـ 538 هـ) الذي رفض عربية الكلمة وحكم بعُجمتها.
ونُسِب للفراء (تـ 207 أو 215 هـ) أنه أجاز لفظ يوسف بضم السين وكسرها وفتحها، فلما وصل إلى الفتح (يُوْسَف) أجاز (يُؤْسَف) ولا أرى وجها لكل ذلك. ولا همز باللفظ، فمثله مثل قولنا: وكل، و/أكل. من الأولى تقول: وكلت أمري إلى الله. أما الأكل فمعروف. فكذلك وَسَف، و/ أسِف.
أكرر الشكر للأستاذ نائل أبي عاصم لإثارة هذا الموضوع. ولكم جميعا المحبّة.
د. هادي حسن حمّودي
حاورني الأستاذ نائل أبو عاصم في تسمية يوسف، وخلاصة ما تفضل بكتابته:
(سؤال بعد تفضلك : هل يمكن القول بإن كلمة يوسف والتي جذرها الثلاثي وسف بإن الواو في وسف منقلبة عن أسف ؟ وأكون ممتنا أن بدت لك فكرة الإبدال بين وسف وأسف فوسف الزيادة بينما أسف الحزن كما تقول بعض المعاجم ولماذا أبدلت أسف ب وسف أن كان هنالك وجه لهذا الإبدال. دمتم بعز ومحبة)
مع الشكر للأستاذ نائل أبي عاصم، نواصل الحوار:
ثقافات متعددة نسبت لنفسها ما لغيرها من منجزات التاريخ الحضارية. ما عدا العرب فقد نسبوا لغيرهم ما هو حق لهم. ولنحدد الكلام في المستوى اللغوي.
منذ أن ظهرت نظرية الفصائل اللغوية، معتمدة ما ذكرته التوراة عن أولاد نوح الثلاثة: سام، وحام، ويافث، وتحديد الفصيلة السامية، سارع الباحثون العرب جميعا لتبني هذه النظرية، ولم يسأل أحد منهم: إذا كانت الفصيلة السامية تعود إلى سام بن نوح، وبقية الفصائل اللغوية إلى أخويه، فما كانت لغة نوح نفسه؟ وكم عدد أولاده؟ وأين ذهبوا؟ وما كانت لغتهم؟
لقد كانت تلك خطوة نحو اعتبار العبرية اللغة الأم للغات العالم. وحينما أخذت الدلائل ترجح العربية لذلك الدور، أخرج القوم نشأة اللغة من ميدان علم اللغة باعتبارها قائمة على فرضيات لم تثبت. وسارع الباحثون العرب لتبني هذه المقولة أيضا. وكلما ظهرت نظريات في المسار ذاته سارعوا إليها.
أكتفي بهذا لأني سبق أن بحثت الموضوع من مختلف أطرافه، لا تعصبا للغة أو لاندفاعة قومية، بل لحقائق علم اللغة والآثار والحِجَاج المنطقي، ثم لأني أريد من هذه السطور الدخول إلى تأصيل لفظة يوسف، هل هي عربية أم معربة؟ ولا يتسع المجال، هنا، لغير هذا.
علماؤنا القدماء وضعوا ضوابط بنوها على ما وصل إليهم من اللغة العربية، وهو أقل من القليل، وأضأل من الضئيل، بشهادتهم أنفسهم. ثم تحولت تلك الضوابط مع الزمن إلى اقفاص وصناديق مقفلة. فكل لفظ رفض الدخول إلى قفص من تلك الأقفاص أو صندوق من تلك الصناديق، اعتبروه أعجميا، أو معرّبا، مهما توفرت الأدلة والبراهين على أصله العربي.
أسماء الأنبياء كلها عربية، ولها جذورها اللغوية، ما بين أسماء، وصفات حولت إلى أسماء. ومن هذه الأسماء يوسف.
هذه الكلمة من الجذر وسف الدالّ على الخير العميم، ومن مظاهر هذا الخير العميم سمن البعير واكتنازه مما يؤدي إلى تشقق جلده (العين 6/286 ط، مسقط) ثم خلف من بعده خلف أضاعوا معنى السمن والبضاضة والاكتناز وأبقوا معنى التشقق وأعادوه إلى الجرب. وجمع ابن منظور بينهما.
أما العبرانيون الذين اختلقوا لهم عبرية جديدة بعد أن ماتت القديمة، فقالوا: إن أصله (يوه – سف) ثم غيروه إلى (يهوه – سف) وجعلوا معناه (الله يزيد) فأين هذا المعنى من ذاك الذي جاء في اللغة العربية، ارتباطا بالجذر تأصيلا وتأثيلا ودلالة؟
وعلى الرغم من كل هذا سارع باحثون عرب وأساتذة جامعات عربية إلى القول بأنه عبريّ. وسبقهم إلى ذلك مفسرون، كالزمخشري (تـ 538 هـ) الذي رفض عربية الكلمة وحكم بعُجمتها.
ونُسِب للفراء (تـ 207 أو 215 هـ) أنه أجاز لفظ يوسف بضم السين وكسرها وفتحها، فلما وصل إلى الفتح (يُوْسَف) أجاز (يُؤْسَف) ولا أرى وجها لكل ذلك. ولا همز باللفظ، فمثله مثل قولنا: وكل، و/أكل. من الأولى تقول: وكلت أمري إلى الله. أما الأكل فمعروف. فكذلك وَسَف، و/ أسِف.
أكرر الشكر للأستاذ نائل أبي عاصم لإثارة هذا الموضوع. ولكم جميعا المحبّة.
المصدر
