#شيء من اللغة: خرافة (أعجميات) القرآن

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    #شيء من اللغة: خرافة (أعجميات) القرآن

    #شيء من اللغة: خرافة (أعجميات) القرآن
    د. هادي حسن حمّودي




    يصفون كلمات قرآنية بأنها أعجمية، وحين تطالبهم بدليل، لا تسمع جوابا. فإن قلت لهم إن هذه الكلمات المذكورة في التنزيل العزيز سبق أن وردت في الشعر الجاهلي ولغة العرب قبل القرآن، قالوا: أخذوها من الأعاجم بفعل المخالطة. فإذا قلت لهم: ولم لا تقولون إنها من ميراثهم اللغوي العربي مثل سائر ألفاظ أشعارهم؟ سكتوا فلا تسمع لهم ركزا.
    سأتناول الآن، بإيجاز مختصر، كلمة واحدة، والباقيات في الطبعة الورقية والإلكترونية، بإذن الله. ولتكن كلمة (إستبرق) الدالة على ثياب ذات لمعان اختلف اللغويون في نوعها. وقد وضعت في الجذر اللغوي (برق).
    وهذا الجذر اللغوي عربي صحيح فصيح. دالّ على اللمعان واختلاف الألوان البراقة سواء كانت في أرض أم ثياب أم غيرهما. كالبرق الذي نراه في السحاب. غير أن القدماء قالوا إن (برق) مأخوذ من (بَرَهَ) الفارسية. وكأن العرب طيلة تاريخهم لم يروا البرق في السماء، أو رأوه ولم يكونوا يعرفون له اسما حتى اختلط بعضهم بالأعاجم فسمعوا (برهَ) الفارسية فنقلوها إلى برق. (فتأمل يرحمك الله ويرحمنا).
    ومنه: أسنان برّاقة كأن الضياء ينعكس عنها. ووصف سويد بن أبي كاهل اليشكري بريق أسنان من اسمها رابعة، فقال:
    بسطتْ رابعةُ الحبل لنا
    فوصلنا الحبل منها ما اتّسعْ
    حُرّة تجلو شتيتا واضحا
    كشعاع الشمس في الغيم سَطَعْ
    صقلته بقضيب ناضر
    من أراكٍ طيّبٍ حتى نَصَعْ
    ووُصفت به الحبال والجبال: فالحبل الأبرق: الذي أُبرمَ بقوّة سوداء وقوّة بيضاء، ومن الجبال: ما فيه جُدَدٌ بيضٌ وجُدَدٌ سُود.
    والبَرْق الذي يلمع في السحاب. فإذا مرت بك سحابة ذات برق فلك أن تقول: سحابة بَرّاقة وبارقةٌ. وبرق الرجل وأبرق تهدّد وتوعّد. ورفض الأصمعيّ أرعَدَ وأبرَق، بالرغم من تصحيح اللغويين للكلمتين، وورودهما في شعر العرب. ومن ذلك قول ابن أحمر الباهلي:
    يا جَلّ ما بعدت عليك بلادُنا
    وطِلابُنا فابْرِقْ بأرضكَ وارْعُدِ
    وقول الكميت الأسدي:
    أبْرِقْ وأرعِدْ يا يزيدُ فما وعيدُكَ لي بضائرْ
    كما وردا في شعر ذي الرمة التميمي. لكن الأصمعي لم يكن يعتبرهم حجة. وهذا من عجيب المواقف فابن أحمر نشأ في بادية نجد وذو الرمة نشأ في تميم. أما عن الكميت نشأ في بني أسد فقد وصفه بالجرمقاني، أي الأعجمي أو النبطي. ولم يلتفت الأصمعي إلى أنه هو ذاته استعمل لفظة (جرمقاني) وهي ليست مما تعارفت عليه العربية، لينكر صحة (أبرق وأرعد) العربيتين الصحيحتين.
    وأبرقت المرأة بوجهها، وسائر جسمها، وبَرَقت، وبرّقت: إذا تحسّنت وتعرّضت. وإذا أراد رجل الافتخار بما لم يفعل فكأنه أراد (تلميع) صورته فهو يطلب اللمعان، فما أسهل أن يوصف بأنه (يستبرق) أي يطلب اللمعان، من استبرق بتخفيف الهمزة، مثل استفهم يستفهم حين يطلب الفهم، واستغنى يستغني حين يكتفي بما عنده، واستحمق ادعى الحماقة، واستحمق غيره، اعتبره أحمق. فإن حققت الهمزة (إ..) خصصت الكلمة بالثياب والبطائن المذكورة.
    وورد عديد من مشتقات الجذر في التنزيل الحكيم (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) و(يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالابْصَارِ). وذكر كلمة الإستبرق دالة على ثياب ذات بريق أربع مرات، كما في (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) و(مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ).
    ويبدو أن الادعاء بعُجمة الإستبرق أثر في قصر كلمة (الاستبرق) سواء بتخفيف الهمزة أم تحقيقها على هذا المعنى. فصار اشتقاق (استبرق الرجل واستبرقت المرأة) غريبا على الأسماع. ولكن، مع التعود على سماعها تزول غرابتها. كما زالت عن استبرك، واستحوذ وغيرهما.

    المصدر
يعمل...