اندثار الفصحى
يزعم بعضهم اندثار الفصحى في كلامنا، وأنها غدت كأمس الدابر، وكأنّنا لا نستعملها ألبتة في قول أو كتابة، ولا نستطيع إلى ذلك سبيلا، وكأنّنا لا نقرأُ ولا نفهم نصوصَها ولا نفقهُ حديثا بها، وكأنّ بلادَ العرب لا يُنشِد فيها شاعر ولا يَنبِس ببِنْت شفةٍ ناثر، وكأنّ الصحفَ والمجلاتِ والكتبَ والرواياتِ والقصص والمقالات وما يصاغ من أخبار مما يقرأه الآلاف والملايين إنما تُكتَبُ بغير العربية، عدا القنوات والإذاعات الناطقة بالعربية التي تملأ أسماعنا آناء الليل والنهار ضجيجا وعجيجًا عن أمور شتّى باللغة العربية الفصحى منها غالبًا.
وماذا عن وسائل التواصل الجديدة من تغريدات وفيسبيّات (لم تترجم بعد بطريقة مناسبة) ودردشات؟ أهي بغير لغة العرب ما أبان منها وأفصح وحقّق التواصل؟ إنها بلسان عربي مبين، وإن استبدّت بها عند بعضهم العاميّات التي تظهر وثيقة الصلة بالفصحى، بل إنّ جُلّ عاميات الشعوب العربية إن لم تكن كلّها حَميميّة الصلة بمستوى اللغة الأدبية.
وهكذا يَستبين لذي عينين وأذنين وقلب وعقل أن اندثار الفصحى في كلامنا دعوى غيرُ صحيحة بهذا الشكل الحاسم الذي توحي به كلمة (اندثار)، بل إنّ الفصحى في هذا العصر تعيش أوج ازدهارها بسبب انتشار التعليم، ونصوصُها في كل مكان من وسائل الإعلام وغيرها، ولو عددنا من يتكلم بالعربية فصحى وعامية لفاقوا عديدَ الطَيْسِ، فهم بالملايين، وهو عدد لم يمرّ على العرب مثله، ولو كان المتحدثون بالفصحى بنسبة واحد في كل مئة لكانوا مليونين أو أكثر، ويبقى هذا العدد عددا كبيرا يزيد عن عدد العرب في جميع عصور جاهليتها وصدر إسلامها.
وازدهار الفصحى في هذا العصر ليس ادعاء مني بل هو الواقع، شواهده لا تحصى، وقد أشار إليه د شوقي ضيف رحمه الله، وهو من هو مُسهما في إثراء لغتنا بكتاباته الكثيرة والمنوّعة والقيّمة، ولكلامه قيمة ووزن، ولا ينبئك مثل خبير، كما أنّه فوق هذا كلامٌ متجهٌ بغض النظر عن شموخ هامة قائله، ذلك أنّ الإحاطة بنصوص الفصحى فهما وقراءة واقعةٌ ملحوظة عند كلّ من دخل المدارس وتعلّم حتى ولو لم يتجاوز المرحلة المتوسطة إضافة إلى عناية أبناء العربية بالقرآن حفظًا وفهمًا بشكل مدرسي يصلُ إلى أغلب الملتحقين بركب التعليم النظامي، ناهيك عن التعليم المتخصص في القرآن رواية ودراية.
ومع هذا فقد يظهر بوضوح أنّ هناك مشكلةً تتمثل في خلوّ الحديث اليومي من الفصحى إلى حد ما مع استعمال العاميات بكثرة في هذا المستوى من التواصل، وهذا له أسبابه من تطور لغوي مع لجوء إلى ما يسهُل من الكلام المُوصل، إلى زهد في اللغة الفصحى عند فئامٍ من الناس - مع معرفتهم بها وقدرتهم على الحديث بها - بسبب صعوبة علومها ونقد العامة للمتكلمين بها بوصفهم بالتشدّق والتكلّف والتقعر، وهذا الشعور المناوئ للمتشدقين الذين يلوون أشداقهم للتفصّح عُرِفَ من قديم.
هذا، ولربما أثّرت الاتجاهات العنصرية والقبلية والطائفية المفتتة للأمم إلى شظايا مما أدّى إلى أنْ تنكفئَ كُلُّ شظية على لهجتها الخاصة.
وفي رأيي أن السبب الأهم هو ما ورثناه عن عصور الفصاحة من وجود مستويين من الأداء أحدِهما يحافظ على الإعراب، وهو بارز في اللغة الأدبية، وثانٍ يتخلص منه لثِقَلِه في لغة الحديث اليومي، وللاستغناء عنه بموضحات شتّى، وهو بارز في لغات العرب القديمة، وهو مستوى فصيح ظهر أثره في بعض القراءات كقراءة أبي عمرو، وهذا المستوى هو الأساس لأغلب اللهجات الحديثة، وعلى هذا فنحن العربَ اليوم نمضي في سياق قديم يتبنى ثنائيةً لغوية لم تؤدّ إلى اندثار اللغة، ولن تؤدي عَوْضَ العائضين.
ولكنّ كلَّ هذا لا يعني أنّ لغتنا العربية بمستوياتها المتفاوتة ليست معرضة لخطر الاندثار، والأعداء كُثر وأقوياء عتاة، ويقوون كلّ يوم، والأمّة في انحطاط مستمر وتزداد خيبة وخسارا كلّ يوم من أيامنا السود.
ومع هذا فإنّ يوم الاندثار للفصحى أراه بعيدا على الرغم من كل شيء، وكم تكسرت بحمد الله على صخورها أمواجُ الحقد عليها من تَتْرِيك وتعجيم وتبديل وتغيير وتحريف واستئصال.
يزعم بعضهم اندثار الفصحى في كلامنا، وأنها غدت كأمس الدابر، وكأنّنا لا نستعملها ألبتة في قول أو كتابة، ولا نستطيع إلى ذلك سبيلا، وكأنّنا لا نقرأُ ولا نفهم نصوصَها ولا نفقهُ حديثا بها، وكأنّ بلادَ العرب لا يُنشِد فيها شاعر ولا يَنبِس ببِنْت شفةٍ ناثر، وكأنّ الصحفَ والمجلاتِ والكتبَ والرواياتِ والقصص والمقالات وما يصاغ من أخبار مما يقرأه الآلاف والملايين إنما تُكتَبُ بغير العربية، عدا القنوات والإذاعات الناطقة بالعربية التي تملأ أسماعنا آناء الليل والنهار ضجيجا وعجيجًا عن أمور شتّى باللغة العربية الفصحى منها غالبًا.
وماذا عن وسائل التواصل الجديدة من تغريدات وفيسبيّات (لم تترجم بعد بطريقة مناسبة) ودردشات؟ أهي بغير لغة العرب ما أبان منها وأفصح وحقّق التواصل؟ إنها بلسان عربي مبين، وإن استبدّت بها عند بعضهم العاميّات التي تظهر وثيقة الصلة بالفصحى، بل إنّ جُلّ عاميات الشعوب العربية إن لم تكن كلّها حَميميّة الصلة بمستوى اللغة الأدبية.
وهكذا يَستبين لذي عينين وأذنين وقلب وعقل أن اندثار الفصحى في كلامنا دعوى غيرُ صحيحة بهذا الشكل الحاسم الذي توحي به كلمة (اندثار)، بل إنّ الفصحى في هذا العصر تعيش أوج ازدهارها بسبب انتشار التعليم، ونصوصُها في كل مكان من وسائل الإعلام وغيرها، ولو عددنا من يتكلم بالعربية فصحى وعامية لفاقوا عديدَ الطَيْسِ، فهم بالملايين، وهو عدد لم يمرّ على العرب مثله، ولو كان المتحدثون بالفصحى بنسبة واحد في كل مئة لكانوا مليونين أو أكثر، ويبقى هذا العدد عددا كبيرا يزيد عن عدد العرب في جميع عصور جاهليتها وصدر إسلامها.
وازدهار الفصحى في هذا العصر ليس ادعاء مني بل هو الواقع، شواهده لا تحصى، وقد أشار إليه د شوقي ضيف رحمه الله، وهو من هو مُسهما في إثراء لغتنا بكتاباته الكثيرة والمنوّعة والقيّمة، ولكلامه قيمة ووزن، ولا ينبئك مثل خبير، كما أنّه فوق هذا كلامٌ متجهٌ بغض النظر عن شموخ هامة قائله، ذلك أنّ الإحاطة بنصوص الفصحى فهما وقراءة واقعةٌ ملحوظة عند كلّ من دخل المدارس وتعلّم حتى ولو لم يتجاوز المرحلة المتوسطة إضافة إلى عناية أبناء العربية بالقرآن حفظًا وفهمًا بشكل مدرسي يصلُ إلى أغلب الملتحقين بركب التعليم النظامي، ناهيك عن التعليم المتخصص في القرآن رواية ودراية.
ومع هذا فقد يظهر بوضوح أنّ هناك مشكلةً تتمثل في خلوّ الحديث اليومي من الفصحى إلى حد ما مع استعمال العاميات بكثرة في هذا المستوى من التواصل، وهذا له أسبابه من تطور لغوي مع لجوء إلى ما يسهُل من الكلام المُوصل، إلى زهد في اللغة الفصحى عند فئامٍ من الناس - مع معرفتهم بها وقدرتهم على الحديث بها - بسبب صعوبة علومها ونقد العامة للمتكلمين بها بوصفهم بالتشدّق والتكلّف والتقعر، وهذا الشعور المناوئ للمتشدقين الذين يلوون أشداقهم للتفصّح عُرِفَ من قديم.
هذا، ولربما أثّرت الاتجاهات العنصرية والقبلية والطائفية المفتتة للأمم إلى شظايا مما أدّى إلى أنْ تنكفئَ كُلُّ شظية على لهجتها الخاصة.
وفي رأيي أن السبب الأهم هو ما ورثناه عن عصور الفصاحة من وجود مستويين من الأداء أحدِهما يحافظ على الإعراب، وهو بارز في اللغة الأدبية، وثانٍ يتخلص منه لثِقَلِه في لغة الحديث اليومي، وللاستغناء عنه بموضحات شتّى، وهو بارز في لغات العرب القديمة، وهو مستوى فصيح ظهر أثره في بعض القراءات كقراءة أبي عمرو، وهذا المستوى هو الأساس لأغلب اللهجات الحديثة، وعلى هذا فنحن العربَ اليوم نمضي في سياق قديم يتبنى ثنائيةً لغوية لم تؤدّ إلى اندثار اللغة، ولن تؤدي عَوْضَ العائضين.
ولكنّ كلَّ هذا لا يعني أنّ لغتنا العربية بمستوياتها المتفاوتة ليست معرضة لخطر الاندثار، والأعداء كُثر وأقوياء عتاة، ويقوون كلّ يوم، والأمّة في انحطاط مستمر وتزداد خيبة وخسارا كلّ يوم من أيامنا السود.
ومع هذا فإنّ يوم الاندثار للفصحى أراه بعيدا على الرغم من كل شيء، وكم تكسرت بحمد الله على صخورها أمواجُ الحقد عليها من تَتْرِيك وتعجيم وتبديل وتغيير وتحريف واستئصال.

تعليق