الجمال والبيان في عربية القرآن - 2
أ.د. ياسر الملاح
بعد أن تحدثنا عن سورة الفاتحة، وهي البداية الجميلة لكتاب الله مبنى ومعنى تأتي سورة البقرة، وهي من السور التي تمتاز بطولها، فهي أطول سورة في القرآن إذ بلغت آياتها 286 آية، كما أنها أول سورة بعد الفاتحة، ونظرا لهذا الطول سنوزع تناولها على مقاطع وفق المعنى العام الذي يغلب على كل مقطع نتناوله. وبناء على هذا التصور سيكون المقطع الأول في تناولنا لهذه السورة المقطع الذي يمتد في مساحة محدودة قوامها 39 آية. وإن من يتناول نص هذا المقطع بالدراسة والتحليل سيجد عناقا عجيبا فيه بين التاريخ والمجتمع في جغرافية محددة هي مكة والمدينة المنورة. وحركة الحياة التي تجري في هذه البقعة الجغرافية تنبني على صراع ملتهب بين أطراف ثلاثة: المؤمنون وهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومعه أصحابه ممن اتبعه في الدعوة إلى الله، والكافرون الذين وقفوا ضد الدعوة فحاولوا إفشالها وحرضوا الناس على الوقوف في وجهها، ووجه من اتبعها، بأساليب كثيرة تتدرج من الإبعاد والصد والدعاية الباطلة والكذب والتشويش إلى الإيذاء والتعذيب والتجويع والسجن والقتل، ويشمل هذا الفريق مشركي مكة وأهل الكتاب من اليهود. والطرف الثالث الذي نشأ في المدينة المنورة، وهم المنافقون الذين هم فعلا مع الكافرين، ويتقنون اللعب على الحبلين، فيظهرون المودة للمؤمنين، ولكنهم في الحقيقة أعداء لهم مستترون.
ولتجلية الجمال والبيان في عربية القرآن من هذا المقطع، سيكون تناولنا له في أبعاد ثلاثة: هي البعد اللغوي والبعد التركيبي والبعد الدلالي. أما البعد اللغوي الذي سنركز فيه على ألفاظ خاصة بالقرآن وبها تشكلت الصورة النهائية للفظة الإسلامية، فمثل: (الم) هذه الآية التي لم يستطع أحد فهم كنهها، فبقيت سرا من أسرار القرآن المعجزة، وكأن الله، سبحانه، أعطى ما أعطى للإنسان، والشكر الجزيل لله على ما أعطى، ولكنه أبقى شيئا واحدا في هذا العطاء بيده وسرا من أسراره حتى يعلم الإنسان درسا عميقا في حدود علمه، فمهما بلغ الإنسان في علمه فإن هناك أمورا في هذا الكون، على بساطتها، يقف عاجزا أمام تفسيرها ومعرفة كنهها، لأن المعطِي هو الخالق، فهو على كل شيء قدير، والمعطَى، أي الإنسان، هو المخلوق الذي لا بد من وجود ضعف ما في تكوينه، وها هو الضعف يتجلى في عجزه عن تفسير نص أمام بصره وتحت سمعه.
ومن هذه الألفاظ : الكتاب، هدى، المتقين، الغيب، المؤمنون، الكافرون، المنافقون، المفلحون إلى بقية هذا المعجم الذي نظمه القرآن في آياته البينات، فتشكل منها القاموس اللفظي الإسلامي معبرا عن ميلاد حضارة جديدة لها شخصيتها الفكرية المتميزة، ولها رسولها المميز، ولها كتابها المميز، ولها لغتها المميزة، ولها لفظها المميز، فغدت بهذا كله نمطا جديدا من الحضارة التي قوامها الخير والإيمان، ووصلها بقافلة الخير التي سبقت هذه الحضارة منذ آدم، عليه السلام، إلى عصر محمد، صلى الله عليه وسلم.
ونحن لا نريد الخوض في شرح هذه المصطلحات التي أصبحت أمرا معلوما بالضرورة في الحياة العربية والإسلامية بعامة، لأن لهذا الشرح مظانه الخاصة به، من كتب تفسير وقواميس، ويمكن لمن أراد الغوص فيها أن يجدها بيسر. ولكن يكفي التأكيد على أن هذه المصطلحات منها الكثير الذي اتخذ مضامين خاصة بالدعوة الإسلامية الجديدة، مع بقاء المعنى اللغوي الذي كان موجودا قبل مجيء الإسلام، ولذلك كان للإسلام فضل السبق في إبداع هذا المصطلح الذي صكه لموافقة شخصيته الجديدة المعلِنة عن حضارة جديدة هي الحضارة الإسلامية. وكان له فضل السبق كذلك في البعد اللغوي أنه لم ينتظر أن يتفرج حتى يقدم له أحد من الناس آلته المعبرة عن مضامينه، ولكنه أقدم يصوغ ويأخذ من العرب وغير العرب حتى استوت له صورة لغوية معبرة عن الكنه الذي يريد تأصيله بلسان عربي مبين، لا كمن يترك لسانه ليستعير لسانا غريبا للتعبير عما يريد، فيقع في تناقض مريع يضيع به الهُوية والمضمون والشكل، ومما يؤسف له أننا، في هذا الزمان، وقعنا في ما استنكره الإسلام، ونفر منه، على المستوى اللغوي، لأنه لا يدل على شخصية مبدعة أو رائدة في إقامة بنيان حضاري ثابت الأركان.
ومن هذه الثروة اللفظية الموروثة والمبدعة استطاع القرآن أن يشكل تراكيب بديعة التحم فيها الشكل بالمضمون التحاما معجزا لم يستطع أحد من بني البشر أن يأتي بمثله، وكما وقف البشر عاجزين منذهلين أمام آيات هذا الكون البديع، فلم نعرف أحدا حتى هذه الساعة طلع علينا بصناعة شمس أو نجم أو سماء أو هواء أو ليل أو نهار، فكذلك الأمر في القرآن كانت آياته وقفا على من قالها، إلى يومنا هذا، وإلى يوم الدين. والعجيب في هذه التراكيب أنها تتوهج كاللآلئ المنيرة، فبالإضافة إلى ألفاظها المصطفاة بحكمة وإتقان، ففيها تراكيبها التي تسحر من يسمعها، وتؤثر فيه إلى أن تخطف لبه ووجوده، ليصغي ويتفكر في ما يسمعه من كلام ليس ككلام البشر، بل هو نسيج لم يؤلف عن العرب مثله من قبل، كما قال فصحاء العرب وبلغاؤهم.
وإن أعجب ما في القرآن غير هذين البعدين: البعد اللغوي والبعد التركيبي هو البعد الدلالي. فلنتبصر الآن في البعد الدلالي الذي نلمسه في هذا المقطع الذي ندرسه هنا لنرى ما فيه من إبداع وجمال لا مثيل لهما في كلام البشر. فالقرآن يريد صياغة تجربة خلاصتها الصراع بين فريقين من الناس في بقعة جغرافية محدودة لتكون هذه التجربة عبرة للناس ودستورا يستفيدون من دقائقه لتكون حياتهم أفضل في الدنيا والآخرة.
ففي بداية المشهد يعرف القارئ بشخوص حلبة هذا الصراع، وفي أثناء التعريف بهؤلاء الشخوص يرسم الهيئة الخاصة بكل شخص من داخله رسما يوضح للقارئ كنهه وحقيقته، لأن المُعول، في الحياة الإنسانية، في نهاية المطاف، على الجوهر لا على الشكل الذي يتغير، ويصل به الأمر إلى الفناء. وشخوص المشهد في هذا المقطع هم ثلاثة: المتقون والكافرون والمنافقون، فأما المتقون في كتاب الله الذي لا ريب فيه :" الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون". انظر إلى هذا التماسك المدهش بين كل جملة ولاحقتها، قطار من المعاني والدلالات تقود كل واحدة إلى ما يتلوها من جمل، فهذا الكتاب الذي لا ريب فيه هو هدى، أي يفيض بالهدى للمتقين، ومن هم هؤلاء؟ إنهم من لديهم قلوب تخشى وتحذر أن تقع في ضلالة، أو أن تتطلع إلى ضلالة، وروي أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال: بلى! قال: فما عملت؟ قال: شمَّرْت واجتهدت. قال: فذلك التقوى. فالتقوى انتباه دائم وحذر دائم وخشية مستمرة وحساسية في الضمير والشعور وتوَقٍّ لأشواك طريق الحياة من رغائب وشهوات وأطماع ومطامح ومخاوف وهواجس. أما المتقون، بوصف القرآن، فهم من يؤمن بالغيب، ويقيم الصلاة، وينفق مما رزقه الله، ويؤمن بقافلة الإيمان السابقة من الرسل وتابعيهم، وأخيرا فهو الذي يوقن بالآخرة.
أما الإيمان بالغيب فهو ذو قيمة أساسية في حياة الفرد بخاصة، وفي حياة البشرية بعامة، لأن البشرية عندما تدرك الذات الإلهية التي تقف وراء هذا الكون تنتقل من مرتبة الحيوان إلى مرتبة الإنسان، وتنتقل من الرؤية الحسية المادية إلى الرؤية النافذة الكاشفة لحقيقة هذا الوجود، وتصان الطاقة الفكرية التي وهبها الله للإنسان من الانشغال فيما لا طائل تحته إلى الانشغال في عمارة الكون... يعمل وينتج... ويتقصى وينظر... وينمي الحياة ويجملها... وتسنده طاقته الروحية المتصلة بخالق الوجود، لأنه خليفة الله في الأرض كما أراده خالقه. فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بعقل محدود فهي محاولة غير ناجحة، ومحاولة فيها من العبث ما فيها، لأنه يستخدم عقلا محدودا لم يخلق لهذا الأمر. وعلى الإنسان أن يسلم بأن إدراكه للمطلق غير ممكن، وأن عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن عليه أن يتلقى العلم في هذا الشأن من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن والغيب والشهادة، وهذا الاحترام لقدرة العقل، وحدود هذه القدرة، لا يتحلى به إلا المؤمنون، وهي الصفة الأولى للمتقين.
لقد كان إيمان الإنسان بالغيب الفيصل في ارتقائه عن عالم البهائم، غير أن هناك فريقا من الناس في زماننا هذا يتسمون بالماديين، وهم كذلك في أزمنة سابقة، يريدون أن يعودوا بالإنسانية إلى عالم البهائم الذي لا يُعقل فيه إلا المحسوس، والغريب أنهم يُسمون البهيمية تقدمية، ويصمون الإيمان بالغيب بالرجعية، وإن هذا اللعب بأقدار الناس وعقول الشباب نكسة مدمرة حفظ الله المتقين منها، ووقاهم من هذا العبث الفكري المدمر، فجعل الصفة التي ترقيهم وتبعدهم عن البهيمية (الذين يؤمنون بالغيب)، فطوبى لمن هداه الله إلى هذا المرتقى الآمن.
وأما إقامة الصلاة (ويقيمون الصلاة) فهي صفة أخرى للمتقين الذين يتوجهون في عبادتهم إلى الله وحده، وهذا ارتقاء آخر لهم عن عبادة العباد أو عبادة الأشياء، فالقلب الذي يسجد لله وحده، ويتصل به طوال يومه، يشعر بالقوة، ويستشعر أن لوجوده غاية كبرى غير الغاية الأرضية المحدودة. وهكذا يصبح ضمير المصلي حيا وتقيا نقيا، فتتهيأ شخصيته لتكون ربانية التصور، وربانية المشاعر، وربانية الفعل والسلوك، فهنيئا لمن اهتدى وارتقى بالصلاة المكتوبة في منهج الله المنير.
(ومما رزقناهم ينفقون) وهذه صفة مزدوجة الدلالة، فالمؤمن يقر بأن المال الذي بين يديه مال الله، وهو وكيل على هذا المال، فالإقرار بأن هذا المال ليس من صنعه، ولا من جهده الذي بذله، بل هو بفضل الله ونعمته عليه، يزرع في النفس الإنسانية الحنان والشفقة على المحتاجين فتطهر من الإمساك والشح البغيضين إلى كل نفس بشرية، وبهذا وحده تصبح الحياة في المجتمع الذي يتربى أبناؤه على هذه المفاهيم حياة بر وتعاون، لا حياة نهب وتطاحن، وعندئذ يأمن الضعيف والقاصر والعاجز ويشعرون بالاطمئنان وهدوء البال.
(والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) صفة الأمة الوارثة لمنهج الله الذي أنزل على الأنبياء والرسل السابقين، وهي صفة ترفع مقام الأمة الإسلامية، لأن الله ائتمنها على حفظ هذا الإرث، ثم كلفها بقيادة مواكب الإيمان في هذه الدنيا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومن أجمل المعاني المستخلصة من هذا التكليف الإيمان بوحدة البشرية، فلا تكبر ولا تعصب، فكلكم من آدم وآدم من تراب، ووحدة دينها، فالله واحد أحد، وهو فرد صمد، ودينه واحد أنزله على فترات لحكمة هو يعرفها، وبهذا الفهم البسيط وحده تتخلص النفوس من التعصب، وأخيرا وحدة الرسل والأنبياء، فهذه القافلة الصادقة من الأنبياء والرسل قادت هداية الإنسان إلى الحق، فرفعت مقامه في عبادة الله، وهذه القافلة كثيرة الأفراد، منهم من نعرف، ومنهم من لم يخبرنا الله عنهم (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص) غافر 78، وفي هذا معنى عظيم يتمثل في رعاية الله للبشرية على تطاول الأزمان والأدهار، لا كما يزعم الضالون الذين يذهبون إلى أن الله خلق الكون ثم تركه بعد الخلق، وفيه ثبات معالم الهدى واعتزاز المؤمنين به ليبقى ثابتا كالنجم الهادي في دياجير الظلام.
(وبالآخرة هم يوقنون) صفة خاتمة، في هذا السياق، مهمة للمتقين، إنها خاتمة تربط الدنيا بالآخرة، والبداية بالنهاية، والمبدأ بالمصير، والعمل بالجزاء، وهي خاتمة تشعر الإنسان بأنه لم يخلق عبثا، ولن يترك سدى، فكما أنه أغدقت عليه النعم في الدنيا، وتركت له حرية الاختيار، فخضع للامتحان الدقيق، فسيحاسب إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وهذا كله ليطمئن قلبه إلى عدل الله، ويقبل على العمل الصالح. واليقين بالآخرة هو الفيصل بين من لا يعرف في حياته إلا الدنيا، فيبقى حبيسا بين جدران الحس المغلقة، وبين من يعرف أن حياته ممتدة على نطاق الدنيا والآخرة، فالدنيا للعمل والامتحان والآخرة للراحة والجزاء، والأولى ضيقة محدودة، والثانية واسعة رحبة، (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) العنكبوت 64
أ.د. ياسر الملاح
بعد أن تحدثنا عن سورة الفاتحة، وهي البداية الجميلة لكتاب الله مبنى ومعنى تأتي سورة البقرة، وهي من السور التي تمتاز بطولها، فهي أطول سورة في القرآن إذ بلغت آياتها 286 آية، كما أنها أول سورة بعد الفاتحة، ونظرا لهذا الطول سنوزع تناولها على مقاطع وفق المعنى العام الذي يغلب على كل مقطع نتناوله. وبناء على هذا التصور سيكون المقطع الأول في تناولنا لهذه السورة المقطع الذي يمتد في مساحة محدودة قوامها 39 آية. وإن من يتناول نص هذا المقطع بالدراسة والتحليل سيجد عناقا عجيبا فيه بين التاريخ والمجتمع في جغرافية محددة هي مكة والمدينة المنورة. وحركة الحياة التي تجري في هذه البقعة الجغرافية تنبني على صراع ملتهب بين أطراف ثلاثة: المؤمنون وهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومعه أصحابه ممن اتبعه في الدعوة إلى الله، والكافرون الذين وقفوا ضد الدعوة فحاولوا إفشالها وحرضوا الناس على الوقوف في وجهها، ووجه من اتبعها، بأساليب كثيرة تتدرج من الإبعاد والصد والدعاية الباطلة والكذب والتشويش إلى الإيذاء والتعذيب والتجويع والسجن والقتل، ويشمل هذا الفريق مشركي مكة وأهل الكتاب من اليهود. والطرف الثالث الذي نشأ في المدينة المنورة، وهم المنافقون الذين هم فعلا مع الكافرين، ويتقنون اللعب على الحبلين، فيظهرون المودة للمؤمنين، ولكنهم في الحقيقة أعداء لهم مستترون.
ولتجلية الجمال والبيان في عربية القرآن من هذا المقطع، سيكون تناولنا له في أبعاد ثلاثة: هي البعد اللغوي والبعد التركيبي والبعد الدلالي. أما البعد اللغوي الذي سنركز فيه على ألفاظ خاصة بالقرآن وبها تشكلت الصورة النهائية للفظة الإسلامية، فمثل: (الم) هذه الآية التي لم يستطع أحد فهم كنهها، فبقيت سرا من أسرار القرآن المعجزة، وكأن الله، سبحانه، أعطى ما أعطى للإنسان، والشكر الجزيل لله على ما أعطى، ولكنه أبقى شيئا واحدا في هذا العطاء بيده وسرا من أسراره حتى يعلم الإنسان درسا عميقا في حدود علمه، فمهما بلغ الإنسان في علمه فإن هناك أمورا في هذا الكون، على بساطتها، يقف عاجزا أمام تفسيرها ومعرفة كنهها، لأن المعطِي هو الخالق، فهو على كل شيء قدير، والمعطَى، أي الإنسان، هو المخلوق الذي لا بد من وجود ضعف ما في تكوينه، وها هو الضعف يتجلى في عجزه عن تفسير نص أمام بصره وتحت سمعه.
ومن هذه الألفاظ : الكتاب، هدى، المتقين، الغيب، المؤمنون، الكافرون، المنافقون، المفلحون إلى بقية هذا المعجم الذي نظمه القرآن في آياته البينات، فتشكل منها القاموس اللفظي الإسلامي معبرا عن ميلاد حضارة جديدة لها شخصيتها الفكرية المتميزة، ولها رسولها المميز، ولها كتابها المميز، ولها لغتها المميزة، ولها لفظها المميز، فغدت بهذا كله نمطا جديدا من الحضارة التي قوامها الخير والإيمان، ووصلها بقافلة الخير التي سبقت هذه الحضارة منذ آدم، عليه السلام، إلى عصر محمد، صلى الله عليه وسلم.
ونحن لا نريد الخوض في شرح هذه المصطلحات التي أصبحت أمرا معلوما بالضرورة في الحياة العربية والإسلامية بعامة، لأن لهذا الشرح مظانه الخاصة به، من كتب تفسير وقواميس، ويمكن لمن أراد الغوص فيها أن يجدها بيسر. ولكن يكفي التأكيد على أن هذه المصطلحات منها الكثير الذي اتخذ مضامين خاصة بالدعوة الإسلامية الجديدة، مع بقاء المعنى اللغوي الذي كان موجودا قبل مجيء الإسلام، ولذلك كان للإسلام فضل السبق في إبداع هذا المصطلح الذي صكه لموافقة شخصيته الجديدة المعلِنة عن حضارة جديدة هي الحضارة الإسلامية. وكان له فضل السبق كذلك في البعد اللغوي أنه لم ينتظر أن يتفرج حتى يقدم له أحد من الناس آلته المعبرة عن مضامينه، ولكنه أقدم يصوغ ويأخذ من العرب وغير العرب حتى استوت له صورة لغوية معبرة عن الكنه الذي يريد تأصيله بلسان عربي مبين، لا كمن يترك لسانه ليستعير لسانا غريبا للتعبير عما يريد، فيقع في تناقض مريع يضيع به الهُوية والمضمون والشكل، ومما يؤسف له أننا، في هذا الزمان، وقعنا في ما استنكره الإسلام، ونفر منه، على المستوى اللغوي، لأنه لا يدل على شخصية مبدعة أو رائدة في إقامة بنيان حضاري ثابت الأركان.
ومن هذه الثروة اللفظية الموروثة والمبدعة استطاع القرآن أن يشكل تراكيب بديعة التحم فيها الشكل بالمضمون التحاما معجزا لم يستطع أحد من بني البشر أن يأتي بمثله، وكما وقف البشر عاجزين منذهلين أمام آيات هذا الكون البديع، فلم نعرف أحدا حتى هذه الساعة طلع علينا بصناعة شمس أو نجم أو سماء أو هواء أو ليل أو نهار، فكذلك الأمر في القرآن كانت آياته وقفا على من قالها، إلى يومنا هذا، وإلى يوم الدين. والعجيب في هذه التراكيب أنها تتوهج كاللآلئ المنيرة، فبالإضافة إلى ألفاظها المصطفاة بحكمة وإتقان، ففيها تراكيبها التي تسحر من يسمعها، وتؤثر فيه إلى أن تخطف لبه ووجوده، ليصغي ويتفكر في ما يسمعه من كلام ليس ككلام البشر، بل هو نسيج لم يؤلف عن العرب مثله من قبل، كما قال فصحاء العرب وبلغاؤهم.
وإن أعجب ما في القرآن غير هذين البعدين: البعد اللغوي والبعد التركيبي هو البعد الدلالي. فلنتبصر الآن في البعد الدلالي الذي نلمسه في هذا المقطع الذي ندرسه هنا لنرى ما فيه من إبداع وجمال لا مثيل لهما في كلام البشر. فالقرآن يريد صياغة تجربة خلاصتها الصراع بين فريقين من الناس في بقعة جغرافية محدودة لتكون هذه التجربة عبرة للناس ودستورا يستفيدون من دقائقه لتكون حياتهم أفضل في الدنيا والآخرة.
ففي بداية المشهد يعرف القارئ بشخوص حلبة هذا الصراع، وفي أثناء التعريف بهؤلاء الشخوص يرسم الهيئة الخاصة بكل شخص من داخله رسما يوضح للقارئ كنهه وحقيقته، لأن المُعول، في الحياة الإنسانية، في نهاية المطاف، على الجوهر لا على الشكل الذي يتغير، ويصل به الأمر إلى الفناء. وشخوص المشهد في هذا المقطع هم ثلاثة: المتقون والكافرون والمنافقون، فأما المتقون في كتاب الله الذي لا ريب فيه :" الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون". انظر إلى هذا التماسك المدهش بين كل جملة ولاحقتها، قطار من المعاني والدلالات تقود كل واحدة إلى ما يتلوها من جمل، فهذا الكتاب الذي لا ريب فيه هو هدى، أي يفيض بالهدى للمتقين، ومن هم هؤلاء؟ إنهم من لديهم قلوب تخشى وتحذر أن تقع في ضلالة، أو أن تتطلع إلى ضلالة، وروي أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال: بلى! قال: فما عملت؟ قال: شمَّرْت واجتهدت. قال: فذلك التقوى. فالتقوى انتباه دائم وحذر دائم وخشية مستمرة وحساسية في الضمير والشعور وتوَقٍّ لأشواك طريق الحياة من رغائب وشهوات وأطماع ومطامح ومخاوف وهواجس. أما المتقون، بوصف القرآن، فهم من يؤمن بالغيب، ويقيم الصلاة، وينفق مما رزقه الله، ويؤمن بقافلة الإيمان السابقة من الرسل وتابعيهم، وأخيرا فهو الذي يوقن بالآخرة.
أما الإيمان بالغيب فهو ذو قيمة أساسية في حياة الفرد بخاصة، وفي حياة البشرية بعامة، لأن البشرية عندما تدرك الذات الإلهية التي تقف وراء هذا الكون تنتقل من مرتبة الحيوان إلى مرتبة الإنسان، وتنتقل من الرؤية الحسية المادية إلى الرؤية النافذة الكاشفة لحقيقة هذا الوجود، وتصان الطاقة الفكرية التي وهبها الله للإنسان من الانشغال فيما لا طائل تحته إلى الانشغال في عمارة الكون... يعمل وينتج... ويتقصى وينظر... وينمي الحياة ويجملها... وتسنده طاقته الروحية المتصلة بخالق الوجود، لأنه خليفة الله في الأرض كما أراده خالقه. فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بعقل محدود فهي محاولة غير ناجحة، ومحاولة فيها من العبث ما فيها، لأنه يستخدم عقلا محدودا لم يخلق لهذا الأمر. وعلى الإنسان أن يسلم بأن إدراكه للمطلق غير ممكن، وأن عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن عليه أن يتلقى العلم في هذا الشأن من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن والغيب والشهادة، وهذا الاحترام لقدرة العقل، وحدود هذه القدرة، لا يتحلى به إلا المؤمنون، وهي الصفة الأولى للمتقين.
لقد كان إيمان الإنسان بالغيب الفيصل في ارتقائه عن عالم البهائم، غير أن هناك فريقا من الناس في زماننا هذا يتسمون بالماديين، وهم كذلك في أزمنة سابقة، يريدون أن يعودوا بالإنسانية إلى عالم البهائم الذي لا يُعقل فيه إلا المحسوس، والغريب أنهم يُسمون البهيمية تقدمية، ويصمون الإيمان بالغيب بالرجعية، وإن هذا اللعب بأقدار الناس وعقول الشباب نكسة مدمرة حفظ الله المتقين منها، ووقاهم من هذا العبث الفكري المدمر، فجعل الصفة التي ترقيهم وتبعدهم عن البهيمية (الذين يؤمنون بالغيب)، فطوبى لمن هداه الله إلى هذا المرتقى الآمن.
وأما إقامة الصلاة (ويقيمون الصلاة) فهي صفة أخرى للمتقين الذين يتوجهون في عبادتهم إلى الله وحده، وهذا ارتقاء آخر لهم عن عبادة العباد أو عبادة الأشياء، فالقلب الذي يسجد لله وحده، ويتصل به طوال يومه، يشعر بالقوة، ويستشعر أن لوجوده غاية كبرى غير الغاية الأرضية المحدودة. وهكذا يصبح ضمير المصلي حيا وتقيا نقيا، فتتهيأ شخصيته لتكون ربانية التصور، وربانية المشاعر، وربانية الفعل والسلوك، فهنيئا لمن اهتدى وارتقى بالصلاة المكتوبة في منهج الله المنير.
(ومما رزقناهم ينفقون) وهذه صفة مزدوجة الدلالة، فالمؤمن يقر بأن المال الذي بين يديه مال الله، وهو وكيل على هذا المال، فالإقرار بأن هذا المال ليس من صنعه، ولا من جهده الذي بذله، بل هو بفضل الله ونعمته عليه، يزرع في النفس الإنسانية الحنان والشفقة على المحتاجين فتطهر من الإمساك والشح البغيضين إلى كل نفس بشرية، وبهذا وحده تصبح الحياة في المجتمع الذي يتربى أبناؤه على هذه المفاهيم حياة بر وتعاون، لا حياة نهب وتطاحن، وعندئذ يأمن الضعيف والقاصر والعاجز ويشعرون بالاطمئنان وهدوء البال.
(والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) صفة الأمة الوارثة لمنهج الله الذي أنزل على الأنبياء والرسل السابقين، وهي صفة ترفع مقام الأمة الإسلامية، لأن الله ائتمنها على حفظ هذا الإرث، ثم كلفها بقيادة مواكب الإيمان في هذه الدنيا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومن أجمل المعاني المستخلصة من هذا التكليف الإيمان بوحدة البشرية، فلا تكبر ولا تعصب، فكلكم من آدم وآدم من تراب، ووحدة دينها، فالله واحد أحد، وهو فرد صمد، ودينه واحد أنزله على فترات لحكمة هو يعرفها، وبهذا الفهم البسيط وحده تتخلص النفوس من التعصب، وأخيرا وحدة الرسل والأنبياء، فهذه القافلة الصادقة من الأنبياء والرسل قادت هداية الإنسان إلى الحق، فرفعت مقامه في عبادة الله، وهذه القافلة كثيرة الأفراد، منهم من نعرف، ومنهم من لم يخبرنا الله عنهم (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص) غافر 78، وفي هذا معنى عظيم يتمثل في رعاية الله للبشرية على تطاول الأزمان والأدهار، لا كما يزعم الضالون الذين يذهبون إلى أن الله خلق الكون ثم تركه بعد الخلق، وفيه ثبات معالم الهدى واعتزاز المؤمنين به ليبقى ثابتا كالنجم الهادي في دياجير الظلام.
(وبالآخرة هم يوقنون) صفة خاتمة، في هذا السياق، مهمة للمتقين، إنها خاتمة تربط الدنيا بالآخرة، والبداية بالنهاية، والمبدأ بالمصير، والعمل بالجزاء، وهي خاتمة تشعر الإنسان بأنه لم يخلق عبثا، ولن يترك سدى، فكما أنه أغدقت عليه النعم في الدنيا، وتركت له حرية الاختيار، فخضع للامتحان الدقيق، فسيحاسب إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وهذا كله ليطمئن قلبه إلى عدل الله، ويقبل على العمل الصالح. واليقين بالآخرة هو الفيصل بين من لا يعرف في حياته إلا الدنيا، فيبقى حبيسا بين جدران الحس المغلقة، وبين من يعرف أن حياته ممتدة على نطاق الدنيا والآخرة، فالدنيا للعمل والامتحان والآخرة للراحة والجزاء، والأولى ضيقة محدودة، والثانية واسعة رحبة، (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) العنكبوت 64

تعليق