أثر النحاة في تأسيس الفكر البلاغي
أحمد إبراهيم المسودي
ملخص البحث:
أسهم علماء النحو واللغة بشكل مباشر في تأسيس الفكر البلاغي من خلال ملاحظاتهم المتناثرة في مؤلفاتهم، وكانت تلك الملاحظات لَبِنَاتٍ أساسية ومهمة في بناء علوم البلاغة، ويهدف هذا البحث إلى تسليط أضواء التأمُّلِ والدرس على أبرز النحاة الذين أسهموا في إثراء الجهاز النظري البلاغي، وكانت آراؤهم محلَّ اهتمام علماء البلاغة فيما بعد.
أثر النحاة في تأسيس الفكر البلاغي:
كان لعلماء النحو واللغة دورٌ بارز في تأسيس الفكر البلاغي من خلال ملاحظاتهم المتناثرة في مؤلفاتهم، وكانت تلك الملاحظات لَبِنَاتٍ أساسية ومهمة في بناء علوم البلاغة، ويهدف هذا البحث إلى إبراز دور هؤلاء العلماء في التَّقْعِيدِ للدرس البلاغي، وتسليط الضوء على أبرز النحاة الذين أسهموا في إثراء الدرس البلاغي، وكانت آراؤهم محلَّ اهتمام علماء البلاغة فيما بعد، وقد قسَّم الباحث هذه الدراسة إلى مقدمة، وأربعة مباحث، خصَّص كل مبحث لمنعطفٍ هامٍّ في طريق بناء الدرس البلاغي، والتأصيل لأبوابه ومباحثه.
المقدمة
إن الحديث عن البيان العربي بمفهومه الشمولي حديثٌ عن منظومة معرفية متكاملة، مكوَّنة من أمشاج متواشجة من الحقول المعرفية التي يغذِّي بعضها بعضًا، ويَرْفِدُ بعضها بعضًا، والفصل بين هذه الحقول البيانية فصلٌ اقتضتْهُ طبيعة كلِّ حقل وخصوصيته، وإلا فهي في محصلتها كلٌّ واحدٌ تدور حول مركز واحد؛ هو الخطاب، ونقصد بالخطاب هنا: الخطاب الذي شكَّل القادح الأساس لنشأة هذه العلوم، الخطاب الذي كان المحرك الرئيس لحركة التأليف عند العرب، وهذا الخطاب ينشطر إلى خطابين، لكل خطاب طبيعته وخصائصه؛ الأول: هو الخطاب الشعري الذي كان يمثل للعرب مسألة وجود وكَيْنُونَةٍ وخلود، والثاني: هو الخطاب القرآني الذي شكَّل بنية عقل العربي، وأعاد ترتيب أفكاره وقِيَمِهِ التي كانت قد بُنيَتْ في بداية الأمر على منهاج الخطاب الأول، وبِناءً على هذين الخطابين تشكَّلت علوم البيان العربي وتطورت، وكان هذا التشكُّل والتطوُّر نتيجة جهود جليلة قام بها أسلافنا الأوائل، أقاموا بها بناء هذا البيان - أو لِنَقُلِ البنيان - على أسس عربية خالصة، خالية من الشوائب والمؤثرات الأجنبية، وحتى لا يطول بنا الحديث، فإننا سنقصر كلامنا في هذه الورقة البحثية على أثر النحاة واللغويين في التأسيس للدرس البلاغي.
إن البلاغة العربية بمفهومها الاصطلاحي تبقى مدينة بكثير من الفضل لعلم النحو وعلمائه؛ وذلك أن علم النحو قد شكَّل المِحْضَنَ الرئيس الذي نشأت في ظِلِّهِ علوم البلاغة العربية حتى استوت على عودها، واستقام لها بناؤها، فـ"النحاة هم أصحاب الفضل الأول في نشأة البلاغة، على الرغم من أنها كانت في البداية نظراتٍ متناثرة هنا وهناك ضمن مباحثهم النحوية، ثم أُتيحت لمن أعقبهم أن يصوغَ من هذه النظرات العابرة قواعدَ بلاغية ذات صيغة علمية"[1]؛ وعليه فإن تأثير النحاة في الدرس البلاغي والتأسيس له سيكون تأثيرًا مباشرًا، ولن يتسع المقام لتتبُّعِ كل إسهامات النحاة في هذا المجال؛ ولذلك سنحصر حديثنا على أبرز الجهود النحوية التي كوَّنتِ الروافدَ الكبرى لتـأسيس الفكر البلاغي.
لقد كان الباعث الأول والمحرك الرئيس لحركة التأليف اللغوي والنحوي عند العرب - هو القرآن الكريم، الذي نزل أوَّل ما نزل على عربٍ خُلَّصٍ أقْحاحٍ، لكن حينما دخل الأعاجم في الإسلام، احتيج إلى تقعيد اللغة، ووضع معايير تعصم ألسنتهم من الوقوع في زَلَلِ اللُّكْنَةِ وضلال العُجْمَةِ، ومن هنا هُرِعَ أسلافنا القدماء إلى سنِّ قوانين اللغة، وضبطها ضبطًا قويمًا؛ حتى لا تتسرب تلك الشوائب إلى كتاب الله تعالى؛ فالضرورة إذًا هي التي دفعت حركة التأليف اللغوي والنحوي.
وإذا كان النحو يهتم بوضع القواعد وسنِّ المعايير العاصمة من الخطأ، فإن النحاة أنفسهم قد شعروا بأن النحو بهذه الصيغة غير قادر على فهم أسرار بلاغة القرآن ودلائل إعجازه؛ ولذلك احتاجوا إلى الدرس البلاغي، الذي يغوص في أسرار الإعجاز، ويكشف دلائل البلاغة القرآنية المعجِزة، وهذا لا يعني قصورًا أو عيبًا في الدرس النحوي، بل هي الطبيعة والحدود، فلكلِّ علمٍ حدودٌ يقف عندها ولا يُجاوِزُها، فالنحوي يقف عند حدود المعيار والقاعدة ودلالة الألفاظ على المعاني، في حين ينهض البلاغي بتفسير مواطن الحُسْنِ والجمال في تلك الدلالة؛ يقول صاحب (المثل السائر) في هذه المسألة: أن البلاغي "والنحوي يشتركان في أن النحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة، وصاحب علم البيان - البلاغي - ينظر في فضيلة تلك الدلالة، وهي الدلالة الخاصة، والمراد بها أن تكون على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء النحو والإعراب، ألا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور، ويعلم مواقع إعرابه، ومع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة، ومن ها هنا غَلَطَ مفسرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعنى وما فيها من الكلمات اللغوية، وتبيين مواضع الإعراب منها، دون شرح ما تضمَّنته من أسرار الفصاحة والبلاغة"[2].
ونحن وإن اتفقنا مع ابن الأثير في الشِّقِّ الأول من كلامه، فإننا نختلف معه في الشق الآخر؛ فالمسألة ليست مسألة فَهْمٍ من عدمه، بل هي حدود العِلْمَيْنِ - النحو والبلاغة - وطبيعتهما؛ فحدود النحوي تقف عند مستوى الاستقامة والضبط المعياري، أما البلاغي فحدود اشتغاله معرفة أسرار اللغة وتفسير جمالياتها.
المبحث الأول: جهود الخليل في التأصيل للدرس البلاغي:
نبدأ في رصد آراء النحاة وملحوظاتهم البلاغية بأذكى العرب والعجم في عصره[3]؛ الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: 175)، هذا الرجل الذي كان أعجوبةَ زمانِهِ ونسيجَ وحْدِهِ، ليس في النحو واللغة والعَرُوض فحسب، بل حتى في العقل البلاغي الذي يملكه، وقد تناثرت تعريفات الخليل للبلاغة في كتب التراث المختلفة، ويرى الخليل أن "كل ما أدى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة، فإن استطعت أن يكون لفظك لمعناك طبقًا، ولتلك الحالة وقفًا، وآخر كلامك لأوله مشابهًا، وموارده لمصادره موازنًا، فافْعَلْ واحرص أن تكون لكلامك متهمًا وإن ظرُف، ولنظامك مستريبًا وإن لطُف، بمواتاة آلتك لك، وتصرُّف إرادتك معك"[4].
ويُفهَم من هذا التصور الخليلي أن البلاغة تأديةُ المقصود بصورة واضحة لا لَبْسَ فيها، ويدخل في هذا التصور الكلام البليغ وغير البليغ، بمعنى أن الخليل ينظر إلى البلاغة من زاوية الاستعمال والإنجاز، فكل قول أوصلك إلى غرضك؛ سواء أكان بليغًا أم غير بليغ، فهو في منظور الخليل بلاغة، ولو سلَّطنا أضواء التأمل على التعريف ثانية، لرأينا أنه يقصر البلاغة على ما يسمى في عرف البلاغيين بـ"المساواة"؛ فمطابقة اللفظ للمعنى هي ذاتها المساواة، وهذا يقتضي أن البلاغة في تعريف الخليل السالف هي المساواة، ويخرج بمقتضى ذلك الإيجاز الذي هو من أخص خصائص العربية، لكن لا نطلب من الخليل أكثر من ذلك، فمرحلة التأسيس يكتنفها من الصعوبة والتعقيد والغموض ما يكتنفها، أضِفْ إلى ذلك أن بعض تعريفات البلاغة تُورِدُها المصادر عاريةً من سياقها ومناسبتها - كهذا التعريف - مما يُوقِعُ المتلقي في حَيْرَةٍ أو قُلْ في تساؤل مفاده: كيف للخليل أن يناقض نفسه إذا استحضرنا له تعريفات أخرى للبلاغة؛ كقوله في العمدة: "البلاغة كلمة تكشف عن البقية"[5]، وقوله أيضًا: "البلاغة ما قَرُبَ طرفاه، وبعُدَ منتهاه"[6]؟ فهذا التعريف والذي قبله يدلَّان على مفهوم الإيجاز في الكلام؛ ففي التعريف الأول نلمس أن البلاغة في متصور الخليل مبنية على الإيجاز والإيماء واللمح، وتأدية المقصود بأقل الألفاظ وأقصر السُّبُلِ، وكذلك الحال في التعريف الثاني، وهذان التعريفان لا يتفقان وتصوُّرَ الخليل للبلاغة الذي وقفنا عليه في تعريفه المُستجْلَب من كتاب العمدة، لكن كما قلت سابقًا أن التعريفات مُختلَسَةٌ من سياقاتها، وأن مرحلة التأسيس يعتريها من اللبس ما يعتريها؛ مما يجعل هذه التعريفات أقرب إلى الانطباعات النفسية والتفسيرات الذوقية منها إلى التعريفات العلمية المنطقية، الجامعة المانعة.
أحمد إبراهيم المسودي
ملخص البحث:
أسهم علماء النحو واللغة بشكل مباشر في تأسيس الفكر البلاغي من خلال ملاحظاتهم المتناثرة في مؤلفاتهم، وكانت تلك الملاحظات لَبِنَاتٍ أساسية ومهمة في بناء علوم البلاغة، ويهدف هذا البحث إلى تسليط أضواء التأمُّلِ والدرس على أبرز النحاة الذين أسهموا في إثراء الجهاز النظري البلاغي، وكانت آراؤهم محلَّ اهتمام علماء البلاغة فيما بعد.
أثر النحاة في تأسيس الفكر البلاغي:
كان لعلماء النحو واللغة دورٌ بارز في تأسيس الفكر البلاغي من خلال ملاحظاتهم المتناثرة في مؤلفاتهم، وكانت تلك الملاحظات لَبِنَاتٍ أساسية ومهمة في بناء علوم البلاغة، ويهدف هذا البحث إلى إبراز دور هؤلاء العلماء في التَّقْعِيدِ للدرس البلاغي، وتسليط الضوء على أبرز النحاة الذين أسهموا في إثراء الدرس البلاغي، وكانت آراؤهم محلَّ اهتمام علماء البلاغة فيما بعد، وقد قسَّم الباحث هذه الدراسة إلى مقدمة، وأربعة مباحث، خصَّص كل مبحث لمنعطفٍ هامٍّ في طريق بناء الدرس البلاغي، والتأصيل لأبوابه ومباحثه.
المقدمة
إن الحديث عن البيان العربي بمفهومه الشمولي حديثٌ عن منظومة معرفية متكاملة، مكوَّنة من أمشاج متواشجة من الحقول المعرفية التي يغذِّي بعضها بعضًا، ويَرْفِدُ بعضها بعضًا، والفصل بين هذه الحقول البيانية فصلٌ اقتضتْهُ طبيعة كلِّ حقل وخصوصيته، وإلا فهي في محصلتها كلٌّ واحدٌ تدور حول مركز واحد؛ هو الخطاب، ونقصد بالخطاب هنا: الخطاب الذي شكَّل القادح الأساس لنشأة هذه العلوم، الخطاب الذي كان المحرك الرئيس لحركة التأليف عند العرب، وهذا الخطاب ينشطر إلى خطابين، لكل خطاب طبيعته وخصائصه؛ الأول: هو الخطاب الشعري الذي كان يمثل للعرب مسألة وجود وكَيْنُونَةٍ وخلود، والثاني: هو الخطاب القرآني الذي شكَّل بنية عقل العربي، وأعاد ترتيب أفكاره وقِيَمِهِ التي كانت قد بُنيَتْ في بداية الأمر على منهاج الخطاب الأول، وبِناءً على هذين الخطابين تشكَّلت علوم البيان العربي وتطورت، وكان هذا التشكُّل والتطوُّر نتيجة جهود جليلة قام بها أسلافنا الأوائل، أقاموا بها بناء هذا البيان - أو لِنَقُلِ البنيان - على أسس عربية خالصة، خالية من الشوائب والمؤثرات الأجنبية، وحتى لا يطول بنا الحديث، فإننا سنقصر كلامنا في هذه الورقة البحثية على أثر النحاة واللغويين في التأسيس للدرس البلاغي.
إن البلاغة العربية بمفهومها الاصطلاحي تبقى مدينة بكثير من الفضل لعلم النحو وعلمائه؛ وذلك أن علم النحو قد شكَّل المِحْضَنَ الرئيس الذي نشأت في ظِلِّهِ علوم البلاغة العربية حتى استوت على عودها، واستقام لها بناؤها، فـ"النحاة هم أصحاب الفضل الأول في نشأة البلاغة، على الرغم من أنها كانت في البداية نظراتٍ متناثرة هنا وهناك ضمن مباحثهم النحوية، ثم أُتيحت لمن أعقبهم أن يصوغَ من هذه النظرات العابرة قواعدَ بلاغية ذات صيغة علمية"[1]؛ وعليه فإن تأثير النحاة في الدرس البلاغي والتأسيس له سيكون تأثيرًا مباشرًا، ولن يتسع المقام لتتبُّعِ كل إسهامات النحاة في هذا المجال؛ ولذلك سنحصر حديثنا على أبرز الجهود النحوية التي كوَّنتِ الروافدَ الكبرى لتـأسيس الفكر البلاغي.
لقد كان الباعث الأول والمحرك الرئيس لحركة التأليف اللغوي والنحوي عند العرب - هو القرآن الكريم، الذي نزل أوَّل ما نزل على عربٍ خُلَّصٍ أقْحاحٍ، لكن حينما دخل الأعاجم في الإسلام، احتيج إلى تقعيد اللغة، ووضع معايير تعصم ألسنتهم من الوقوع في زَلَلِ اللُّكْنَةِ وضلال العُجْمَةِ، ومن هنا هُرِعَ أسلافنا القدماء إلى سنِّ قوانين اللغة، وضبطها ضبطًا قويمًا؛ حتى لا تتسرب تلك الشوائب إلى كتاب الله تعالى؛ فالضرورة إذًا هي التي دفعت حركة التأليف اللغوي والنحوي.
وإذا كان النحو يهتم بوضع القواعد وسنِّ المعايير العاصمة من الخطأ، فإن النحاة أنفسهم قد شعروا بأن النحو بهذه الصيغة غير قادر على فهم أسرار بلاغة القرآن ودلائل إعجازه؛ ولذلك احتاجوا إلى الدرس البلاغي، الذي يغوص في أسرار الإعجاز، ويكشف دلائل البلاغة القرآنية المعجِزة، وهذا لا يعني قصورًا أو عيبًا في الدرس النحوي، بل هي الطبيعة والحدود، فلكلِّ علمٍ حدودٌ يقف عندها ولا يُجاوِزُها، فالنحوي يقف عند حدود المعيار والقاعدة ودلالة الألفاظ على المعاني، في حين ينهض البلاغي بتفسير مواطن الحُسْنِ والجمال في تلك الدلالة؛ يقول صاحب (المثل السائر) في هذه المسألة: أن البلاغي "والنحوي يشتركان في أن النحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة، وصاحب علم البيان - البلاغي - ينظر في فضيلة تلك الدلالة، وهي الدلالة الخاصة، والمراد بها أن تكون على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء النحو والإعراب، ألا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور، ويعلم مواقع إعرابه، ومع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة، ومن ها هنا غَلَطَ مفسرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعنى وما فيها من الكلمات اللغوية، وتبيين مواضع الإعراب منها، دون شرح ما تضمَّنته من أسرار الفصاحة والبلاغة"[2].
ونحن وإن اتفقنا مع ابن الأثير في الشِّقِّ الأول من كلامه، فإننا نختلف معه في الشق الآخر؛ فالمسألة ليست مسألة فَهْمٍ من عدمه، بل هي حدود العِلْمَيْنِ - النحو والبلاغة - وطبيعتهما؛ فحدود النحوي تقف عند مستوى الاستقامة والضبط المعياري، أما البلاغي فحدود اشتغاله معرفة أسرار اللغة وتفسير جمالياتها.
المبحث الأول: جهود الخليل في التأصيل للدرس البلاغي:
نبدأ في رصد آراء النحاة وملحوظاتهم البلاغية بأذكى العرب والعجم في عصره[3]؛ الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: 175)، هذا الرجل الذي كان أعجوبةَ زمانِهِ ونسيجَ وحْدِهِ، ليس في النحو واللغة والعَرُوض فحسب، بل حتى في العقل البلاغي الذي يملكه، وقد تناثرت تعريفات الخليل للبلاغة في كتب التراث المختلفة، ويرى الخليل أن "كل ما أدى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة، فإن استطعت أن يكون لفظك لمعناك طبقًا، ولتلك الحالة وقفًا، وآخر كلامك لأوله مشابهًا، وموارده لمصادره موازنًا، فافْعَلْ واحرص أن تكون لكلامك متهمًا وإن ظرُف، ولنظامك مستريبًا وإن لطُف، بمواتاة آلتك لك، وتصرُّف إرادتك معك"[4].
ويُفهَم من هذا التصور الخليلي أن البلاغة تأديةُ المقصود بصورة واضحة لا لَبْسَ فيها، ويدخل في هذا التصور الكلام البليغ وغير البليغ، بمعنى أن الخليل ينظر إلى البلاغة من زاوية الاستعمال والإنجاز، فكل قول أوصلك إلى غرضك؛ سواء أكان بليغًا أم غير بليغ، فهو في منظور الخليل بلاغة، ولو سلَّطنا أضواء التأمل على التعريف ثانية، لرأينا أنه يقصر البلاغة على ما يسمى في عرف البلاغيين بـ"المساواة"؛ فمطابقة اللفظ للمعنى هي ذاتها المساواة، وهذا يقتضي أن البلاغة في تعريف الخليل السالف هي المساواة، ويخرج بمقتضى ذلك الإيجاز الذي هو من أخص خصائص العربية، لكن لا نطلب من الخليل أكثر من ذلك، فمرحلة التأسيس يكتنفها من الصعوبة والتعقيد والغموض ما يكتنفها، أضِفْ إلى ذلك أن بعض تعريفات البلاغة تُورِدُها المصادر عاريةً من سياقها ومناسبتها - كهذا التعريف - مما يُوقِعُ المتلقي في حَيْرَةٍ أو قُلْ في تساؤل مفاده: كيف للخليل أن يناقض نفسه إذا استحضرنا له تعريفات أخرى للبلاغة؛ كقوله في العمدة: "البلاغة كلمة تكشف عن البقية"[5]، وقوله أيضًا: "البلاغة ما قَرُبَ طرفاه، وبعُدَ منتهاه"[6]؟ فهذا التعريف والذي قبله يدلَّان على مفهوم الإيجاز في الكلام؛ ففي التعريف الأول نلمس أن البلاغة في متصور الخليل مبنية على الإيجاز والإيماء واللمح، وتأدية المقصود بأقل الألفاظ وأقصر السُّبُلِ، وكذلك الحال في التعريف الثاني، وهذان التعريفان لا يتفقان وتصوُّرَ الخليل للبلاغة الذي وقفنا عليه في تعريفه المُستجْلَب من كتاب العمدة، لكن كما قلت سابقًا أن التعريفات مُختلَسَةٌ من سياقاتها، وأن مرحلة التأسيس يعتريها من اللبس ما يعتريها؛ مما يجعل هذه التعريفات أقرب إلى الانطباعات النفسية والتفسيرات الذوقية منها إلى التعريفات العلمية المنطقية، الجامعة المانعة.

تعليق