الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

#شيء من اللغة: هل (الرّحمن) كلمة مرعبة؟ (2)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    #شيء من اللغة: هل (الرّحمن) كلمة مرعبة؟ (2)

    #شيء من اللغة: هل (الرّحمن) كلمة مرعبة؟ (2)
    د. هادي حسن حمّودي




    نواصل، هنا وفي الحلقة اللاحقة، إيجاز الحديث عن الرحمة والرحيم والرحمن.
    هذه الألفاظ مشتقة من الجذر (رحم) الدالّ على معنَى لا نجد لفظا آخر يقرّبه أو يوضّحه بدقّة، ولذلك لا يُستطاعُ توضيحه بأكثر من القول إنّه دالّ على توشّج الرّقّة بالعطف بالرّأفة بالتسامح وبسائر الصفات المتّسقة معها. وعلى الرّغم من ذلك التوشّج فإنّها - مجتمعةً - لا تبلغ مبلغَ (رحم) في الدّلالة على المعنَى المراد بهذه الكلمة، فمعناها أعمق منها جميعا وأشمل. ومهما حاول المرء تفسيرها فلن يكون أفضل حالا ممن (فسّر الماءَ بعد الجهدِ بالماءِ).
    والرحمة أساس الرسالات السماوية كافة، وقد ذكرها القرآن الكريم كثيرا من المرات، فيما يختص بالمسلمين، وبالأقوام الأخرى أيضا. ومن ذلك ما جاء على لسان إبراهيم (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وما جاء على لسان عيسى (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وكان من أبرز غايات طاعة الأنبياء والرسل والعبادات في الإسلام: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). وجعل الرحمة رديفة للجنّة: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
    وكانت الوصية للمسلمين: (وتواصَوا بالصّبر وتواصَوا بالـمَرْحَمة) أي عليهم أنْ يرحم بعضُهم بعضا، وأنْ يُوْصِي بعضهم بعضا بالصبر وبالتّراحُم فيما بينهم.
    وفي يوم فتح مكة حلّ شعار: (اليوم يوم المرحمة/ اليوم تُحمى الحُرمة) محلّ: (اليوم يوم الملحمة/ اليوم تُسبى الحرمة) هذا على الرغم من كل الأذى الذي ألحقه كفار قريش ومشركوها بالنبي وبالمسلمين حتى حاصروهم في شعب أبي طالب ثم اضطروهم إلى الهجرتين سرًّا: إلى الحبشة وإلى المدينة المنورة. وتلك هي أخلاق الإسلام الحقيقية وأخلاق النبوة.
    و(الرّحمن الرّحيم) صفتان مشتقّتان من الرّحمة. ولقد تحدّث المفسّرون واللغويون عن (الرّحمن الرّحيم) وظهر مِنْ بينهم مَنْ رأى، كالعادة المستعادة، أجنبية كلّ ما جاء على الصّيغتَين (فَعلان) مثل رَحمن، و(فُعلان) مثل قُربان. واشتطّ الخيال ببعضهم فقال بعُجمة ألفاظ الفُرقان، والقُرآن، وغيرهما.
    ونصّ جمهور اللّغويين والمفسّرين على أنّ اللّفظتين (الرّحمن الرّحيم) للمبالغة، وأنّ في (الرّحمن) مبالغة أشدّ وأوسع من تلك التي في (الرّحيم). وأنّ لفظ (الرّحمن) مختصّ بالله.
    ويُلفت النّظر أنّ التّنزيل العزيز أفردَ صفات الرّحمة (الرّحمن الرّحيم) من بين صفات الله الحسنَى وجعلها وصفا للفظ الجلالة في البسملة التي تتكرّر في مفتتح سوره، وفي كلّ عبادة، وفي بدء كلّ عمل صالح يقوم به المرء. ولهذه الظاهرة أسباب أبرزها:
    أ- إثارة الاهتمام بالرّحمة وتثبيتها في نفوس النّاس.
    ولقد سمعت من تساءل: لمَ لم يكن افتتاح سور القرآن، وافتتاح بداية أي عمل يقوم به المرء: (بسم الله العزيز الجبار المتكبر) مثلا استلهاما من الآية 23 من سورة الحشر، ليضفي على القول والعمل مخافة من الله وخشية، فيكون العمل أقرب للإتقان، والعبادة أقرب للكمال؟
    نرى أن أهم سبب لذلك ترسيخ الرحمة في نفوس الناس ودعوتهم إلى التّحلّي بالتّراحم فيما بينهم. فالناس بلا رحمة أسوأ من الوحوش، وأشدّ ضراوة. كما إن العمل والعبادة الصادرين عن رغبة ومحبة غيرهما حين يصدران بلا رغبة ولا محبة: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ)(الأحزاب 19).
    ب- أن لا ييأس المقصّرون والمخطئون من رحمة الله. فها هو القرآن يكرّر صِفة الرحمة بمشتَقَّين إثنِين: الرّحمن والرّحيم. فيجتمع فيهما عمومُ الرّحمة وخصوصُها، شمولُها لمن يستحقها، دنِيا وآخرة. فلا يأسَ من رحمة الله لأنها لا تنال اليائسين منها: (لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) وكذلك: (وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ)وأيضا: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
    نستكمل في الحلقة الثالثة، بإذن الله.

    المصدر
...
يعمل...