جناية على الأدب!
د. سيد شعبان
يمثل جيل الرواد قيودا على الإبداع؛ وظني أن تلك مفارقة شديدة تحتاج بيانا وتفصيلا لما يراه البعض أنموذجا يحتذى ومثالا للتفرد، حين يقرأ أحدنا روائع الأدب العربي شعرا ونثرا ونقدا قد يصاب بأحد أمرين إما أن يستلهم ذلك ويداخل منها في سرده وشدوه، أو يحجم لما يظنه عجزا عن المتابعة؛ وقد ألقي في روعنا أن الأوائل أتوا بكل شيء وما تركوا لنا غير كلام معاد مكرر؛ وتلك محبطة للشداة ومبعدة عن المتابعة؛ أن تقرأ السبع الجاهليات فتجد صورة غير مألوفة لما يبدعه المحدثون، أنت هنا أمام مغايرة في النسق الدلالي وافتراق معرفي يباعد بين المبدع والمتلقي.
لغة امريء القيس غير لغتنا وإن كانت من حروفنا لكنها تبعد عن معجمنا، حتى صوره وأخيلته بعيدة عن مداركنا فنهرع إلى السابقين من الشراح يظهرون الخفي ويدلون بسهمة النقد نستضيء بمشاعلهم.
جاء العصر الحديث بآلاته التي تصخب وبتقنياته التي تدهش وكان الظن بها أن تواتينا بفهم يقربنا من سوابق الأدب؛ لكنها باعدت وتناهت في مشاغل دون الإبداع.
لعل الجناية يدفعها تآمر وتزكي نارها حراب مسنونة على اللغة والهوية، لقد تعلم أجدادنا في محاضن وجلسوا إلى مقاعد خلت من زينة لكنهم أتوا بالفريد وغالبوا أوجاعهم وآلامهم.
يأتي أحدهم فينصبونه أميرا للشعر فيقف أمامه شوقي بدرره والمتنبي بسيفياته وحكمه أو البحتري بوصفه وما أبو تمام عنك برويه وإعجازه فيرتد على عقبيه.
يصرفك ناقد عن ذاتك فيغريك بالأدب الحديث في مظانه شرقا وغربا فتجد بونا شاسعا بين ما عهدته عند العرب؛ أدب مجلوب كما الأطعمة المحفوظة توشك أن تصيبك بتخمة ومن ثم ترديك في مقتلة.
شعر حديث ونقد حديث وسرد مغاير غير أن العجمة سوار حول معصم وخناق يذهب بالمرء عقله قبل جسده.
وما النقد وقد صار عتبة نص وجماليات خط وصورة غلاف دون معالجة للمضمون ينشغل عما هو له بما اجتلب من بلاد الضباب من مصطلحات ترهق العقل وتذهب به أشتاتا.
حتى إذا ما نبغ في رواء الفن واحد وقفت كل تلك العوائق في طريقه تمنعه وتسد عليه نافذة الإبداع؛ أنه عاجز أو مقلد ولاتراه مبدعا يأتي بما بحمده الأوائل.
وإن احتفي بأدبنا وكرم أديب منا جادت كل محقدة قلب بما اعتمل داخلها من سوء فترى نجيب محفوظ مانالها إلا لعمالته وتخرصه وإفكه؛ يصرفون الناشئة عن روائع سرد ومكنون حبكته وإبداعه.
د. سيد شعبان
يمثل جيل الرواد قيودا على الإبداع؛ وظني أن تلك مفارقة شديدة تحتاج بيانا وتفصيلا لما يراه البعض أنموذجا يحتذى ومثالا للتفرد، حين يقرأ أحدنا روائع الأدب العربي شعرا ونثرا ونقدا قد يصاب بأحد أمرين إما أن يستلهم ذلك ويداخل منها في سرده وشدوه، أو يحجم لما يظنه عجزا عن المتابعة؛ وقد ألقي في روعنا أن الأوائل أتوا بكل شيء وما تركوا لنا غير كلام معاد مكرر؛ وتلك محبطة للشداة ومبعدة عن المتابعة؛ أن تقرأ السبع الجاهليات فتجد صورة غير مألوفة لما يبدعه المحدثون، أنت هنا أمام مغايرة في النسق الدلالي وافتراق معرفي يباعد بين المبدع والمتلقي.
لغة امريء القيس غير لغتنا وإن كانت من حروفنا لكنها تبعد عن معجمنا، حتى صوره وأخيلته بعيدة عن مداركنا فنهرع إلى السابقين من الشراح يظهرون الخفي ويدلون بسهمة النقد نستضيء بمشاعلهم.
جاء العصر الحديث بآلاته التي تصخب وبتقنياته التي تدهش وكان الظن بها أن تواتينا بفهم يقربنا من سوابق الأدب؛ لكنها باعدت وتناهت في مشاغل دون الإبداع.
لعل الجناية يدفعها تآمر وتزكي نارها حراب مسنونة على اللغة والهوية، لقد تعلم أجدادنا في محاضن وجلسوا إلى مقاعد خلت من زينة لكنهم أتوا بالفريد وغالبوا أوجاعهم وآلامهم.
يأتي أحدهم فينصبونه أميرا للشعر فيقف أمامه شوقي بدرره والمتنبي بسيفياته وحكمه أو البحتري بوصفه وما أبو تمام عنك برويه وإعجازه فيرتد على عقبيه.
يصرفك ناقد عن ذاتك فيغريك بالأدب الحديث في مظانه شرقا وغربا فتجد بونا شاسعا بين ما عهدته عند العرب؛ أدب مجلوب كما الأطعمة المحفوظة توشك أن تصيبك بتخمة ومن ثم ترديك في مقتلة.
شعر حديث ونقد حديث وسرد مغاير غير أن العجمة سوار حول معصم وخناق يذهب بالمرء عقله قبل جسده.
وما النقد وقد صار عتبة نص وجماليات خط وصورة غلاف دون معالجة للمضمون ينشغل عما هو له بما اجتلب من بلاد الضباب من مصطلحات ترهق العقل وتذهب به أشتاتا.
حتى إذا ما نبغ في رواء الفن واحد وقفت كل تلك العوائق في طريقه تمنعه وتسد عليه نافذة الإبداع؛ أنه عاجز أو مقلد ولاتراه مبدعا يأتي بما بحمده الأوائل.
وإن احتفي بأدبنا وكرم أديب منا جادت كل محقدة قلب بما اعتمل داخلها من سوء فترى نجيب محفوظ مانالها إلا لعمالته وتخرصه وإفكه؛ يصرفون الناشئة عن روائع سرد ومكنون حبكته وإبداعه.

تعليق