#شيء من اللغة: في النقد اللغوي
د. هادي حسن حمودي
كتب لي الرحالة الشاعر باسم فرات متسائلا:
(أيهما أدقّ؟ وهل يجوز الوجهان في هذه الجملة: (لعل سحره يطرد تاريخ الدموع في أنفاسي؟ وهل (في) هنا لا غبار عليها؟ أم لا بد من القول: من أنفاسي)
فأجبته
كلاهما صحيح، ولكن على وفق المعنى المراد.
تقصّي الجواب:
النظرة الأولى للنص ستقول: إن الفعل (طرد) يحب الحرف (من) مثل: اطرد فلانا من بيتك. ولا يرفض (عن) مثل: اطرد الهموم عن قلبك. أما (في) مثل: أطرد الهموم في قلبك، فمعناه التي في قلبك. ولكلّ دلالته الخاصة به.
وسِرْ معي إن أحببت.
لقد جاء الفعل ومشتقاته في التنزيل العزيز خمس مرات مكتفيا بالمفعول، كما في: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). قالوا في معناها: إنّ الطرد: الإبعاد. ولكن الاستعمال يفيدنا أنّ الطرد ليس الإبعاد فحسب، بل هو الإبعاد بقسوة وتصميم. ومنه أطرد القاضي فلانا وطَرَدَهُ، أي أخرجَه من بلده مُكرها، والطريدة: الصيد. وتطارد القوم: حمل بعضهم على بعض.
وعلى هذا لك أن تقول: أبعدتُ فلانا عني، إذا طلبت منه أن يبتعد عنك فابتعد. أما إذا أبعدته بقوة وتصميم فقد طردته، والتراجع عن الإبعاد أسهل من التراجع عن الطرد. لذلك يستعمل الطرد، غالبا، في الحالات التي لا رجوع فيها عنه.
ومن البُعْد كلمة (البعيد) و(بُعدا). من الأولى (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا). ومن الثانية: (وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). وضدّ البعيدِ القريبُ (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا. وَنَرَاهُ قَرِيبًا). وللطرد أضداد أبرزها الإيواء.
ومن الفوارق بين الطرد والإبعاد: أن الإبعاد يقع على كل الأشياء: أبعدت الدواء عن الأطفال. ويصح الطرد مع الأحياء، طردت فلانا، وطاردت الصيد. ومع غيرهم مجازا حين يصحّ ذلك، كما في: اطّرد الشيء اطّرادا، تتابع بانتظام.
وسنعقد حلقة خاصة عن ( ب ع د) إن شاء الله.
ومن هنا فإن استعمال (يطرد) في الجملة المذكورة (لعل سحره يطرد تاريخ الدموع في أنفاسي) أدخل في باب المجاز والمبالغة منه إلى أصل الاستعمال اللغوي، فهو مقبول كما قُبلت الاستعارات الموصوفة بالاستعارات المكنية والبعيدة، كقول امرئ القيس:
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ وأَرْدَفَ أَعْجَازًا ونَاءَ بِكَلْكَلِ
فالجملة تقول إن للدموع تاريخا، وهذا التاريخ مقيم لا في عيني كاتبها فحسب، بل في أنفاسه، أيضا. مما يؤدي بنا إلى تفهم الفرق بين (من أنفاسي) و(في أنفاسي).
إذا كان النص (من أنفاسي) فيكون الطرد أيسر وأكثر احتمالا، لأنه جزء من تلك الأنفاس، فـ(من) تفيد التبعيض. فهو بعض أنفاسه,
أما (عن أنفاسي) فهو مثل قولك: اطرد الهم عن قلبك، فكأنه شيء سطحي عليك أن تكشفه، فالشاعر جسّد الأنفاس وجعل غشاءها (تاريخ الدموع).
أما إذا كان النص (في أنفاسي) فلا تبعيض، ولا تسطيح. وكأن (تاريخ الدموع) مقيم في أنفاسه متوشّج معها حتى أصبح جزءا لا يتجزأ منها، فهو يتنفس الألم والحزن. ولكنّ الشاعر يعيش بأمل (عسى ولعلّ) أن يتمكن سحرُ المشارِ إليه في النص أن يزيلها. فالأمل هنا كأنه الموت، لأن الأمل عشبة تنبت حتى بين القبور.
وعلى هذا فإنّ (سحره) يصطدم بـ(تاريخ الدموع) كما يصطدم قرن الوعل بصخرة ولا يؤثر فيها حسب قول الأعشى:
كناطحٍ صخرةً يومًا لِيُوْهِنَها
فلمْ يَضِرْها وأوْهًى قَرْنَهُ الوَعِلُ
أما أيّ تعبير منها أكثر دقة؟ فكلّ منها دقيق حسب درجة الألم والحزن واليأس، ومدى عمقها وتغلغلها في نَفْس كاتب النص وأنفاسه، وإن كان استعمال (في) أعمق في تصوير الحالة، كما بيّنّا. ولا تكون (في أنفاسي) متعلقة بـ(يطرد) وسيكون المعنى: لعل سحره يطرد تاريخ الدموع (الساكن أو الثاوي أو المستقر..) في أنفاسي.
طيب الله أنفاس الجميع بالصحة والسعادة.
آمّين.
د. هادي حسن حمودي
كتب لي الرحالة الشاعر باسم فرات متسائلا:
(أيهما أدقّ؟ وهل يجوز الوجهان في هذه الجملة: (لعل سحره يطرد تاريخ الدموع في أنفاسي؟ وهل (في) هنا لا غبار عليها؟ أم لا بد من القول: من أنفاسي)
فأجبته
كلاهما صحيح، ولكن على وفق المعنى المراد.
تقصّي الجواب:
النظرة الأولى للنص ستقول: إن الفعل (طرد) يحب الحرف (من) مثل: اطرد فلانا من بيتك. ولا يرفض (عن) مثل: اطرد الهموم عن قلبك. أما (في) مثل: أطرد الهموم في قلبك، فمعناه التي في قلبك. ولكلّ دلالته الخاصة به.
وسِرْ معي إن أحببت.
لقد جاء الفعل ومشتقاته في التنزيل العزيز خمس مرات مكتفيا بالمفعول، كما في: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). قالوا في معناها: إنّ الطرد: الإبعاد. ولكن الاستعمال يفيدنا أنّ الطرد ليس الإبعاد فحسب، بل هو الإبعاد بقسوة وتصميم. ومنه أطرد القاضي فلانا وطَرَدَهُ، أي أخرجَه من بلده مُكرها، والطريدة: الصيد. وتطارد القوم: حمل بعضهم على بعض.
وعلى هذا لك أن تقول: أبعدتُ فلانا عني، إذا طلبت منه أن يبتعد عنك فابتعد. أما إذا أبعدته بقوة وتصميم فقد طردته، والتراجع عن الإبعاد أسهل من التراجع عن الطرد. لذلك يستعمل الطرد، غالبا، في الحالات التي لا رجوع فيها عنه.
ومن البُعْد كلمة (البعيد) و(بُعدا). من الأولى (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا). ومن الثانية: (وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). وضدّ البعيدِ القريبُ (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا. وَنَرَاهُ قَرِيبًا). وللطرد أضداد أبرزها الإيواء.
ومن الفوارق بين الطرد والإبعاد: أن الإبعاد يقع على كل الأشياء: أبعدت الدواء عن الأطفال. ويصح الطرد مع الأحياء، طردت فلانا، وطاردت الصيد. ومع غيرهم مجازا حين يصحّ ذلك، كما في: اطّرد الشيء اطّرادا، تتابع بانتظام.
وسنعقد حلقة خاصة عن ( ب ع د) إن شاء الله.
ومن هنا فإن استعمال (يطرد) في الجملة المذكورة (لعل سحره يطرد تاريخ الدموع في أنفاسي) أدخل في باب المجاز والمبالغة منه إلى أصل الاستعمال اللغوي، فهو مقبول كما قُبلت الاستعارات الموصوفة بالاستعارات المكنية والبعيدة، كقول امرئ القيس:
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ وأَرْدَفَ أَعْجَازًا ونَاءَ بِكَلْكَلِ
فالجملة تقول إن للدموع تاريخا، وهذا التاريخ مقيم لا في عيني كاتبها فحسب، بل في أنفاسه، أيضا. مما يؤدي بنا إلى تفهم الفرق بين (من أنفاسي) و(في أنفاسي).
إذا كان النص (من أنفاسي) فيكون الطرد أيسر وأكثر احتمالا، لأنه جزء من تلك الأنفاس، فـ(من) تفيد التبعيض. فهو بعض أنفاسه,
أما (عن أنفاسي) فهو مثل قولك: اطرد الهم عن قلبك، فكأنه شيء سطحي عليك أن تكشفه، فالشاعر جسّد الأنفاس وجعل غشاءها (تاريخ الدموع).
أما إذا كان النص (في أنفاسي) فلا تبعيض، ولا تسطيح. وكأن (تاريخ الدموع) مقيم في أنفاسه متوشّج معها حتى أصبح جزءا لا يتجزأ منها، فهو يتنفس الألم والحزن. ولكنّ الشاعر يعيش بأمل (عسى ولعلّ) أن يتمكن سحرُ المشارِ إليه في النص أن يزيلها. فالأمل هنا كأنه الموت، لأن الأمل عشبة تنبت حتى بين القبور.
وعلى هذا فإنّ (سحره) يصطدم بـ(تاريخ الدموع) كما يصطدم قرن الوعل بصخرة ولا يؤثر فيها حسب قول الأعشى:
كناطحٍ صخرةً يومًا لِيُوْهِنَها
فلمْ يَضِرْها وأوْهًى قَرْنَهُ الوَعِلُ
أما أيّ تعبير منها أكثر دقة؟ فكلّ منها دقيق حسب درجة الألم والحزن واليأس، ومدى عمقها وتغلغلها في نَفْس كاتب النص وأنفاسه، وإن كان استعمال (في) أعمق في تصوير الحالة، كما بيّنّا. ولا تكون (في أنفاسي) متعلقة بـ(يطرد) وسيكون المعنى: لعل سحره يطرد تاريخ الدموع (الساكن أو الثاوي أو المستقر..) في أنفاسي.
طيب الله أنفاس الجميع بالصحة والسعادة.
آمّين.
المصدر
