اللغة العربية وتدريس العلوم: الماضي والواقع والمأمول
د. عبد العزيز المطاد
لقد استطاعت اللغة العربية عبر القرون المتتالية أن تحافظ على بقائها وتوازنها الحركي، فامتصت اللغات الخاصة و المفاهيم النظرية الإغريقية وأوجدت لها مقابلات عربية أحيانا ومعربة أحيانا أخرى. وما دامت العربية قد استطاعت فعل ذلك مع أعقد المفاهيم واللغات المنطقية والرياضية في تلك الآونة، فهذا دليل على قدرتها التعبيرية على أدق التصورات التجريدية وأعقد المفاهيم النظرية. وهي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، بخلق وحدات عربية أو معربة في مختلف الميادين العلمية والتقنية والفنية والإدارية. فأمام التدفق الهائل للمفاهيم لا بد للمختص أن يكون على اطلاع بأحدث التصورات في مجال تخصصه وأن يحين معارفه كلما تطورت المفاهيم.
إن تاريخ اللغة العربية يؤكد استعمالها وتعريبها للعلوم لقرون عديدة، وامتدت اللغة العربية العلمية من تخوم الصين إلى سواحل الأطلسي وبلاد الأندلس وجزر المتوسط، ومن أقاصي طشقند إلى منابع النيل في أواسط أفريقيا. قال "جورج سارطون" في كتابه "تاريخ العلوم: "لقد كان العرب أعظم المعلمين في العالم وقد زادوا على العلوم التي أخذوها ولم يكتفوا بذلك بل أوصلوها إلى درجة جديرة بالاعتبار من حيث النمو والارتقاء"، إلا أن هناك من يقود حملة على اللغة العربية من أجانب وعرب ومنظمات دولية زاعمين أنها لا تصلح للغات العصر وعلومه، بل أنها سبب التأخر والتخلف. وهناك من دعا صراحة إلى تركها إلى العامية أو استعمال لغة أخرى بدلها وقد سبق أن سمعنا مثل هذه الآراء على لسان عبد العزيز فهمي وأحمد لطفي السيد وسلامة موسى وسعيد عقل واللائحة تطول مع مرور الزمن. لكن العربية ما زالت صامدة يتطور رصيدها المعجمي -المشترك والعلمي والمتخصص- عاما بعد عام.
ولقد أجمع اللسانيون وأهل الفكر أن اللغة العربية لغة مطواعة، لها من الخصائص الصرفية والاشتقاقية والتركيبية ما يجعلها قادرة على مواكبة العلوم، وتشكيل اللغات الخاصة داخل ميادين مختلفة. وأقرت هيئة الأمم المتحدة، والمنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة، والهيئات، والوكالات الدولية ،بأن العربية لغة عالمية حية، واعتمدتها لغة رسمية إلى جانب باقي اللغات الحية كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية.
ولكن اللغة العربية رغم المميزات السابقة التي ذكرناها أعلاه ،فإنها مازالت تعاني من بعض الصعوبات في إنتاج وتعريب العلوم ، نظرا لتشعب العلوم وتفرعها إلى تخصصات دقيقة أدت إلى توليد الآلاف من المصطلحات والمفاهيم والتراكيب الخاصة،يصعب على العربية اليوم استيعابها بنوع من الدقة، مما يجعل إعداد اللغة العربية لتصبح لغة لتدريس العلوم أمرا صعبا في ظل غياب رؤية واضحة لهذا الإعداد من قبل الجهات الوصية. وإذا كانت اللغة الفرنسية اليوم تجد صعوبة كبيرة في مسايرة تدفق المعرفة وما تولده من لغات خاصة ومصطلحات ومفاهيم فما بالك باللغة العربية. إن عدم وجود سياسة عربية وقومية موحدة لمسايرة التقدم العلمي والتكنولوجي لهُوَ من أهم أسباب ضعف اللغة العربية العلمية.
يُعتبر تعريب اللغات الخاصة من أصعب القضايا اللغوية المطروحة -الآن- في العالم العربي ،لأنه يهم تعريب لغات متخصصة في ميادين علمية مختلفة هي أساس التطور للتوصل إلى التقدم العلمي، والاقتصادي، والاجتماعي في العصر الحديث. ولقد انتبهت إلى ضرورة ترجمة اللغات الخاصة دول متقدمة ،نحو الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، والصين، وبعض الدول الأوروبية المتقدمة. فانكبوا على إنشاء مؤسسات خاصة بترجمة اللغات الخاصة في شتى المجالات(العلوم –الفنون- الصناعات...) .وكان كل ما يصدر من كتب ومجلات ومقالات في العالم يترجم بشكل فوري، ثم يخزن في قواعد معطيات محوسبة ليستغل عند الضرورة.
وأما في العالم العربي، فإن تعريب اللغات الخاصة لم يأخذ بعد قسطه من طابع الاستعجال والأسبقية والأهمية، للنهوض بتعريب مواكب لمقتضيات العلوم والتقنيات في عصرنا الحاضر. وذلك راجع إلى أسباب منها: أن التعريب في الوطن العربي لم ينطلق من نفس المبادئ التي انطلق منها استعمال اللغة الوطنية في البلدان الأوروبية، والتي اعتمدت على ترجمة الكتب المدرسية ترجمة وفية ،بضبط المصطلحات والتعابير الحديثة، إلى أن صارت قادرة على مسايرة العلوم والتقنيات المعاصرة بلغتها الوطنية.
لقد تم إدراج التعريب في معظم بلدان العالم العربي بدون ضبط أدواته التعليمية فصُنفت كتب مدرسية فيها فراغات مفاهيمية واصطلاحية لا ترقى إلى مستوى الكتاب المدرسي الغربي. وتأخر العرب في ضبط المصطلحات العلمية والتقنية باللغة العربية، مما انعكس على جودة تعريب اللغات الخاصة. ورغم الجهود المبذولة من قبل المجامع اللغوية في وضع المصطلحات العلمية، إلا أنه مجهود غير مكتمل بالنظر إلى متطلبات العصر، وبالنظر إلى الاضطرابات في المصطلحات غير الموحدة ،بسبب عدم التنسيق وتوحيد منهجية الاشتغال، بناء على آراء العلماء والمثقفين.فهذه الهيئات المهتمة بالتعريب ووضع المصطلحات لا تستشير دائما من العلماء من تجب استشارته. وتمكن في بعض الأحيان من لا علم لهم من تعريب اللغات الخاصة وتصنيف الكتب العلمية و المدرسية.ناهيك عن الارتجال السائد في التأليف المعجمي القطاعي، فلا ما هو مخزون في التراث العربي استُغل بطرق رشيدة، ولا ما وُلد و وُضع اعتُمد في توليده ووضعه مصطلحات موحدة بين الباحثين العرب. والنتيجة أن المترجم يحار فيما يجده من الاختلافات بين القواميس القطاعية، ولا يجد من المعاجم المتخصصة ما يشفي غليله، وهو المطالب بتجنب كل لبس أو خلط أو تعتيم. وبصفة عامة، فإن مشكلة اللغات الخاصة، ولا سيما المستخدم منها في التدريس والتعليم، قد أعيرت اهتماما كبيرا في الفترات الأخيرة، وتعددت المؤسسات المسؤولة عن إيجاد المقابلات العربية للمصطلحات التقنية والعلمية والفنية. ومنها ما قام به مكتب تنسيق التعريب، ومعهد الدراسات والأبحاث من أجل التعريب بالرباط، من مشاريع مهمة في مجال المعاجم الخاصة والقطاعية، كمعاجم الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الحيوان والنبات والجيولوجيا والجغرافيا والفلسفة وغيرها...كما طُبعت عدة معاجم متخصصة تحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، إلا أنها بقيت مخزنة على الرفوف تتآكلها الرطوبة، ولم تبرُز للناس ولم توزع على جمهور المتخصصين والمستعملين. ولعل وسائل التكنولوجيا الحديثة قد تخرجها إلى العموم في صيغة إلكترونية أو مُحَوْسَبة.
بالإضافة إلى ذلك، تكاثرت المجامع اللغوية في البلدان العربية،كل يعمل منعزلا ،متجاهلا ما عداه، ولكل منهجه الخاص. إننا نرى كثرة من المجامع اللغوية تتوزع في الوطن العربي، ونشاهد جهودا تتشتت ومناهج تختلف. ولعل الوقت قد حان للتفكير في خلق مجلس عربي أعلى للتعليم العالي يمثل المجالس القُطرية للتعليم في العالم العربي، يضطلع بمهمة التخطيط المحكم للبرامج والمناهج المشتركة، ويواكب بانتظام تطور العلوم وتقدم التقنيات، ويقرر في سياسة التعريب والترجمة، ويعمل على نشر وتوزيع أعماله على الجامعات العربية، ويكون جسرا بين أهل العلم وأولي الأمر في الوطن العربي .
لقد هيمنت على وجدان البعض فكرة شمولية اللغة العربية وطاقتها الكامنة في بطون الكتابات التراثية ،مما أدى إلى الخلط بين الإمكانات اللسانية التي تتسم بها اللغة العربية للتعبير عن المفاهيم الحديثة، وبين ما هو جاهز فيها من منتوج تعبيري عن المفاهيم المستحدثة أو الطارئة. فهل هناك إدراك بعلو المستوى الذي ارتقت إليه العلوم العصرية في تشعبها وتشابكها وتعقد معطياتها ودقة أساليبها في البحث والاستنتاج؟ أم أن الاعتزاز المفرط بماضي العربية المجيد، والتمدُح للعلماء من السلف، شغل البعض عن تقصي الأمور؟
نعم إن اللغة العربية من أقدم اللغات، وقد رافقت حضارات متعددة وساهمت في إغناء لغات أخرى ومدتها بمفاهيم متطورة، وهي الآن من اللغات التي يعترف بها المجتمع الدولي كلغة للتربية والثقافة والتعليم .لذلك فإن تعريب اللغات الخاصة اليوم يعد ضرورة قومية واجتماعية وتربوية وعلمية . فاللغة العربية هي لغة ما يزيد عن مائة وخمسين مليونا من العرب . وهي عماد تكوين مفهوم الأمة العربية .وقد صمدت في وجه محاولات سعت، وما زالت، لقهرها واجتثاثها وتغييرها بلغات أخرى، كالتركية و الفرنسية والأنجليزية و الإيطالية ؛ إذ كانت لغات أجنبية كالفارسية والتركية هي السائدة في كل مرافق بعض الدول، ما عدا في المغرب الذي حافظ على العربية الفصحى في مراسلاته الإدارية مع الشعب. فالعربية تعايشت مع هذه اللغات وفرضت نفسها بينها ،ولكن كلغة عامة أو مشتركة قلما يلتجأ إليها في التواصل التقني أو العلوم الدقيقة، مع ما يقابل ذلك من قصور في مجارات اللغات الخاصة ولغات العلوم على وجه التحديد، مما أدخل بعضا من الضيم على اللغة العربية الخاصة أو العلمية.
يخبرنا تاريخ التربية و اللغات المتخصصة، أن اللغة الخاصة بالتدريس عند سومر في الألف الثالث قبل الميلاد، كانت هي اللغة السومرية، ثم صارت بعد ذلك في عهد الآكاديين اللغة السومرية الآكادية،إذ كانت الآداب تدرس باللغة الآكادية و العلوم باللغة السومرية. فدعى ذلك الوضع إلى تصنيف قواميس ثنائية اللغة تعد أول القواميس المعروفة إلى اليوم.
ومما سجله التاريخ العلمي الأوروبي، أن الثقافة المزدوجة للمفكر الروماني "شيشرو"هي التي رفعت اللاتينية إلى مستوى اللغات الخاصة المؤهلة للمساجلات المتخصصة في الفلسفة والأدب. وهذا يذكرنا بالخدمات التي قدمها ابن المقفع للغة العربية رغم أصوله الفارسية، حيث لقحها بثقافات أخرى ،وأدخل عليها تراكيب وتعابير لم تكن مألوفة من قبل. وفي نفس السياق تمكنت مجموعة "لوبْلِييَاد" في القرن السادس عشر من ترقية إحدى اللهجات الفرنسية إلى مستوى اللغة المتخصصة التي انطلق منها الأدب الفرنسي الكلاسيكي.
واللغة العربية تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى هذه الحركات الفكرية والثقافية الواعية، إذ لا يمكن الحديث عن تعريب العلوم أو اللغات الخاصة في معزل عن تعريب الثقافة، لأن التعريب في المجال الثقافي هو بمثابة التجارة في المجال الاقتصادي.فبدون تجارة لا يمكن للاقتصاد أن يتطور،وبدون تعريب لايمكن للثقافة العربية إلا أن تتحجر في قوالب لغات أخرى، بعيدة عن هويتنا وقوميتنا التي بها نكون.
لقد دخلت الهندَ علومُ العصر قبل الصين بأكثر من قرنين، ولكن الهند متخلفة الآن عن الصين،ومن أسباب ذلك، اللغة الإنجليزية التي هي لغة التخصص، و لغة العلم والتكنولوجيا في الهند. وكانت الصين في وضع مشابه للهند إلا أن "ماوتسي تونغ" اتخذ قرار اعتماد اللغة الخانية(لغة بيكين) لغة رسمية للبلاد ،وعممها كلغة خاصة بالتعليم والبحث العلمي.
وفي نفس السياق، قفزت سنغفورا وأندونيسيا وماليزيا من حضيض التخلف إلى أوج التقدم باستعمال اللغة المالايْوية. واستطاع الإسرائيليون الرقي بلغتهم .وأضحت العبرية لغة العلوم .وتشير الدراسات إلى أن الباحثين الإسرائيليين نشروا في عقد واحد ما يقارب ستة وسبعين ألف 76.000 بحث علمي متخصص، مقابل أربعة و أربعين ألف(44.000) بحث علمي لكل العرب .
لقد كان العالم الإسلامي سباقا إلى تعريب العلوم واللغات الخاصة بميادين مختلفة. وبيت الحكمة في بغداد تجسيد لذلك. وقد قلده المسيحيون بعد ثلاثة قرون في أوروبا، وأحدثوا مدرسة طليطلة للمترجمين وكان دورها محوريا في نقل العلوم العربية إلى اللغة اللاتينية. وقد سبق للأمة العربية أن خاضت تجربة رائدة في تعريب لغات التخصص، ولعل أروعها وأغناها في تاريخ الفكر الإنساني هي تجربة دامت ثلاثة قرون كاملة،امتدت من القرن الثامن إلى القرن العاشر ميلادي ،ثم أعقبتها في الاتجاه المعاكس تجربة نقل علوم العرب إلى الغرب على مدى قرنين من الزمان ،هما القرنان الميلاديان الثاني عشر والثالث عشر. و كان من أبرز هذه الصحوات قبل ثلاثة قرون ،تلك الصحوة التي حمل لواءها البغدادي صاحب "الخزانة"، والزبيدي صاحب "تاج العروس"، والجَبَرتي الكبير صاحب المخترعات الميكانيكية والصنائع الحضارية، التي تعلمها منه طلاب الإفرنج ،وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها العلم ،وأخرجوه من القوة إلى الفعل،واستخرجوا به الصنائع البديعة.
ولقد عدد ابن النديم في فهرسته من التراجمة الأوائل للغات العلوم ،مَن كان ينقل عن الفارسية ،كابن المقفع، ويونسَ وموسى ابنيْ خالد، والحسن بن سهل، والبلاذُري أحمد بن يحيى بن جابر (المؤرخ) ، وإسحاق بن يزيد، ومحمد بن الجهم البرمكي. ومنهم من كان ينقل عن الهندية والنبطية ،كابن وحشية، وابن دهب الهندي. ومنهم من كان ينقل عن السريانية،أو عن اليونانية مباشرة، كابن ناعمة الحِمْصي، وهلال الصابي، وقُسطا بن لوقا البعلبكي، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرة، وعيسى بن يحيى الدمشقي.
ويحكى أن الخليفة السابع عبد الله(المأمون) بن هارون الرشيد أقبل على طلب العلم، فداخل ملوك الروم وأتحفهم بالهدايا وسألهم ما لديهم من كتب العلم، فبعثوا إليه كتب أفلاطون، وأرسطوطاليس، وأبقراط، وجالينوس، وإقليدس، وبطليْموس. واستجاد لها مهرة التراجمة وكلفهم بترجمتها إلى اللغة العربية.
د. عبد العزيز المطاد
لقد استطاعت اللغة العربية عبر القرون المتتالية أن تحافظ على بقائها وتوازنها الحركي، فامتصت اللغات الخاصة و المفاهيم النظرية الإغريقية وأوجدت لها مقابلات عربية أحيانا ومعربة أحيانا أخرى. وما دامت العربية قد استطاعت فعل ذلك مع أعقد المفاهيم واللغات المنطقية والرياضية في تلك الآونة، فهذا دليل على قدرتها التعبيرية على أدق التصورات التجريدية وأعقد المفاهيم النظرية. وهي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، بخلق وحدات عربية أو معربة في مختلف الميادين العلمية والتقنية والفنية والإدارية. فأمام التدفق الهائل للمفاهيم لا بد للمختص أن يكون على اطلاع بأحدث التصورات في مجال تخصصه وأن يحين معارفه كلما تطورت المفاهيم.
إن تاريخ اللغة العربية يؤكد استعمالها وتعريبها للعلوم لقرون عديدة، وامتدت اللغة العربية العلمية من تخوم الصين إلى سواحل الأطلسي وبلاد الأندلس وجزر المتوسط، ومن أقاصي طشقند إلى منابع النيل في أواسط أفريقيا. قال "جورج سارطون" في كتابه "تاريخ العلوم: "لقد كان العرب أعظم المعلمين في العالم وقد زادوا على العلوم التي أخذوها ولم يكتفوا بذلك بل أوصلوها إلى درجة جديرة بالاعتبار من حيث النمو والارتقاء"، إلا أن هناك من يقود حملة على اللغة العربية من أجانب وعرب ومنظمات دولية زاعمين أنها لا تصلح للغات العصر وعلومه، بل أنها سبب التأخر والتخلف. وهناك من دعا صراحة إلى تركها إلى العامية أو استعمال لغة أخرى بدلها وقد سبق أن سمعنا مثل هذه الآراء على لسان عبد العزيز فهمي وأحمد لطفي السيد وسلامة موسى وسعيد عقل واللائحة تطول مع مرور الزمن. لكن العربية ما زالت صامدة يتطور رصيدها المعجمي -المشترك والعلمي والمتخصص- عاما بعد عام.
ولقد أجمع اللسانيون وأهل الفكر أن اللغة العربية لغة مطواعة، لها من الخصائص الصرفية والاشتقاقية والتركيبية ما يجعلها قادرة على مواكبة العلوم، وتشكيل اللغات الخاصة داخل ميادين مختلفة. وأقرت هيئة الأمم المتحدة، والمنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة، والهيئات، والوكالات الدولية ،بأن العربية لغة عالمية حية، واعتمدتها لغة رسمية إلى جانب باقي اللغات الحية كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية.
ولكن اللغة العربية رغم المميزات السابقة التي ذكرناها أعلاه ،فإنها مازالت تعاني من بعض الصعوبات في إنتاج وتعريب العلوم ، نظرا لتشعب العلوم وتفرعها إلى تخصصات دقيقة أدت إلى توليد الآلاف من المصطلحات والمفاهيم والتراكيب الخاصة،يصعب على العربية اليوم استيعابها بنوع من الدقة، مما يجعل إعداد اللغة العربية لتصبح لغة لتدريس العلوم أمرا صعبا في ظل غياب رؤية واضحة لهذا الإعداد من قبل الجهات الوصية. وإذا كانت اللغة الفرنسية اليوم تجد صعوبة كبيرة في مسايرة تدفق المعرفة وما تولده من لغات خاصة ومصطلحات ومفاهيم فما بالك باللغة العربية. إن عدم وجود سياسة عربية وقومية موحدة لمسايرة التقدم العلمي والتكنولوجي لهُوَ من أهم أسباب ضعف اللغة العربية العلمية.
يُعتبر تعريب اللغات الخاصة من أصعب القضايا اللغوية المطروحة -الآن- في العالم العربي ،لأنه يهم تعريب لغات متخصصة في ميادين علمية مختلفة هي أساس التطور للتوصل إلى التقدم العلمي، والاقتصادي، والاجتماعي في العصر الحديث. ولقد انتبهت إلى ضرورة ترجمة اللغات الخاصة دول متقدمة ،نحو الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، والصين، وبعض الدول الأوروبية المتقدمة. فانكبوا على إنشاء مؤسسات خاصة بترجمة اللغات الخاصة في شتى المجالات(العلوم –الفنون- الصناعات...) .وكان كل ما يصدر من كتب ومجلات ومقالات في العالم يترجم بشكل فوري، ثم يخزن في قواعد معطيات محوسبة ليستغل عند الضرورة.
وأما في العالم العربي، فإن تعريب اللغات الخاصة لم يأخذ بعد قسطه من طابع الاستعجال والأسبقية والأهمية، للنهوض بتعريب مواكب لمقتضيات العلوم والتقنيات في عصرنا الحاضر. وذلك راجع إلى أسباب منها: أن التعريب في الوطن العربي لم ينطلق من نفس المبادئ التي انطلق منها استعمال اللغة الوطنية في البلدان الأوروبية، والتي اعتمدت على ترجمة الكتب المدرسية ترجمة وفية ،بضبط المصطلحات والتعابير الحديثة، إلى أن صارت قادرة على مسايرة العلوم والتقنيات المعاصرة بلغتها الوطنية.
لقد تم إدراج التعريب في معظم بلدان العالم العربي بدون ضبط أدواته التعليمية فصُنفت كتب مدرسية فيها فراغات مفاهيمية واصطلاحية لا ترقى إلى مستوى الكتاب المدرسي الغربي. وتأخر العرب في ضبط المصطلحات العلمية والتقنية باللغة العربية، مما انعكس على جودة تعريب اللغات الخاصة. ورغم الجهود المبذولة من قبل المجامع اللغوية في وضع المصطلحات العلمية، إلا أنه مجهود غير مكتمل بالنظر إلى متطلبات العصر، وبالنظر إلى الاضطرابات في المصطلحات غير الموحدة ،بسبب عدم التنسيق وتوحيد منهجية الاشتغال، بناء على آراء العلماء والمثقفين.فهذه الهيئات المهتمة بالتعريب ووضع المصطلحات لا تستشير دائما من العلماء من تجب استشارته. وتمكن في بعض الأحيان من لا علم لهم من تعريب اللغات الخاصة وتصنيف الكتب العلمية و المدرسية.ناهيك عن الارتجال السائد في التأليف المعجمي القطاعي، فلا ما هو مخزون في التراث العربي استُغل بطرق رشيدة، ولا ما وُلد و وُضع اعتُمد في توليده ووضعه مصطلحات موحدة بين الباحثين العرب. والنتيجة أن المترجم يحار فيما يجده من الاختلافات بين القواميس القطاعية، ولا يجد من المعاجم المتخصصة ما يشفي غليله، وهو المطالب بتجنب كل لبس أو خلط أو تعتيم. وبصفة عامة، فإن مشكلة اللغات الخاصة، ولا سيما المستخدم منها في التدريس والتعليم، قد أعيرت اهتماما كبيرا في الفترات الأخيرة، وتعددت المؤسسات المسؤولة عن إيجاد المقابلات العربية للمصطلحات التقنية والعلمية والفنية. ومنها ما قام به مكتب تنسيق التعريب، ومعهد الدراسات والأبحاث من أجل التعريب بالرباط، من مشاريع مهمة في مجال المعاجم الخاصة والقطاعية، كمعاجم الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الحيوان والنبات والجيولوجيا والجغرافيا والفلسفة وغيرها...كما طُبعت عدة معاجم متخصصة تحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، إلا أنها بقيت مخزنة على الرفوف تتآكلها الرطوبة، ولم تبرُز للناس ولم توزع على جمهور المتخصصين والمستعملين. ولعل وسائل التكنولوجيا الحديثة قد تخرجها إلى العموم في صيغة إلكترونية أو مُحَوْسَبة.
بالإضافة إلى ذلك، تكاثرت المجامع اللغوية في البلدان العربية،كل يعمل منعزلا ،متجاهلا ما عداه، ولكل منهجه الخاص. إننا نرى كثرة من المجامع اللغوية تتوزع في الوطن العربي، ونشاهد جهودا تتشتت ومناهج تختلف. ولعل الوقت قد حان للتفكير في خلق مجلس عربي أعلى للتعليم العالي يمثل المجالس القُطرية للتعليم في العالم العربي، يضطلع بمهمة التخطيط المحكم للبرامج والمناهج المشتركة، ويواكب بانتظام تطور العلوم وتقدم التقنيات، ويقرر في سياسة التعريب والترجمة، ويعمل على نشر وتوزيع أعماله على الجامعات العربية، ويكون جسرا بين أهل العلم وأولي الأمر في الوطن العربي .
لقد هيمنت على وجدان البعض فكرة شمولية اللغة العربية وطاقتها الكامنة في بطون الكتابات التراثية ،مما أدى إلى الخلط بين الإمكانات اللسانية التي تتسم بها اللغة العربية للتعبير عن المفاهيم الحديثة، وبين ما هو جاهز فيها من منتوج تعبيري عن المفاهيم المستحدثة أو الطارئة. فهل هناك إدراك بعلو المستوى الذي ارتقت إليه العلوم العصرية في تشعبها وتشابكها وتعقد معطياتها ودقة أساليبها في البحث والاستنتاج؟ أم أن الاعتزاز المفرط بماضي العربية المجيد، والتمدُح للعلماء من السلف، شغل البعض عن تقصي الأمور؟
نعم إن اللغة العربية من أقدم اللغات، وقد رافقت حضارات متعددة وساهمت في إغناء لغات أخرى ومدتها بمفاهيم متطورة، وهي الآن من اللغات التي يعترف بها المجتمع الدولي كلغة للتربية والثقافة والتعليم .لذلك فإن تعريب اللغات الخاصة اليوم يعد ضرورة قومية واجتماعية وتربوية وعلمية . فاللغة العربية هي لغة ما يزيد عن مائة وخمسين مليونا من العرب . وهي عماد تكوين مفهوم الأمة العربية .وقد صمدت في وجه محاولات سعت، وما زالت، لقهرها واجتثاثها وتغييرها بلغات أخرى، كالتركية و الفرنسية والأنجليزية و الإيطالية ؛ إذ كانت لغات أجنبية كالفارسية والتركية هي السائدة في كل مرافق بعض الدول، ما عدا في المغرب الذي حافظ على العربية الفصحى في مراسلاته الإدارية مع الشعب. فالعربية تعايشت مع هذه اللغات وفرضت نفسها بينها ،ولكن كلغة عامة أو مشتركة قلما يلتجأ إليها في التواصل التقني أو العلوم الدقيقة، مع ما يقابل ذلك من قصور في مجارات اللغات الخاصة ولغات العلوم على وجه التحديد، مما أدخل بعضا من الضيم على اللغة العربية الخاصة أو العلمية.
يخبرنا تاريخ التربية و اللغات المتخصصة، أن اللغة الخاصة بالتدريس عند سومر في الألف الثالث قبل الميلاد، كانت هي اللغة السومرية، ثم صارت بعد ذلك في عهد الآكاديين اللغة السومرية الآكادية،إذ كانت الآداب تدرس باللغة الآكادية و العلوم باللغة السومرية. فدعى ذلك الوضع إلى تصنيف قواميس ثنائية اللغة تعد أول القواميس المعروفة إلى اليوم.
ومما سجله التاريخ العلمي الأوروبي، أن الثقافة المزدوجة للمفكر الروماني "شيشرو"هي التي رفعت اللاتينية إلى مستوى اللغات الخاصة المؤهلة للمساجلات المتخصصة في الفلسفة والأدب. وهذا يذكرنا بالخدمات التي قدمها ابن المقفع للغة العربية رغم أصوله الفارسية، حيث لقحها بثقافات أخرى ،وأدخل عليها تراكيب وتعابير لم تكن مألوفة من قبل. وفي نفس السياق تمكنت مجموعة "لوبْلِييَاد" في القرن السادس عشر من ترقية إحدى اللهجات الفرنسية إلى مستوى اللغة المتخصصة التي انطلق منها الأدب الفرنسي الكلاسيكي.
واللغة العربية تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى هذه الحركات الفكرية والثقافية الواعية، إذ لا يمكن الحديث عن تعريب العلوم أو اللغات الخاصة في معزل عن تعريب الثقافة، لأن التعريب في المجال الثقافي هو بمثابة التجارة في المجال الاقتصادي.فبدون تجارة لا يمكن للاقتصاد أن يتطور،وبدون تعريب لايمكن للثقافة العربية إلا أن تتحجر في قوالب لغات أخرى، بعيدة عن هويتنا وقوميتنا التي بها نكون.
لقد دخلت الهندَ علومُ العصر قبل الصين بأكثر من قرنين، ولكن الهند متخلفة الآن عن الصين،ومن أسباب ذلك، اللغة الإنجليزية التي هي لغة التخصص، و لغة العلم والتكنولوجيا في الهند. وكانت الصين في وضع مشابه للهند إلا أن "ماوتسي تونغ" اتخذ قرار اعتماد اللغة الخانية(لغة بيكين) لغة رسمية للبلاد ،وعممها كلغة خاصة بالتعليم والبحث العلمي.
وفي نفس السياق، قفزت سنغفورا وأندونيسيا وماليزيا من حضيض التخلف إلى أوج التقدم باستعمال اللغة المالايْوية. واستطاع الإسرائيليون الرقي بلغتهم .وأضحت العبرية لغة العلوم .وتشير الدراسات إلى أن الباحثين الإسرائيليين نشروا في عقد واحد ما يقارب ستة وسبعين ألف 76.000 بحث علمي متخصص، مقابل أربعة و أربعين ألف(44.000) بحث علمي لكل العرب .
لقد كان العالم الإسلامي سباقا إلى تعريب العلوم واللغات الخاصة بميادين مختلفة. وبيت الحكمة في بغداد تجسيد لذلك. وقد قلده المسيحيون بعد ثلاثة قرون في أوروبا، وأحدثوا مدرسة طليطلة للمترجمين وكان دورها محوريا في نقل العلوم العربية إلى اللغة اللاتينية. وقد سبق للأمة العربية أن خاضت تجربة رائدة في تعريب لغات التخصص، ولعل أروعها وأغناها في تاريخ الفكر الإنساني هي تجربة دامت ثلاثة قرون كاملة،امتدت من القرن الثامن إلى القرن العاشر ميلادي ،ثم أعقبتها في الاتجاه المعاكس تجربة نقل علوم العرب إلى الغرب على مدى قرنين من الزمان ،هما القرنان الميلاديان الثاني عشر والثالث عشر. و كان من أبرز هذه الصحوات قبل ثلاثة قرون ،تلك الصحوة التي حمل لواءها البغدادي صاحب "الخزانة"، والزبيدي صاحب "تاج العروس"، والجَبَرتي الكبير صاحب المخترعات الميكانيكية والصنائع الحضارية، التي تعلمها منه طلاب الإفرنج ،وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها العلم ،وأخرجوه من القوة إلى الفعل،واستخرجوا به الصنائع البديعة.
ولقد عدد ابن النديم في فهرسته من التراجمة الأوائل للغات العلوم ،مَن كان ينقل عن الفارسية ،كابن المقفع، ويونسَ وموسى ابنيْ خالد، والحسن بن سهل، والبلاذُري أحمد بن يحيى بن جابر (المؤرخ) ، وإسحاق بن يزيد، ومحمد بن الجهم البرمكي. ومنهم من كان ينقل عن الهندية والنبطية ،كابن وحشية، وابن دهب الهندي. ومنهم من كان ينقل عن السريانية،أو عن اليونانية مباشرة، كابن ناعمة الحِمْصي، وهلال الصابي، وقُسطا بن لوقا البعلبكي، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرة، وعيسى بن يحيى الدمشقي.
ويحكى أن الخليفة السابع عبد الله(المأمون) بن هارون الرشيد أقبل على طلب العلم، فداخل ملوك الروم وأتحفهم بالهدايا وسألهم ما لديهم من كتب العلم، فبعثوا إليه كتب أفلاطون، وأرسطوطاليس، وأبقراط، وجالينوس، وإقليدس، وبطليْموس. واستجاد لها مهرة التراجمة وكلفهم بترجمتها إلى اللغة العربية.

تعليق