جناية الجامعة على الأدب العربي!
د. سيد شعبان
لو كان النقد مجاملة وقرابة لمات الإبداع عند أول بادرة، تلك مقالة تستوجب أن نضع تحتها خطوطا عراضا وألا نمر دون أن تسترعي الانتباه، لعل العارفين بمقالتي يدرون خلفية ما أستدعى أو أكتب؛ مجال الإبداع يتسع لكل ذي قريحة يخلص لفنه، ولا يحتاج شهادة عدول أو غيرهم؛ وحده الصدق في التجربة والثقافة الواسعة والتجديد وبراعة الصياغة، حاولت أن أترفق فنالني العسف والجور، ولي قلم - علم الله- يمسكه رئي من الجن أو فارس يصول في عجاج ولا يغمد حتى ينال من غريمه؛ لكنه الوفاء لمن أعرف وجمعتني به محبة، ليكن لمن أراد بغيته، فما كانت الجامعة حكرا على من تسنم مقعدها، شاءت إرادة الله ألا أكون أحدهم؛ لكنني سعيت ولو كانت الريادة جامعة ما تركها شاكر ولا اكتفى بها طه حسين.
معركة دارت حول التجديد في الشعر العربي في زمن نحتاج التجديد في كل شيء؛ أن تتحرك المياه الراكدة وأن نتخلص من تلك العوالق التي اختزنها النهر فأزكمت، وعطن المشرب وفسدت الحياة الأدبية، كنت داعية التجديد وصاحب المنزع السردي الذي ورث أعلامه ولم يعش في جلباب آبائه؛ وما كنت غير ابن رجل- رحمه الله- يعارك الجبل بمعوله فيحيله حدائق ذات بهجة؛ ثم يغمزني من أصفيت له الود وتلمست فيه زمالة التجديد وبراعة التصوير؛ أكان يرضيه أن أكون له البوق ينفخ به في كل واد أنني الشاعر الفرد والآتي بما لم تستطعه الأوائل؟
هﻻ طالعت ما كتبه الرافعي في العقاد أو زكي مبارك في حناية أحمد أمين على الأدب العربي؟
وما إخالك تجهل الحوار الأدبي حول الشعر في العصر للمبدع أبي الأنوار، لكنك تعجلت فهدمت، وأخذت محبك بغير ما قر في ذهنك أو ظننت به غير ما به!
إنه التجديد في الأدب العربي الذي أصيب بالعلل القوادح.
هل يرضيه أن أكون في عطفه؟
أو أثني عليه؟
ما كان النقد وصاية ولا جناية ولكنه القول الفصل في قضاء تجلله الموهبة ويصونه الإبداع، لك ما تهوى غير أن لغيرك قلمه؛ ومن ألف فقد استهدف؛ فحين يكون القول لابد من ميزان حق؛ وإلا كنا نخبط خبط عشواء أو نتأبط شرا.
نتهيب أن نقول إن الإبداع محاصر بنقاد يتخندقون مشهرين حرابهم صوب من ليس من جماعتهم، تهرأت الفصحى شعرا وسردا، حتى جاء دارها من ليس من أهلها.
علينا أن نوسع نظرتنا ونجعلها تشمل المبدعين ممن حيل بينهم وبين الصحف الرسمية ودور النشر الحكومية؛ يتعثرون في سعيهم وراء من ينشر لهم.
حتى إذا ما ولجنا بوابة الجامعة وجدناها تدعي النطق بلسان العربية وأن أساتذتها هم من لهم حق النقد والقول، استناموا إلى مقاعدهم الوثيرة يلوكون مصطلحات اجتروها من مترجمات بائسة؛ لا أغمط الأعلام حقهم لكن خلفهم اقتصروا على الشروح على المتون، وداروا في حلقة مفرغة من تدوير المنجز النقدي دون أن يقرأوا بله أن يبحثوا في خوافي النصوص.
هل انتهى زمن العقاد ومندور والمازني وبتنا محاصرين بهؤلاء السادة الموظفين في ديوان الجامعة؟
حتى جأر النقاد الجامعيون من ذلك الحجاب؛ بدأوا في إزالة الأحجار من طريق المبدعين.
لقد هالني أن تسور الإبداع من ليس أهله وآلمني أن يماشيهم من كنا نظنهم حماة الإبداع ورعاته.
لست ممن يتجاوزون الجامعة أو يتغافلون عن دورها؛ لكنني أربأ بها أن تكون وصية تظن المبدعين أيتاما ومن ثم تنتهب أموالهم فتأكلها نارا.
ثم بعد أن نبسط ما استطعنا روائع النصوص؛ ونحتفي بالكتاب ما استطاعوا الكتابة بلغة راقية تحمل رواء الفن وطلائه.
بعض المتابعين للمشهد النقدي يفرون منه بل ينفرون في أحيان كثيرة؛ لصعوبة المصطلح النقدي ونظرة الاستعلاء التي يتعامل بها النقاد مع المبدعين؛ أو أن هؤلاء يتعاملون مع أمور أخرى بعيدة عن ماهية الأدب؛ دعونا نرعى النصوص التي تستحق؛ نترفق بها ونقدم الجيد الطارف.
حتى إذا نظرنا في أقسام البلاغة والنقد تراها في جامعتنا تجتر المقولات وتعتاش عليها؛ تسترفد الآخر مفاهيمه وآراءه؛ فكل صرعة هناك مجتلبة ولو كانت هذيانا؛ هذه بنيوية وتلك تفكيكية وثالثة الأثافي حداثة وما بعد بعدها؛ فالأدب معياره لا يشيل وإلا كان التهرؤ والانحلال.
مضى جيل الرواد الجامعيين عزالدين إسماعيل والطاهر مكي ومصطفى ناصف وعبد القادر القط الذين جاءوا بعد العقاد والمازني ومندور وعلى استحياء طه حسين وبتنا في خلف يردد ولايعي ويتكلم ولا يسمع.
هذه الإشكالية توشك أن تتكرر في كافة المجالات ؛ وقلما يجمع أكاديمي بين رصانة التخصص ، ووهج الموهبة ، وسطوع حضوره بين الجمهور؛ فمعظمهم معتزلون تحت ضغط الانشغال بالبحث ، وأولوية التنظير ، ومنهم من تحكم سلوكه وأداءه مقولة "العلم يؤتي .." ؛ فيبنون لأنفسهم أبراجا عاجية ناظرين إلي الناس من شرفاتها تحت مجهر التحسين والتقبيح
أما من أشرقت في روحه الموهبة وملكة الإبداع متمكنامن ناصية الفن الذي برع فيه ؛ فلا يقبل بالانعزال ؛ إذ تفيض روحه ، وتسطع شموس إنتاجه في كل زاوية ، وناحية متجاوزا الأطر ، والقواعد ، وهنا يحدث صدام ؛ تحدوه الأثرة والأنا كثيرا ، ونادرا مايقر بالفضل إلا ثقة ،عدل ذو كفاية، وصدق ؛ يجمع بين نزاهة شريح ،و ألق المتنبي ووهجه ، ومثل هذا في كل مجال نادر عزيز.
د. سيد شعبان
لو كان النقد مجاملة وقرابة لمات الإبداع عند أول بادرة، تلك مقالة تستوجب أن نضع تحتها خطوطا عراضا وألا نمر دون أن تسترعي الانتباه، لعل العارفين بمقالتي يدرون خلفية ما أستدعى أو أكتب؛ مجال الإبداع يتسع لكل ذي قريحة يخلص لفنه، ولا يحتاج شهادة عدول أو غيرهم؛ وحده الصدق في التجربة والثقافة الواسعة والتجديد وبراعة الصياغة، حاولت أن أترفق فنالني العسف والجور، ولي قلم - علم الله- يمسكه رئي من الجن أو فارس يصول في عجاج ولا يغمد حتى ينال من غريمه؛ لكنه الوفاء لمن أعرف وجمعتني به محبة، ليكن لمن أراد بغيته، فما كانت الجامعة حكرا على من تسنم مقعدها، شاءت إرادة الله ألا أكون أحدهم؛ لكنني سعيت ولو كانت الريادة جامعة ما تركها شاكر ولا اكتفى بها طه حسين.
معركة دارت حول التجديد في الشعر العربي في زمن نحتاج التجديد في كل شيء؛ أن تتحرك المياه الراكدة وأن نتخلص من تلك العوالق التي اختزنها النهر فأزكمت، وعطن المشرب وفسدت الحياة الأدبية، كنت داعية التجديد وصاحب المنزع السردي الذي ورث أعلامه ولم يعش في جلباب آبائه؛ وما كنت غير ابن رجل- رحمه الله- يعارك الجبل بمعوله فيحيله حدائق ذات بهجة؛ ثم يغمزني من أصفيت له الود وتلمست فيه زمالة التجديد وبراعة التصوير؛ أكان يرضيه أن أكون له البوق ينفخ به في كل واد أنني الشاعر الفرد والآتي بما لم تستطعه الأوائل؟
هﻻ طالعت ما كتبه الرافعي في العقاد أو زكي مبارك في حناية أحمد أمين على الأدب العربي؟
وما إخالك تجهل الحوار الأدبي حول الشعر في العصر للمبدع أبي الأنوار، لكنك تعجلت فهدمت، وأخذت محبك بغير ما قر في ذهنك أو ظننت به غير ما به!
إنه التجديد في الأدب العربي الذي أصيب بالعلل القوادح.
هل يرضيه أن أكون في عطفه؟
أو أثني عليه؟
ما كان النقد وصاية ولا جناية ولكنه القول الفصل في قضاء تجلله الموهبة ويصونه الإبداع، لك ما تهوى غير أن لغيرك قلمه؛ ومن ألف فقد استهدف؛ فحين يكون القول لابد من ميزان حق؛ وإلا كنا نخبط خبط عشواء أو نتأبط شرا.
نتهيب أن نقول إن الإبداع محاصر بنقاد يتخندقون مشهرين حرابهم صوب من ليس من جماعتهم، تهرأت الفصحى شعرا وسردا، حتى جاء دارها من ليس من أهلها.
علينا أن نوسع نظرتنا ونجعلها تشمل المبدعين ممن حيل بينهم وبين الصحف الرسمية ودور النشر الحكومية؛ يتعثرون في سعيهم وراء من ينشر لهم.
حتى إذا ما ولجنا بوابة الجامعة وجدناها تدعي النطق بلسان العربية وأن أساتذتها هم من لهم حق النقد والقول، استناموا إلى مقاعدهم الوثيرة يلوكون مصطلحات اجتروها من مترجمات بائسة؛ لا أغمط الأعلام حقهم لكن خلفهم اقتصروا على الشروح على المتون، وداروا في حلقة مفرغة من تدوير المنجز النقدي دون أن يقرأوا بله أن يبحثوا في خوافي النصوص.
هل انتهى زمن العقاد ومندور والمازني وبتنا محاصرين بهؤلاء السادة الموظفين في ديوان الجامعة؟
حتى جأر النقاد الجامعيون من ذلك الحجاب؛ بدأوا في إزالة الأحجار من طريق المبدعين.
لقد هالني أن تسور الإبداع من ليس أهله وآلمني أن يماشيهم من كنا نظنهم حماة الإبداع ورعاته.
لست ممن يتجاوزون الجامعة أو يتغافلون عن دورها؛ لكنني أربأ بها أن تكون وصية تظن المبدعين أيتاما ومن ثم تنتهب أموالهم فتأكلها نارا.
ثم بعد أن نبسط ما استطعنا روائع النصوص؛ ونحتفي بالكتاب ما استطاعوا الكتابة بلغة راقية تحمل رواء الفن وطلائه.
بعض المتابعين للمشهد النقدي يفرون منه بل ينفرون في أحيان كثيرة؛ لصعوبة المصطلح النقدي ونظرة الاستعلاء التي يتعامل بها النقاد مع المبدعين؛ أو أن هؤلاء يتعاملون مع أمور أخرى بعيدة عن ماهية الأدب؛ دعونا نرعى النصوص التي تستحق؛ نترفق بها ونقدم الجيد الطارف.
حتى إذا نظرنا في أقسام البلاغة والنقد تراها في جامعتنا تجتر المقولات وتعتاش عليها؛ تسترفد الآخر مفاهيمه وآراءه؛ فكل صرعة هناك مجتلبة ولو كانت هذيانا؛ هذه بنيوية وتلك تفكيكية وثالثة الأثافي حداثة وما بعد بعدها؛ فالأدب معياره لا يشيل وإلا كان التهرؤ والانحلال.
مضى جيل الرواد الجامعيين عزالدين إسماعيل والطاهر مكي ومصطفى ناصف وعبد القادر القط الذين جاءوا بعد العقاد والمازني ومندور وعلى استحياء طه حسين وبتنا في خلف يردد ولايعي ويتكلم ولا يسمع.
هذه الإشكالية توشك أن تتكرر في كافة المجالات ؛ وقلما يجمع أكاديمي بين رصانة التخصص ، ووهج الموهبة ، وسطوع حضوره بين الجمهور؛ فمعظمهم معتزلون تحت ضغط الانشغال بالبحث ، وأولوية التنظير ، ومنهم من تحكم سلوكه وأداءه مقولة "العلم يؤتي .." ؛ فيبنون لأنفسهم أبراجا عاجية ناظرين إلي الناس من شرفاتها تحت مجهر التحسين والتقبيح
أما من أشرقت في روحه الموهبة وملكة الإبداع متمكنامن ناصية الفن الذي برع فيه ؛ فلا يقبل بالانعزال ؛ إذ تفيض روحه ، وتسطع شموس إنتاجه في كل زاوية ، وناحية متجاوزا الأطر ، والقواعد ، وهنا يحدث صدام ؛ تحدوه الأثرة والأنا كثيرا ، ونادرا مايقر بالفضل إلا ثقة ،عدل ذو كفاية، وصدق ؛ يجمع بين نزاهة شريح ،و ألق المتنبي ووهجه ، ومثل هذا في كل مجال نادر عزيز.
