الكيد؛ معناه ومدلوله في ضوء القرآن الكريم وكلام العرب
د. أورنك زيب الأعظمي
د. أورنك زيب الأعظمي
"الكيد" لفظ عربيّ يبدو لأوّل وهلة أنه سبب من أسباب العاجزين ولا يُعمِله إلا مَنْ هو عاجز وذليل، وعلى هذا فقد مالت أغلبية المعاجم إلى دلالته على التدبير الخفي لا الظاهر. ولكن النظرة السارحة على القرآن الكريم وكلام العرب تهدي بنا إلى مخالفة هذا الرأي، فنجد في القرآن أنّ الله تعالى تارة نسب هذا الفعل (الكيد) إليه وتارة أخرى نسبه إلى غيره. فقال بعدما رجع أخا يوسف عليه السلام إليه: ﴿ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾ [يوسف: 76]. وقال عن سعي فرعون لهزم موسى عليه السلام: ﴿ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ﴾ [طه: 60]. وتجمع كلتا النسبتين آيةُ سورة الطارق التي جاء فيها: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴾ [الطارق: 15، 16].
وقد يكون هذا الكيد خفيًا وقد يكون ظاهرًا فللكيد الظاهر دليل قوله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ ﴾ [الأعراف: 195]، وقال أيضًا: ﴿ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ [المرسلات: 39]، وقال في سورة الفيل: ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ [الفيل: 2].
وأما الكيد الخفي فدليله قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ﴾ [هود: 54، 55]، وقال أيضًا: ﴿ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ﴾ [الأنبياء: 57]، وجاء في سورة الطور: ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ﴾ [الطور: 42].
وكذا يبدو من تتبع كلام العرب أنّ "الكيد" يكون خفيًا وغيرَ خفي معًا كما قال الأعشى الكبير:
بَغَوْنا فالتمسنا ما لديهم *** وكادونا بكيسهم فكِيدُوا[1]
وقال الشاعر الجاهلي مُعوِّدُ الحكماء:
وإذا نوافق جرأة أو نجدةً *** كنّا سُميَّ بها العدوَّ نكيد[2]
وقال مرّة بن دودان:
فأنّى تضرب الأعلامُ صفحًا *** عن العلياء أم من ذا تكيد[3]
وقال ساعدة بن جُوَيَّة الهذلي:
هل اقتنى حدثانُ الدهر من أنَسٍ
كانوا بمَعْيَطَ لا وخْسِ ولا قزم
كيدًا وجمعًا بآناس كأنهم
أفنادُ كبكبَ ذاتُ الشث والخزم[4]
وقال الطرماح:
أخبِرتُ ضبّةَ تهجوني لأهجوَها
ولو حُدوا كحداءِ القين ما عادوا
كادوا بنصرِ تميمٍ لي، لتُلحقَهم
فيهم، فقد بلغوا الأمرَ الذي كادوا[5]
وينسب إلى نصيب بن رباح:
حللنا آمنينَ بخيرِ عيشٍ *** ولم يشعرْ بنا واشٍ يكيد[6]
ففي كل هذه الأمثلة استخدم "الكيد" خفيًا.
وقال النابغة الذبياني:
يقودهم النعمان منه بمُحصَفٍ*** وكيدٍ يعمّ الخارجيَّ مناجدُ[7]
وقال زهير بن أبي سلمى:
له لقبٌ لباغي الخير: سهلٌ *** وكيدٌ، حين تبلوه، متين[8]
وقال ذو الإصبع العدواني:
وأنتمُ معشرٌ زيدٌ على مائة *** فأجمعوا أمرَكم كُلَا فكيدوني[9]
وقال قيس بن الحدّادية:
ولو لم ينجّك من كيدهم
أمينُ الفصوص شديدُ العصب
لزرتُ المنايا فلا تكفرنْ
جوادَك نُعماه يا بنَ الظُرب[10]
وقال مروان بن أبي حفصة:
أتظنّ يا إدريس أنك مُفلتٌ *** كيدَ الخليفة أو يقيك فرارُ[11]
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي:
أحابسَ كيدِ الفيل عن بطنِ مكة
وأنت على ما شئتَ جمّ الفواضل
أرِحني من اللائي إذا حلّ دينُهم
يمشّون في الدارات مشي الأرامل[12]
وقال الكميت بن زيد الأسدي:
وكنّا إذا جبّارُ قومٍ أرادنا *** بكيدٍ حملناه على قرنِ أعفرا[13]
وهذه الأمثلة تدلّ على أنّ "الكيد" هنا ظاهر.
وكذا يكون سلبيًا وغير سلبي معًا فقال عوف بن الأبرص:
هم رفعوكم للسماء فكدتم *** تنالونها لو أنّ حيًّا يطورها[14]
وقال عدي بن زيد العبادي:
وعند الإله ما يكيدُ عبادَه *** وكلًّا يوفّيه الجزاءَ بمثال[15]
وقال الفرزدق:
هم منعوني إذ زيادٌ يكيدني *** بجاحمِ جمرٍ ذي لظًى متضرّم[16]
وقال النعمان بن بشير الأنصاري:
وكنّا لها في كلِ أمرٍ تكيده *** مكانَ الشجا والأمرُ فيه تفاقم[17]
ففي كل من هذه الأمثلة استخدم "الكيد" لمعناه السلبي.
وجاء في سورة يوسف: ﴿ قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [يوسف: 5].
وأما قول ذي الرمة:
كأني غداةَ الزُرقِ يا ميُّ مُدنِفٌ *** يكيدُ بنفسٍ قد أجمَّ حِمامُها[18]
وقول الآخر:
كادتْ وكِدتُ، وتلك خيرُ إرادة، *** لو كان من لهو الصبابة ما مضى[19]
فيشيران إلى المعنى الإيجابي لهذا اللفظ.
وكذا جاء في سورة يوسف: ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 76].
وربما يأتي اللفظ للمجانسة فقط كما قال الأخرم السنبسي:
ألا إنّ قُرطًا على آلةٍ *** ألا إنني كيدَه ما أكيد[20]
ويحتمل أن يشمل المعنى الخفي والظاهر معًا كما في قول روبة بن العجاج التالي:
أحرزهم من كيدِ كلِ كيّاد
وظالمٍ في رأسِ عزّ ضهّاد
نطحُ بني أدّ رؤوس الآداد
عنا وجندٌ فاضلٌ للأجناد[21]
وكذا نسب ذو الإصبع العدواني الكيد إلى الله تعالى فقال:
فلَقبلَ ما رام الإلهُ بكيده *** إرمًا وهذا الحيَّ من عَدوان[22]
وقال الفرزدق:
أراد به الباغون كيدًا، فكادهم*** به ربُ برّات النفوس خبيرُها[23]
ويوصف "الكيد" بالمتانة والضعف كما قال زهير بن أبي سلمى:
له لقبٌ لباغي الخير: سهلٌ *** وكيدٌ، حين تبلوه، متين[24]
وقال تعالى: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ [الأعراف: 183].
وجاء في [سورةالنساء: 76] ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾.
وقال أيضًا: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴾ [الأنفال: 17، 18].
وقال سراقة البارقي:
ولو سُئِلَتْ بلادُ الحرب عنّا
وعنكم إذ تصادمنا صِداما
علمتم أنّ كيدكم ضعيفٌ
وولّى الجمعُ فانهزم انهزاما[25]
وبما أنّ "الكيد" يشيع استعماله في الحروب فسمّوا الحرب كيدًا وجعلوا منه فعل "كَادَ يَكِيْدُ كَيْدًا" لمعنى "حَارَبَ" فقال نصيب بن رباح:
فهم كذلك من كادوا فإنّ له *** إنْ لم يمتْمنهم ذلًا وإثخانا[26]
وجاء في غزوة بوطة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في مأتين من أصحابه في شهر ربيع الأول يعني سنة اثنتين يريد قريشَا حتى بلغ بواط من ناحية رضوى وكان في عير قريش أمية بن خلف الجمحي في مائة رجل ومعهم ألفان وخمسمائة بعير فرجع ولم يلق كيدًا وكان يحمل لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص"[27].
ولذا ربما يؤنث اللفظ كما في حديث صلح نجران: "--- إنْ كان باليمن كيدٌ ذاتُ غدر".[28]

تعليق