مختصر كتاب علم إعراب القرآن
أبو أنس أحمد بن سعيد
أبو أنس أحمد بن سعيد
علم إعراب القرآن:
الحمد لله الذي شرَّفنا بحفظ كتابه، ووفَّقنا لفهم منطوقه ومفهوم خطابه، ووعدنا على تبيين معانيه وإعرابه بجزيل مواهبه وعظيم ثوابه، وهدانا بنبيِّه المصطفى ورسوله المُجتبى خير مبعوث بآياته، وبالقرآن وهو أعظم معجزاته، كتاب مجيد ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 42]، أذلَّت بلاغته أعناق أرباب الكلام، وأعجزت فصاحته ألسنة فصحاء الأنام.
فلمَّا كان اللسان العربي هو الطريقَ السَّنِيَّ إلى فهم مفردات القرآن العزيز وتركيباته، وعليه المعوَّل في معرفة معانيه وتدبُّر آياته، وبحسب قوَّة الناظر فيه تُلتقط درر المعاني من فيه - وجب صرف العناية إلى ما يتعلَّق به من علم اللسان من جهة مفرداته وتركيباته تصريفًا وإعرابًا؛ لكثرتهما تشعُّبًا واضطرابًا، جارين على قواعدهما مرتَّبين على أصولهما؛ ليعرف الخطأ من الصواب، وينكشف القشر عن اللباب؛ فيصير كالفقه إذا استخرج من قواعده، واستُنبط من أصوله وموارده[1].
وبعد: فهذا بحث مختصر نتعرف من خلاله إلى علم إعراب القرآن، وآداب المُعرِبين ومناهج إعراب القرآن، والأدوات التي يجب أن تتوفر في المُعرِب وضوابط إعراب القرآن الكريم، تم اختصاره - بتصرف - من كتاب (علم إعراب القرآن تأصيل وبيان)؛ للدكتور يوسف بن خلف العيساوي، فالله نسأل التوفيق والسداد، وهذا البحث بعد هذه المقدمة يشتمل على تمهيد وخمسة فصول:
أما التمهيد: فسيكون الكلام فيه عن مفهوم إعراب القرآن وحدِّه، وذكر بعض الآثار الواردة في إعراب القرآن، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مفهوم إعراب القرآن وحدُّه.
المبحث الثاني: ذكر بعض الآثار الواردة في إعراب القرآن.
الفصل الأول: (إعراب القرآن نشأته وتطوُّره وأهميُّته) وفيه مبحثان:
المبحث الأول: نشأة إعراب القرآن وتطوُّره.
المبحث الثاني: أهميَّة إعراب القرآن.
الفصل الثاني: إعراب القرآن أصالته وتكامل فَنِّه، وفيه:
المبحث الأول: علم إعراب القرآن فنٌّ مستقلٌّ.
المبحث الثاني: حكم تعلُّم هذا الفن.
المبحث الثالث: حقله المعرفي، ونسبته.
الفصل الثالث: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مصادر إعراب القرآن.
المبحث الثاني: مناهج إعراب القرآن.
الفصل الرابع: آداب المُعرِب، وفيه:
المبحث الأول: آداب علميَّة وفكريَّة.
المبحث الثاني: آداب التلقِّي وتقرير الأحكام.
المبحث الثالث: آداب أسلوبيَّة ومصطلحية.
الفصل الخامس: ضوابط إعراب القرآن الكريم، وفيه:
المبحث الأول: ضوابط المعنى.
المبحث الثاني: ضوابط الرسم والقراءات.
المبحث الثالث: ضوابط الصناعة الإعرابية.
التمهيد: مفهوم إعراب القرآن وحدُّه، وذكر بعض الآثار الواردة في إعراب القرآن،
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مفهوم إعراب القرآن وحدِّه.
المبحث الثاني: ذكر بعض الآثار الواردة في إعراب القرآن.
المبحث الأول: مفهوم إعراب القرآن وحدُّه:
(إعراب القرآن) مركب إضافي، يتكون من جزأين؛ (إعراب) و(القرآن)، فسوف نعرِّفه باعتبار أفراده، ثم نعرفه باعتباره أصبح علَمًا ولقبًا على فنٍّ مخصوص.
الإعراب في اللُّغة والاصطلاح: الإعراب لغة: الإبانة، تقول أعرب الرجل عما في نفسه؛ أي: أبان، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ رِضَاهَا صَمْتُهَا))[2].
فإعراب الكلام: بيانه وإيضاح فصاحته.
الإعراب اصطلاحًا: له عدة تعريفات:
الأول: تغيير أواخر الكلم؛ لاختلاف العوامل الداخلة عليه، لفظًا أو تقديرًا[3].
الثاني: أثر ظاهر أو مقدَّر يَجلِبُه العامل في آخر الكلمة[4].
الثالث: التطبيق العام على القواعد النَّحْويَّة المختلفة[5].
القرآن لغة واصطلاحًا:
القرآن لغة: الجمع، قرأتُ الشيءَ قرآنًا؛ جمعتُه، وضَمَمْتُ بعضَه إلى بعضٍ.
وسُمِّي القرآن قرآنًا؛ لأنه جمع القَصص، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والتشريعات، وجمَعَ الآيات والسور بعضها إلى بعض.
القرآن اصطلاحًا: كلام الله المُنزَّل على نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، المُعجِز بلفظِه، المُتعبَّد بتلاوته، المنقولُ بالتواتر، المكتوبُ في المصاحف، من أول سورة "الفاتحة" إلى آخر سورة "الناس"[6].
فالقرآن: اسم لكتاب الله خاصة، ولا يُسمَّى به شيءٌ غيره من سائر الكتب، وإضافة الكلام إلى الله تعالى إضافة حقيقيَّة من باب إضافة الكلام إلى قائله.
تعريف إعراب القرآن باعتباره علَمًا ولقبًا على هذا العلم:
إعراب القرآن اصطلاحًا: علم يبحث في تخريج تراكيبه على القواعد النَّحويَّة المُحرَّرة.
المبحث الثاني: ذكر بعض الآثار الواردة في إعراب القرآن:
1- عن أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه قال: (لأن أُعرِبَ آية من القرآن أحبُّ إليَّ من أن أحفظ آية)[7].
2- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أَعرِبوا القرآنَ؛ فإن مَن قرَأَ القرآن فأَعْرَبَه فله بكل حرف عشرُ حسناتٍ، وكفَّارةُ عشر سيئات، ورَفْعُ عشر درجات))[8].
3- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أَعرِبوا القرآنَ، والتمسوا غرائبه))[9].
4- وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (أَعرِبوا القرآن؛ فإنه عربي، وإنه سيجيء أقوام يَثقُفونه، وليسوا بخياركم)[10].
الفصل الأول: (إعراب القرآن نشأته وتطوُّره وأهميُّته) وفيه مبحثان:
المبحث الأول: نشأة إعراب القرآن وتطوُّره.
المبحث الثاني: أهميَّة إعراب القرآن.
المبحث الأول: نشأة إعراب القرآن وتطوُّره وأطواره:
فــ(إعراب القرآن) ظهر مبكرًا؛ لأن اللحن في القرآن أو الإخلال في أدائه تحريف لكلام الله عن مواضعه، وإخلال بكثير من أحكامه التشريعيَّة، فضبط القرآن أدَّى إلى وضع علم العربية وضبطه، وسنتَتَبَّعُ فنَّ (إعراب القرآن) من خلال أطواره الآتية:
الطَّوْرُ الأولُ: اللحن وإعراب القرآن:
اللَّحْن – بسكون الحاء – إمالةُ الكلام عن جهته الصحيحة في العربية، يقال: لَحَن لحنًا، واللَّحَّان واللَّحَّانة: الرجل الكثير اللَّحْن.
قال الرَّاغب: "اللَّحْن: صرف الكلام عن سَنَنِه الجاري عليه: إما بإزالةِ الإعراب، أو التصحيف – وهو المذموم – وذلك أكثر استعمالًا.
وإما بإزالته عن التصريح، وصرفه بمعناه إلى تعريض وفحوًى"[11].
وقد مضى الصَّدْر الأول من الصحابة رضي الله عنهم واللَّحْن لا يلامسُ عربيَّتَهم، ولا يُقارب ساحة القرآن الكريم على ألسنتهم، وبدأ اللَّحْن يظهر عندما اختلطت الألسنة؛ لخروج العربية من مَهْدِها الأصيل مع كتائب الفاتحين، وظهور جيل المولَّدين العرب.
فأخذ الصحابة رضي الله عنهم يَحثُّون الناس على تعلُّم لسان العرب، وباتَتْ مقولة: (إن القرآن عربيٌّ؛ فاستقرِئوه رجلًا عربيًّا) تقرَعُ أسماع طلاب القرآن.
الطَّوْرُ الثاني: نَقْطُ الإعرابِ والقرآن الكريم:
النقط في اللُّغة: نقول: نَقَطَ الحرفَ يَنقُطُه نقطًا: أعجَمَه، والاسم النُّقْطة، ونَقَطَ المصاحف تنقيطًا؛ فهو نقَّاط.
والنَّقْطُ عند العلماء نوعان:
الأول: نَقْطُ الإعراب: هو نَقْطُ الحركات؛ أي: ما يدلُّ على ما يَعرِضُ للحرف من حركة أو سكون.
الثاني: نَقْطُ الإعجام: هو ما يدلُّ على ذواتِ الحرف، ويُميِّزُ بين المهمل والمعجم.
الطَّوْرُ الثالثُ: النَّحْو وإعراب القرآن الكريم:
مثَّلَ (نقط الإعراب) استشعارًا حقيقيًّا للقواعد النَّحْوية التي لَحِظها العربيُّ الفصيح في سَليقتها، فالاهتمام بأواخر الكَلِم: رفعًا ونصبًا وجرًّا وجزمًا؛ لأهميتها في تبيان المعاني والمقاصد، وأن هذه الحركات لها أسباب تُوجِبُ تغيُّرها؛ فكشف تلك الأسباب عرف فيما بعد بـ(العلَّة النَّحْوية).
وإذا أخذنا بـ(إعراب القرآن) على أنه تطبيق للقواعد النَّحْوية، فبدايتُه مع بدايته مع بداية نشأة النحو وتأسيس قواعده؛ إذ كان القرآنُ هو الدليلَ الأول من أدلَّته.
قال البجاويُّ: "وهذا الفنُّ الإعرابي ينمو شيئًا فشيئًا، حتى صار غرضًا قائمًا بذاته".
وخلاصةُ القول: كما نشأ علم متميِّز عن النَّحْو هو علم الصرف، كذلك نشأ (علم إعراب القرآن)، وفي الجملة أخَذَ علم النحو يستقلُّ، وكان استقلالُه في ظل القرآن؛ لأن أوَّل ما تناوله النحويون في هذا المضمار أنهم بنوا استشهادَهم في أكثره على القرآن، ثم أخَذ (إعراب القرآن الكريم) يخلُص وحده، ويكون علمًا مستقلًّا قائمًا بنفسه.
الطَّوْرُ الرابعُ: معاني القرآن وإعرابه:
كتُبُ معاني القرآن هي التي وضعت في البيان اللُّغوي لألفاظ وأساليب العربية الواردة في القرآن.
وقيل في: ((معاني القرآن: كان هذا التركيب يُعنَى به ما يُشكِل في القرآن، ويحتاج إلى بعض العناء في فهمه)).
وباستعراض بعض الكتب المصنفة في (معاني القرآن)؛ وهي:
1- معاني القرآن؛ للفرَّاء (ت 207ه).
2- معاني القرآن؛ للأخفش (215ه).
3- معاني القرآن وإعرابه؛ للزَّجَّاج (ت 311ه).
أو تخريج مشكل الخطاب القرآني على الأسلوب العربي، أو تحليل تركيب جملة لبيان المعنى.
يتبين من هذه الكتب أن المعاني عندهم: المُنحى اللُّغوي والتفسير، وذلك ببيان غريب الألفاظ، أو تخريج مشكل الخطاب القرآني على الأسلوب العربي.

تعليق