#شيء من اللغة: من أساليب التعبير القرآني

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    #شيء من اللغة: من أساليب التعبير القرآني

    #شيء من اللغة: من أساليب التعبير القرآني
    د. هادي حسن حمّودي




    عقب المحقق الجادّ الأستاذ الدكتور ميثاق حسن الصالحي، على حلقة سابقة من شيء من اللغة:
    (أحسنت حضرة الدكتور، أفاض الله تعالى عليكم سوابغ النعم.. هنالك آية قرآنية مباركة تتحدث عن مآل الطاغين المتجبرين فرعون وعاد وثمود (( فصبّ عليهم ربك سوط عذاب )) فما الحكمة في توظيف لفظ الربوبية والحنو والتلطف في سياق عذاب قائم على التصوير الفني البديع؟).
    لكم التحية..
    تعقيبي:
    عزيزي الدكتور ميثاق حسن الصالحي، أشكر لكم تواصلكم وحسن ظنكم.
    نعم إن الآيتين: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) تتضمنان وصف حالة أقوام أهلكوا بفسادهم مع مجيء كلمة (رب) الدالة على ما قلتم. فأرى أن أذكر شيئًا من معاني كلمة (رَبّ) لتأكيد الحنو والعطف فيها، ثم نرى إمكانية التعبير بها عن العقاب:
    للجذر (ر ب ب) أصول دلاليّة يُمكن أن تُجمعَ في تكوين الشيء وإصلاحه والقيام عليه والعناية به. فالرَّبّ: الخالق والمالك والصّاحب. والرَّبّ: الـمُصْلِحُ للشّيء، نقول لمن أصلح ضيعته: رَبَّ فلانٌ ضَيعته، فهو رابُّها وربُّها. ومن معاني الرّبّ، أيضا: السّيّد المطاع، كقول العرب: ربُّ كِندة، مثلا. ويجعلون من أمثلة هذا المعنَى، قوله، تعالى: (أمّا أحدُكما فيسقي ربّه خمرا) أي: سيّده. وفي القرآن إن أُطلقت كلمة الرّبّ فلا مقصود بها إلا الله. أما رب كندة أو رب البيت، فمجاز.
    فكلّ دلالات اللّفظة موجّهة للصّلاح والإصلاح والتّجمّع والتّألُّف والتّآلُف.
    وقد ذُكر لفظ (رب) وحده ومع إضافته إلى ما بعده في التنزيل العزيز 725 مرة: رب / ربِّ / ربّا / ربكم/ ربّنا / ربّه/ .. إلى آخره.. وهي في مواطن الرحمة والدعاء والقدرة وما إليها من المعاني الموضحة آنفا. كما في: (سَلامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ).
    باستثناء كلمة (ربّك) التي وردت 242 مرة في القرآن، وتوزعت سياقاتها على:
    * الأغلب الأعم الجمع بين الرحمة والمغفرة والعزة وما شابهها: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
    * ثم الجمع بين الرحمة والمغفرة من جهة، والعقاب من جهة أخرى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) (.. وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا)
    باستثناء بضعة مواضع جاء في سياقها:
    * إيقاع العذاب بمن يستحقه: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ).
    * إيقاعه والتهديد بإيقاعه مستقبلا: (... وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ. مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ).
    إن مجيء العقاب والعذاب في سياق صفات الرحمة والرب أكثر عمقا وبلاغة ومبالغة، وأشدّ تنديدا بمن يقع عليه، من مجيئه في سياق آخر. هنا مثال من عدة أمثلة:
    قول إبراهيم لأبيه: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا). فالرحمن وسعت رحمته كل شيء، إذ هو ليس رحيما فحسب بل هو رحمن، فإني أخاف عليك يا أبتِ أن تخرج عن أفق رحمته الرحيب الوسيع الذي لن يخرج منه إلا الشقي الذي يستحق التوبيخ والعقاب.
    ولتوضيح عمق هذا الأسلوب ننتقل إلى مثال من حياتنا الآن:
    افترض أن حاكما غضوبا قاسيا يرى الناس أعداءه، يعاقبهم بذنب وبغير ذنب. بل يأخذ البريء بجريرة المذنب. بل يصل به الحال إلى معاقبة كل من له بصلة بمن أخطأ، صلة قرابة أم صداقة أم عمل. فمعاقبة أي مواطن أمر متوقع. وآنذاك فإن وقوع العقاب على بريء أمر طبيعيّ.
    على عكس تلك الحالة إن كان الحاكم محبا للناس، عطوفا عليهم، يشملهم كلهم بلطفه وتسامحه، فإن أنزل العقاب بواحد منهم، فلك أن تقول له: ما أشقاك وأسوأ سلوكك، بحيث إن هذا الحاكم العادل الرحيم قد أحل بك العقاب.
    وهذا هو عمق شأن العقاب حين يصدر من الرب الغفور الرحمن الرحيم.

    المصدر
  • أبو أنس صالح
    عضو جديد
    • Nov 2020
    • 1

    #2
    السلام عليكم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صحبه أجمعين ...أما بعد ،

    الأخ هادي حسن حمّودي الكريم لقد قرأت الموضوع أعلاه ووجدت أن المقال متناقض أو ليس فيه ربط بين معنى الرب في اللسان مع كون كلمة ( ربك أو الرب ) في الآية ترجع إلى / أو يُقصد بها الله عز وجل ، فلو تم الربط بينهما لاتفق المقال وصلُح .

    فأنت تذكر أن من دلالات معنى الرب في اللسان العطف والحنو والرفق والإصلاح

    فكلّ دلالات اللّفظة موجّهة للصّلاح والإصلاح والتّجمّع والتّألُّف والتّآلُف.
    وقد ذُكر لفظ (رب) وحده ومع إضافته إلى ما بعده في التنزيل العزيز 725 مرة . وهي في مواطن الرحمة والدعاء والقدرة وما إليها من المعاني الموضحة آنفا، كما في: (سَلامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ).

    باستثناء كلمة (ربّك) التي وردت 242 مرة في القرآن، وتوزعت سياقاتها على:
    الأغلب الأعم الجمع بين الرحمة والمغفرة والعزة وما شابهها: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
    ثم الجمع بين الرحمة والمغفرة من جهة، والعقاب من جهة أخرى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) (.. وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا)

    فكل المواضع أو الآيات التي اشتشهدت بها للتدليل على أن لفظ الربوبية يجمع بين الرحمة والمغفرة والإصلاح والتآلف تعود إلى الله عز وجل .

    فلو أنك أرجعت الدلالة الموجهة ( لله) لما كان هناك داعي لاستثناء بعض المواضع أو المواطن في القرآن .
    بمعنى لو أنك حملت كلمة ربك في اللآية على أنه ( الله ) لاستقام لك الأمر دون الحاجة إلى الاستثناء أو الرجوع إلى العربية لمعرفة دلالة كلمة الرب التي فيها معاني الحنو والعطف لأن الآية ليست في معرض الكلام عن عطف الله وترفقه بعباده إذ الآيات تتحدث عن مآل الطاغين المتجبرين فرعون وعاد وثمود فليس فيها حنو ولا عطف البتة .

    فالله سبحانه وتعالى يعاملك بما تفعل
    إن شئت آمنت بالله فدخلت في رحمته وعفوه ومغفرته وإن شئت كفرت فدخلت في عزته وقدرته وانتقامه وشدته ، ( ويجمع كل هذا كلمة الله أو ربك ) وهذا ما أوقعك في الخطأ إذ قررت

    أن مجيء العقاب والعذاب في سياق صفات الرحمة والرب أكثر عمقا وبلاغة ومبالغة، وأشدّ تنديدا بمن يقع عليه، من مجيئه في سياق آخر.
    ثم مثلت بقول إبراهيم لأبيه: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا). فالرحمن وسعت رحمته كل شيء، إذ هو ليس رحيما فحسب بل هو رحمن، فإني أخاف عليك يا أبتِ أن تخرج عن أفق رحمته الرحيب الوسيع الذي لن يخرج منه إلا الشقي الذي يستحق التوبيخ والعقاب.
    ثم افترضت مثالاً آخر أو ضربت مثلاً آخر فوقعت في الخطأ مرة أخرى إذ سياق المثل لا يتفق مع ما تريد التدليل عليه

    " إن الحاكم العادل الرحيم قد أحل بك العقاب "
    فلو قلت " إن الحاكم العادل الشديد أو القوي أو العزيز أحل بك العقاب لجاز و اتفق المثل .

    وانظر الى قول الأصمعي " جلس الأصمعي ذات يوم في مجلس يحدث جلساءه، فأحب أثناء حديثه الاستشهاد بآية من القرآن الكريم فقال:

    (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهم جزاءً بما كسبا نكالاً من الله) وختم الآية بقوله: والله غفور رحيم.
    سأله الأعرابي: يا أصمعي كلام من هذا؟ فرد عليه: هذا كلام الله، فقال الأعرابي بثقة: هذا ليس كلام الله.
    قال الأصمعي: ًكيف حكمت أن هذه الآية ليست من كلام الله؟
    أعد قراءة الآية (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهم جزاءً بما كسبا نكالاً من الله)، فوجد ختامها (والله عزيز حكيم)
    قال الأعرابي: يا أصمعي والله عزيز حكيم، عز فحكم فقطع، ولو غفر رحم وما قطع.

    هذا من جانب ، أما الجانب الآخر هو استدلالك أن معنى الرحمن هو أرحم الراحمين فهذا خطأ آخر لعلنا نبين فيه إن شاء الله تعالى .

    الخطأ الثالث : ذكرتَ كلمة اللطيف وأردتَ بها الرفيق أو الرحيم وهذا خطأ أيضا .





    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      هذا رد الأستاذ الدكتور هادي على ما تفضلتم بطرحه من تعقبات:

      ** قال إنه وجد (أن المقال متناقض أو ليس فيه ربط) وأراد بالربط الربط بين كلمتي (الرب) ولفظ الجلالة (الله). وهنا ملاحظتان:
      الأولى: إن الربط حاصل ابتداء بالسؤال الذي وجهه الدكتور موجه السؤال وإلى آخر سطر من الموضوع.
      الثانية: ثمة فرق بين مصطلح التناقض وعدم وجود الربط. فكان الأولى بالمعلق الكريم أن يحدد ما اعترض عليه. هل هو تناقض أم عدم ربط؟
      قال: (فكل المواضع أو الآيات التي اشتشهدت بها للتدليل على أن لفظ الربوبية يجمع بين الرحمة والمغفرة والإصلاح والتآلف تعود إلى الله عز وجل)
      ** الجواب: هذا ما لا شك فيه. وهو واضح بجلاء. فكلمة (الرب) دالة عليه تعالى. وإنما تحدثنا عن معنى كلمة الرب لغويا، فهي تأتي أحيانا دالة على غير الربوبية الإلهية، كرب البيت ورب كندة كما مثلنا. والموضوع لا يقتصر على البحث في معنى كلمة الرب في التنزيل العزيز. بل هو بحث لغوي، يصل إلى المعنى القرآني.
      قال: (فلو أنك أرجعت الدلالة الموجهة ( لله) لما كان هناك داعي ((كذا)) لاستثناء بعض المواضع أو المواطن في القرآن) .ثم يفصل الكلام ظنا منه أن اعتراضه غامض.
      ** الجواب: من البيّن أن المقال أراد توضيح معنى الرب سواء كان المقصود به ما ورد في الآية أم ما لم يرد، وصولا إلى بيان مثال من الحياة العامة للتدليل على الغاية التي لم يستسغها السيد المحاور، وتتجلى في قوله:
      (ثم افترضت مثالاً آخر أو ضربت مثلاً آخر فوقعت في الخطأ مرة أخرى إذ سياق المثل لا يتفق مع ما تريد التدليل عليه
      اقتباس:
      " إن الحاكم العادل الرحيم قد أحل بك العقاب "
      فلو قلت " إن الحاكم العادل الشديد أو القوي أو العزيز أحل بك العقاب لجاز و اتفق المثل)
      ** الجواب: هذا خلل في فهم النص والمقصد البلاغي منه. وقد أوضحت ذلك بجلاء في المثال الذي ضربته للحالكم الظالم الذي يأخذ البريء بجريرة المذنب، والحاكم العادل الذي يطبق العدل بالرحمة والشفقة. فالبريء في ظله لا يُظلم ولا يُضام.
      ولتوضيح هذا النص أقول: إن الظلم في الحالة الأولى قد يقع على بريء. فلا ملام على هذا البريء ولا تشنيع فلا يستغرب العقاب الذي وقع عليه. أما إن وقع العقاب على امرئ من قبل الحاكم الثاني فيدلّ على مدى السوء الذي ذلك المرء. وهذه هي حالة العقاب الذي ينزله الرب جلا وعلا على من يستحقه. فهذا الذي يستحقه وصل به سوء حاله أنه ليس له ظل من رحمة الله التي وسعت كل شيء.
      النص واضح. ويمكن للمعلق الكريم أن يعود إلى كتب البلاغة واللغة ليرى حقائق الأمور.

      تعليق

      يعمل...