#شيء من اللغة: من أساليب التعبير القرآني
د. هادي حسن حمّودي
عقب المحقق الجادّ الأستاذ الدكتور ميثاق حسن الصالحي، على حلقة سابقة من شيء من اللغة:
(أحسنت حضرة الدكتور، أفاض الله تعالى عليكم سوابغ النعم.. هنالك آية قرآنية مباركة تتحدث عن مآل الطاغين المتجبرين فرعون وعاد وثمود (( فصبّ عليهم ربك سوط عذاب )) فما الحكمة في توظيف لفظ الربوبية والحنو والتلطف في سياق عذاب قائم على التصوير الفني البديع؟).
لكم التحية..
تعقيبي:
عزيزي الدكتور ميثاق حسن الصالحي، أشكر لكم تواصلكم وحسن ظنكم.
نعم إن الآيتين: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) تتضمنان وصف حالة أقوام أهلكوا بفسادهم مع مجيء كلمة (رب) الدالة على ما قلتم. فأرى أن أذكر شيئًا من معاني كلمة (رَبّ) لتأكيد الحنو والعطف فيها، ثم نرى إمكانية التعبير بها عن العقاب:
للجذر (ر ب ب) أصول دلاليّة يُمكن أن تُجمعَ في تكوين الشيء وإصلاحه والقيام عليه والعناية به. فالرَّبّ: الخالق والمالك والصّاحب. والرَّبّ: الـمُصْلِحُ للشّيء، نقول لمن أصلح ضيعته: رَبَّ فلانٌ ضَيعته، فهو رابُّها وربُّها. ومن معاني الرّبّ، أيضا: السّيّد المطاع، كقول العرب: ربُّ كِندة، مثلا. ويجعلون من أمثلة هذا المعنَى، قوله، تعالى: (أمّا أحدُكما فيسقي ربّه خمرا) أي: سيّده. وفي القرآن إن أُطلقت كلمة الرّبّ فلا مقصود بها إلا الله. أما رب كندة أو رب البيت، فمجاز.
فكلّ دلالات اللّفظة موجّهة للصّلاح والإصلاح والتّجمّع والتّألُّف والتّآلُف.
وقد ذُكر لفظ (رب) وحده ومع إضافته إلى ما بعده في التنزيل العزيز 725 مرة: رب / ربِّ / ربّا / ربكم/ ربّنا / ربّه/ .. إلى آخره.. وهي في مواطن الرحمة والدعاء والقدرة وما إليها من المعاني الموضحة آنفا. كما في: (سَلامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ).
باستثناء كلمة (ربّك) التي وردت 242 مرة في القرآن، وتوزعت سياقاتها على:
* الأغلب الأعم الجمع بين الرحمة والمغفرة والعزة وما شابهها: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
* ثم الجمع بين الرحمة والمغفرة من جهة، والعقاب من جهة أخرى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) (.. وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا)
باستثناء بضعة مواضع جاء في سياقها:
* إيقاع العذاب بمن يستحقه: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ).
* إيقاعه والتهديد بإيقاعه مستقبلا: (... وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ. مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ).
إن مجيء العقاب والعذاب في سياق صفات الرحمة والرب أكثر عمقا وبلاغة ومبالغة، وأشدّ تنديدا بمن يقع عليه، من مجيئه في سياق آخر. هنا مثال من عدة أمثلة:
قول إبراهيم لأبيه: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا). فالرحمن وسعت رحمته كل شيء، إذ هو ليس رحيما فحسب بل هو رحمن، فإني أخاف عليك يا أبتِ أن تخرج عن أفق رحمته الرحيب الوسيع الذي لن يخرج منه إلا الشقي الذي يستحق التوبيخ والعقاب.
ولتوضيح عمق هذا الأسلوب ننتقل إلى مثال من حياتنا الآن:
افترض أن حاكما غضوبا قاسيا يرى الناس أعداءه، يعاقبهم بذنب وبغير ذنب. بل يأخذ البريء بجريرة المذنب. بل يصل به الحال إلى معاقبة كل من له بصلة بمن أخطأ، صلة قرابة أم صداقة أم عمل. فمعاقبة أي مواطن أمر متوقع. وآنذاك فإن وقوع العقاب على بريء أمر طبيعيّ.
على عكس تلك الحالة إن كان الحاكم محبا للناس، عطوفا عليهم، يشملهم كلهم بلطفه وتسامحه، فإن أنزل العقاب بواحد منهم، فلك أن تقول له: ما أشقاك وأسوأ سلوكك، بحيث إن هذا الحاكم العادل الرحيم قد أحل بك العقاب.
وهذا هو عمق شأن العقاب حين يصدر من الرب الغفور الرحمن الرحيم.
د. هادي حسن حمّودي
عقب المحقق الجادّ الأستاذ الدكتور ميثاق حسن الصالحي، على حلقة سابقة من شيء من اللغة:
(أحسنت حضرة الدكتور، أفاض الله تعالى عليكم سوابغ النعم.. هنالك آية قرآنية مباركة تتحدث عن مآل الطاغين المتجبرين فرعون وعاد وثمود (( فصبّ عليهم ربك سوط عذاب )) فما الحكمة في توظيف لفظ الربوبية والحنو والتلطف في سياق عذاب قائم على التصوير الفني البديع؟).
لكم التحية..
تعقيبي:
عزيزي الدكتور ميثاق حسن الصالحي، أشكر لكم تواصلكم وحسن ظنكم.
نعم إن الآيتين: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) تتضمنان وصف حالة أقوام أهلكوا بفسادهم مع مجيء كلمة (رب) الدالة على ما قلتم. فأرى أن أذكر شيئًا من معاني كلمة (رَبّ) لتأكيد الحنو والعطف فيها، ثم نرى إمكانية التعبير بها عن العقاب:
للجذر (ر ب ب) أصول دلاليّة يُمكن أن تُجمعَ في تكوين الشيء وإصلاحه والقيام عليه والعناية به. فالرَّبّ: الخالق والمالك والصّاحب. والرَّبّ: الـمُصْلِحُ للشّيء، نقول لمن أصلح ضيعته: رَبَّ فلانٌ ضَيعته، فهو رابُّها وربُّها. ومن معاني الرّبّ، أيضا: السّيّد المطاع، كقول العرب: ربُّ كِندة، مثلا. ويجعلون من أمثلة هذا المعنَى، قوله، تعالى: (أمّا أحدُكما فيسقي ربّه خمرا) أي: سيّده. وفي القرآن إن أُطلقت كلمة الرّبّ فلا مقصود بها إلا الله. أما رب كندة أو رب البيت، فمجاز.
فكلّ دلالات اللّفظة موجّهة للصّلاح والإصلاح والتّجمّع والتّألُّف والتّآلُف.
وقد ذُكر لفظ (رب) وحده ومع إضافته إلى ما بعده في التنزيل العزيز 725 مرة: رب / ربِّ / ربّا / ربكم/ ربّنا / ربّه/ .. إلى آخره.. وهي في مواطن الرحمة والدعاء والقدرة وما إليها من المعاني الموضحة آنفا. كما في: (سَلامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ).
باستثناء كلمة (ربّك) التي وردت 242 مرة في القرآن، وتوزعت سياقاتها على:
* الأغلب الأعم الجمع بين الرحمة والمغفرة والعزة وما شابهها: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
* ثم الجمع بين الرحمة والمغفرة من جهة، والعقاب من جهة أخرى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) (.. وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا)
باستثناء بضعة مواضع جاء في سياقها:
* إيقاع العذاب بمن يستحقه: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ).
* إيقاعه والتهديد بإيقاعه مستقبلا: (... وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ. مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ).
إن مجيء العقاب والعذاب في سياق صفات الرحمة والرب أكثر عمقا وبلاغة ومبالغة، وأشدّ تنديدا بمن يقع عليه، من مجيئه في سياق آخر. هنا مثال من عدة أمثلة:
قول إبراهيم لأبيه: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا). فالرحمن وسعت رحمته كل شيء، إذ هو ليس رحيما فحسب بل هو رحمن، فإني أخاف عليك يا أبتِ أن تخرج عن أفق رحمته الرحيب الوسيع الذي لن يخرج منه إلا الشقي الذي يستحق التوبيخ والعقاب.
ولتوضيح عمق هذا الأسلوب ننتقل إلى مثال من حياتنا الآن:
افترض أن حاكما غضوبا قاسيا يرى الناس أعداءه، يعاقبهم بذنب وبغير ذنب. بل يأخذ البريء بجريرة المذنب. بل يصل به الحال إلى معاقبة كل من له بصلة بمن أخطأ، صلة قرابة أم صداقة أم عمل. فمعاقبة أي مواطن أمر متوقع. وآنذاك فإن وقوع العقاب على بريء أمر طبيعيّ.
على عكس تلك الحالة إن كان الحاكم محبا للناس، عطوفا عليهم، يشملهم كلهم بلطفه وتسامحه، فإن أنزل العقاب بواحد منهم، فلك أن تقول له: ما أشقاك وأسوأ سلوكك، بحيث إن هذا الحاكم العادل الرحيم قد أحل بك العقاب.
وهذا هو عمق شأن العقاب حين يصدر من الرب الغفور الرحمن الرحيم.
المصدر

تعليق