معلوم أن الشعر نوع من أنواع التعبير ـ أي أنه كلام ـ والتعبير إما أن يكون صالحاً نافعاً ، وإما أن يكون طالحاً ضاراً ولا شك أن الكلام الطيب هو الصالح النافع ، والكلام الخبيث هو الطالح الضار .
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذين النوعين من الكلام في قول الله عز وجل : { ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمةٍ خبيثةٍ كشجرة خبيثةٍ اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } ( 27:24ـ إبراهيم ) .
والناظر في الآيات التي ختمت بها سورة الشعراء ؛ يجدها تجسم أحوال الفريقين تجسيما ظاهرا لا يخفى على ذي بصر أو بصيرة حيث قول الله عز وجل : { والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر انهم في كل وادٍ يهيمون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلما أي منقلب ينقلبون} [ 224 ـ 227: الشعراء ]
وقد ورد أن حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة جاءوا يبكون إلى النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ بعد نزول هذه الآيات فقالوا : يا نبي الله أنزل الله هذه الآية ، وهو يعلم أنَّا شعراء ، فقال : اقرأوا ما بعدها { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الآية أنتم ، { وانتصروا من بعد ما ظلموا } أنتم ، أي بالرد على المشركين . قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم : " انتصروا ولا تقولوا إلا حقاً ولا تذكروا الآباء والأمهات "
وفي الأثرعن سيد الخلق ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قوله : " الشعر بمنزلة الكلام ، حسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح الكلام " وقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : " إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن ، وما لم يوافق الحق فلا خير منه " وقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : " إنما الشعركلام ، فمن الكلام خبيث وطيب " وقد تأثر شعراء الرسول ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ رضوان الله عليهم ـ بتلك المعاني فها هو شاعر الرسول سيدنا حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه يقول :
وإنما الشعر لب المرء يعرضه = على المجالس إن كيسا وإن حمقا
وإن أشعر بيت أنت قائله = بيت يقال إذا أنشدته صدقا
وسيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يدعو إلى حفظ نماذج من الشعر الجيد فيقول موصياً ابنه عبد الرحمن : " يا بني انسب نفسك تصل رحمك واحفظ محاسن الشعر يحسن أدبك ، فإن من لا يعرف نسبه لم يصل رحمه ، ومن لم يحفظ محاسن الشعر لم يؤد حقاً ، ولم يقترف أدباً " . وكتب إلى أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه : " مر من قِبَلك بتعلم الشعر ، فإنه يدل على معاني الأخلاق ، وصواب الرأي ، ومعرفة الأنساب "
ومما نسب إلى سيدنا عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قوله : " الشعر ديوان العرب فإذا أشكل عليكم شيء في كتاب الله فالتمسوه في ديوان العرب " .
وإمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني يذكر في كتابه ( دلاءل الإعجاز ردا مفصلا على تحت عنوان ( فصل في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه ، وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه ) فيقول :
ـ لا يخلو من كان هذا رأيه من امور ك
احدها : أن يكون رفضه له وذمه إياه من أجل ما يجده فيه من هزلٍ أو سخفٍ ، وهجاءٍ وسبٍ وكذبٍ وباطلٍ عل الجملة .
والثاني : أن يذمه لأنه موزونٌ مقفى ، ويرى هذا بمجرده عيبا يقتضي الزهد فيه والتنزه عنه .
والثالث : أن يتعلق بأحوال الشعراء وانها غير جميلةٍ في الأكثر ، ويقول : قد ذُموا في التنزيل .
وأي كان من هذه رأيا له ، فهو في ذلك على خطأٍ ظاهر وغلطٍ فاحشٍ ، وعلى خلاف ما يوجبه القياس والنظر ، وبالضد مما جاء به الأثر ، وصح به الخبر .
ـ أما من زعم أن ذمه له من أجل ما يجد فيه من هزل زسخف وكذب وباطل ، فينبغي ان يذم الكلام كله ، وان يفضل الخرس على النطق ، والعي على البيان . فمنثور كلام الناس على كل حال أكثر من منومه ... ونحن نعلم أن لو كان منثوركلام الناس يُجمع كما يُجمع المنظوم ، ثم عمد عامد فجمع ما قيا من جنس الهزل والسخف نثراً في عصرواحد ، لأربى على جميع ما قاله الشعراء نظما في الأزمان الكثيرة ، ولغمره حتى لا يظهر فيه ... نعم وكيف رويت : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ، فيريه ، خير له من أن يمتلئ شعرا " ، ولهجت به ، وتركت قوله صلى الله عليه وسلم : " إن من الشعر لحكمةٌ وإن من البيان لسحرا " ؟ وكيف نسيت أمره صلى الله عليه وسلم بقول الشعر ، ووعده عليه الجنة ، وقوله لحسان : " قل وروح القدس معك " ، وسماعه له واستنشاده إياه ، وعلمه صلى الله عليه وسلم به ، واستحسانه له ، وارتياحه عند سماعه ؟ " ا . هـ
والشاعر المجيد يصل بشعره إلى درجة المجاهدين في سبيل الله تعالى فقد روي أن النبي صلى الله علية وعلى آله وصحبه وسلم ـ امر شعراء الإسلام قائلاً : " جاهدوا المشركين بألسنتكم " وعندما رد سيدنا حسان عل هجاء الكافرين قال له النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : " كلامك أشد عليهم من وقع النبال "
وقد سمع النبي الشعر وطلب أن يسمعه بل أثني ودعا لشعراء الحكمة فعندما سمع قول الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً = ويأتيك بالأخبار من لم تزود
قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : " هذا من كلام النبوة "
ولما أنشده النابغة الجعدي وانتهى إلى قوله :
ولا خير في حلم إذا لم يكن له = بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له = حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
قال له النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : " لا يفضض الله فاك " فعاش النابغة عمره لم يقع من فمه سن .
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذين النوعين من الكلام في قول الله عز وجل : { ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمةٍ خبيثةٍ كشجرة خبيثةٍ اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } ( 27:24ـ إبراهيم ) .
والناظر في الآيات التي ختمت بها سورة الشعراء ؛ يجدها تجسم أحوال الفريقين تجسيما ظاهرا لا يخفى على ذي بصر أو بصيرة حيث قول الله عز وجل : { والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر انهم في كل وادٍ يهيمون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلما أي منقلب ينقلبون} [ 224 ـ 227: الشعراء ]
وقد ورد أن حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة جاءوا يبكون إلى النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ بعد نزول هذه الآيات فقالوا : يا نبي الله أنزل الله هذه الآية ، وهو يعلم أنَّا شعراء ، فقال : اقرأوا ما بعدها { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } الآية أنتم ، { وانتصروا من بعد ما ظلموا } أنتم ، أي بالرد على المشركين . قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم : " انتصروا ولا تقولوا إلا حقاً ولا تذكروا الآباء والأمهات "
وفي الأثرعن سيد الخلق ـ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قوله : " الشعر بمنزلة الكلام ، حسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح الكلام " وقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : " إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن ، وما لم يوافق الحق فلا خير منه " وقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : " إنما الشعركلام ، فمن الكلام خبيث وطيب " وقد تأثر شعراء الرسول ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ رضوان الله عليهم ـ بتلك المعاني فها هو شاعر الرسول سيدنا حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه يقول :
وإنما الشعر لب المرء يعرضه = على المجالس إن كيسا وإن حمقا
وإن أشعر بيت أنت قائله = بيت يقال إذا أنشدته صدقا
وسيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يدعو إلى حفظ نماذج من الشعر الجيد فيقول موصياً ابنه عبد الرحمن : " يا بني انسب نفسك تصل رحمك واحفظ محاسن الشعر يحسن أدبك ، فإن من لا يعرف نسبه لم يصل رحمه ، ومن لم يحفظ محاسن الشعر لم يؤد حقاً ، ولم يقترف أدباً " . وكتب إلى أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه : " مر من قِبَلك بتعلم الشعر ، فإنه يدل على معاني الأخلاق ، وصواب الرأي ، ومعرفة الأنساب "
ومما نسب إلى سيدنا عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قوله : " الشعر ديوان العرب فإذا أشكل عليكم شيء في كتاب الله فالتمسوه في ديوان العرب " .
وإمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني يذكر في كتابه ( دلاءل الإعجاز ردا مفصلا على تحت عنوان ( فصل في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه ، وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه ) فيقول :
ـ لا يخلو من كان هذا رأيه من امور ك
احدها : أن يكون رفضه له وذمه إياه من أجل ما يجده فيه من هزلٍ أو سخفٍ ، وهجاءٍ وسبٍ وكذبٍ وباطلٍ عل الجملة .
والثاني : أن يذمه لأنه موزونٌ مقفى ، ويرى هذا بمجرده عيبا يقتضي الزهد فيه والتنزه عنه .
والثالث : أن يتعلق بأحوال الشعراء وانها غير جميلةٍ في الأكثر ، ويقول : قد ذُموا في التنزيل .
وأي كان من هذه رأيا له ، فهو في ذلك على خطأٍ ظاهر وغلطٍ فاحشٍ ، وعلى خلاف ما يوجبه القياس والنظر ، وبالضد مما جاء به الأثر ، وصح به الخبر .
ـ أما من زعم أن ذمه له من أجل ما يجد فيه من هزل زسخف وكذب وباطل ، فينبغي ان يذم الكلام كله ، وان يفضل الخرس على النطق ، والعي على البيان . فمنثور كلام الناس على كل حال أكثر من منومه ... ونحن نعلم أن لو كان منثوركلام الناس يُجمع كما يُجمع المنظوم ، ثم عمد عامد فجمع ما قيا من جنس الهزل والسخف نثراً في عصرواحد ، لأربى على جميع ما قاله الشعراء نظما في الأزمان الكثيرة ، ولغمره حتى لا يظهر فيه ... نعم وكيف رويت : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ، فيريه ، خير له من أن يمتلئ شعرا " ، ولهجت به ، وتركت قوله صلى الله عليه وسلم : " إن من الشعر لحكمةٌ وإن من البيان لسحرا " ؟ وكيف نسيت أمره صلى الله عليه وسلم بقول الشعر ، ووعده عليه الجنة ، وقوله لحسان : " قل وروح القدس معك " ، وسماعه له واستنشاده إياه ، وعلمه صلى الله عليه وسلم به ، واستحسانه له ، وارتياحه عند سماعه ؟ " ا . هـ
والشاعر المجيد يصل بشعره إلى درجة المجاهدين في سبيل الله تعالى فقد روي أن النبي صلى الله علية وعلى آله وصحبه وسلم ـ امر شعراء الإسلام قائلاً : " جاهدوا المشركين بألسنتكم " وعندما رد سيدنا حسان عل هجاء الكافرين قال له النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : " كلامك أشد عليهم من وقع النبال "
وقد سمع النبي الشعر وطلب أن يسمعه بل أثني ودعا لشعراء الحكمة فعندما سمع قول الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً = ويأتيك بالأخبار من لم تزود
قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : " هذا من كلام النبوة "
ولما أنشده النابغة الجعدي وانتهى إلى قوله :
ولا خير في حلم إذا لم يكن له = بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له = حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
قال له النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : " لا يفضض الله فاك " فعاش النابغة عمره لم يقع من فمه سن .
