خصائص النثر في الأسلوب الشاكري
كتبه: محمد بركات[1]
كتبه: محمد بركات[1]
توطئة وتمهيد:
إن العلامة محمود شاكر قمة من القمم الباذخة الراسخة، التي أنارت السبيل، ومهدت الطريق، فهو مصلح اجتماعي إذا عد المصلحون، وأديب بلاغي إذا عد الأدباء والبلاغيون، وهو شيخ وواعظ إذا ذكر الوعاظ والشيوخ، وهو مفكر كبير إذا عد المفكرون، وقد آتاه الله ملكة الأسلوب البياني الذي لا تأتيه اللُّكنةُ من بين يديه ولا من خَلْفِه، رجلٌ سِيطَ لحمُه ودمه من كلام البلغاء، وحكمة الشعراء، فأَحْسَنَ التذوق والتطبيق، فكان شامة في جبين النثر العربي جنبًا إلى جنب مع الجاحظ وأبي حيان التوحيدي والرافعي.
والعجيب حقًّا أن يحتل محمود شاكر هذه المنزلة العظمى بين صانعي الأسلوب وقساورة البيان، رغم أن مؤلفاته النثرية قليلة جدًّا، تكاد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولكن بيانه ترك بصمة قويةً بالغة في العقول والقلوب والأسماع.
والكتابة لم تكن عنده ترفيهًا، ولم تكن مجرد أفكار تصول في رأسه فيضعها كما بدت له أول وهلة، بل هو رجل لا تزال الفكرة تعتمل في رأسه وتنمو وتكبر حتى تستويَ على سُوقها، فتَخرُجُ تامَّةَ الخَلْق، مكتملةَ البنيان، وليس أقدر على وصف حالة الأديب لحظة معاناة الكتابة غير الأديب نفسه، فلندعه هو يحدثنا عن نفسه حين يتهيأ للكتابة؛ إذ يقول في تصوير بليغ:
«حين أتهيأ للكتابة يُخيَّل إلي أن الموضوع قد استقر في نفسي واستوى، وأن الوجه قد استبان واستتبت لي مَذاهبُه، وعندئذٍ أكون كالذي يَرى جَنّة مترامية الأطراف من المنظر الأعلى؛ كأنها زُوِيت لي في رُقْعة يحيط بها البصر، فيَرى أَفْنانَ شجرها، وتناويرَ أثمارها، وتَخاريجَ ألوانها... فإذا أخذتُ مكاني وأمسكت القلم وبدأت أكتب، فكأني قد انحدرت من سماء مَرْقَبتي، وأفضيت إلى سَوادها، وأجدني وقعتُ على حواشي حَرَجةٍ مظلمة الجوانب (والحرجة: الشجر المجتمع الملتف، لا يقدر أحد أن ينفذ فيها)» (أباطيل وأسمار ص423).
تلك هي الكتابة عند العلامة شيخ العربية في العصر الحديث محمود محمد شاكر، ولم تكن هذه العبقرية الفذة في الأسلوب والتعبير وليدة الفجأة والحظ والصدفة، وإنما حازها الشيخ بعد طول معاناة ومراس، وقراءة واطلاع، واستظهار أساليب كبار الكتاب شعرًا ونثرًا، فما هي مصادره التي انحدر إليه منها هذا الأسلوب الجبار؟ ومن الذي كان له أقوى التأثير على فكر الشيخ وثقافته؟ هذا ما سنعرفه في العنصر التالي بإيجاز.
المصادر التي أثرت في ثقافته:
لا شك أن لكل أديب مصادرَ أثرت في أسلوبه وشخصه، وطريقة تفكيره، والعواملُ التي أثرت في شاكر كثيرة جدًّا، وسنحاول أن نُجْمِلَها فيما يلي:
1) نشأته في بيت عالم من أعلام العصر الذي عاشه وهو أبوه محمد شاكر ذلك الأزهري الكبير وهو من كبار علماء عصره.
2) أخوه أحمد شاكر الذي كان مهتمًّا بالتحقيق إلى حد بعيد فحقق ديوان السنة الأضخم (مسند أحمد بن حنبل)، وحقق (الرسالة للشافعي)، ثم حقق بعد ذلك تفسير الطبري بمشاركة أخيه محمود، وبذلا مجهودًا جبارًا في فك مغاليق هذا الكتاب.
3) الشعر، لقد كان للشعر دور كبير في تكوين ثقافة شاكر الأدبية، فقد أحس شاكر بغربة في التعليم الذي قرره دنلوب، وأحس بتضاؤل لغته العربية أمام الأجنبية، وهو الذي نشأ في بيت أزهري يعتز بدينه ولغته كما أسلفنا، فذهب إلى الجامع الأزهر واستمع إلى مطارحة الشعر، وكان ديوان المتنبي هو المائدة العامرة التي يلتفون حولها فيقرؤونه ويتناشدون وأكب على شرح ديوان المتنبي لليازجي ليلا ونهارا حتى حفظ الديوان كله، وتمكنت العربية بقدر كبير في وجدانه.
4) اتصاله بشخصيتَينِ من كبار عصرهما؛ هما: المرصفي والرافعي، وقد تولى المرصفي تدريس العربية في الجامع الأزهر، وكان حامل لوائها في ذلك الوقت، وتخرج عليه كبار الأدباء والمفكرين في ذلك العصر؛ كالزيات، وعلي عبد الرازق، وحسن السندوبي، وأحمد شاكر، وعلي الجارم، وطه حسين، واتصل به شاكر وحضر دروسه، وقرأ عليه (الكامل) للمبرد، و(حماسة أبي تمام)، وشيئا من (أمالي القالي). أما الرافعي فكان تأثيره في شاكر كبيرًا جدًّا.
5) وكذلك تَعلُّمُه الرياضيات فيما بعد أثر على تذوقه وأسلوبه، وقد ألمح هو إلى ذلك في كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)؛ إذ قال: «علمني كتاب سيبويه يومئذٍ أن اللغة هي الوجه الآخر للرياضيات العليا».
يقول في مقال له بعنوان «إياكم والمهادنة» (جمهرة المقالات 1 /490): «إنما حملتُ أمانة هذا القلم لأصدع بالحق جِهارًا في غير جَمْجَمةٍ ولا إِدْهانٍ، ولو عرفتُ أني أعجزُ عن حَمْلِ هذه الأمانةِ بحقها، لَقَذَفْتُ به إلى حيث يَذِلُّ العزيز ويُمْتهَنُ الكريم».
ثم يواصل في المقال ذاته: «وأنا جندي من جنود هذه العربية لو عرفت أني سوف أحمل سيفا أو سلاحا أَمْضَى من هذا القلم لكان مكاني اليوم في ساحة الوغى في فلسطين، ولكني نذرت على هذا القلم أن لا يكف عن القتال في سبيل العرب ما استطعت أن أحمله بين أناملي، وما أتيح لي أن أجد مكانا أقول فيه الحق وأدعو إليه، لا ينهاني عن الصراحة فيه شيء مما ينهى الناس أو يخدعهم أو يغرر بباطل من باطل هذه الحياة».
• وكذلك عزلته التي اعتزلها عن الحياة الأدبية الفاسدة التي وصفها في وقته كان لها أكبر الأثر في تكوين ثقافته وأسلوبه وشخصيته إذ يقول في (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ص23، 24: (فإن هذا الإحساس القديم المبهم المتصاعد بفساد الحياة الآدبية، قد أفضى بى... إلى إعادة قراءة الشعر العربي كله أولًا، ثم قراءة ما يقع تحت لدي من هذا الإرث العظيم الضخم المتنوع من تفسير وحديث وفقه، وأصول فقه وأصول دين (هو علم الكلام)، وملل ونحل، إلى بحر زاخر من الأدب والنقد والبلاغة والنحو واللغة، حتى تراث الفلسفة القديمة والحساب القديم وا لجغرافية القديمة، كتب النجوم وصور الكواكب، والطب القديم ومفردات الأدوية، وحتى قرأت البيزرة والبيطرة والفراسة.... بل كل ما استطعت أن أقف عليه بحمد الله سبحانه، قرأت ما تيسر لى منه).
الولوج إلى موضوع البحث:
سأتناول في هذا العنوان خصائص أسلوب شاكر التي تفرد بها عمن سبقه، والتي جعلت لأسلوبه مريدين ومتذوقين.
خصائص أسلوب شاكر:
نظرًا لأن الرجل ينطلق من منطلق إيماني عقدي يدافع فيه عن أمته ودينه ولغته، فالقلم في يده ليس مجرد يراعة تكتب بالحبر، وإنما هو سيف يقطر بالدم، وينير بريقه الدرب أمام أبناء الأمة، ولهذا فهو لا يضع لَأْمَةَ الحربِ أبدًا، وكان لأسلوبه الأدبي من هذا المنطلق بعض السمات التي حددته، وسأوجزها فيما يلي، وهذا مما لم أقف عليه عند أحد؛ إذ لم أجد أحدًا فصَّلَ أسلوبه تفصيلًا كما فعلتُه الآن، إلا أن يكون هناك من تكلم عن أسلوبه كما تكلمت، ولم يَصِلْني، ولم أَقِفْ عليه:
• للعلامة شاكر أسلوب مبتدع مخترع لا يشبه من سبقه، وهذه هي قمة وقوة العبقرية الأدبية التي يمكن أن يصل إليها أديب، فشاكر مسبوق بأجيال من الأدباء الراسخين ذوي المكانة وصانعي الأسلوب ومبتكريه، وهو قد شهد في وقته ثلة كبيرة من أصحاب الأسلوب على رأسهم الرافعي، الذي احتفى به شاكر كثيرًا، وأكبَرَ أسلوبَه ووضعه في موضعه اللائق به، وعاصر العقاد، وسيد قطب، والمازني، والزيات، وطه حسين وغيرهم، ولكلٍّ أسلوبٌ وطريقة تختلف عن الآخر قوةً وضعفًا، فالطريق إذن أمامه شاقة وعسيرة، لكنه استطاع أن يجعل لنفسه أسلوبًا أثر في الأجيال التالية له وأكبروه وتَرسَّموا خطاه، حتى عدوه جاحظ وقته، وهو أسلوب قوامه البلاغة في اختيار اللفظة ووضعها في سياقها اللائق بها بعيدًا عن المحسنات البديعية، والإغراق البياني والزخرفة، فتخرج جملته كالذهب لا تشوبه شائبة، ولا عجب فهو الذي يحتفي بالبلاغة والأساليب الأدبية العالية، حتى إنه جعل سبب شهرة مقدمة ابن خلدون إنما هو أسلوبه وفصاحته لا معارفه التي بثها فيها والتي يعرفها كثيرون غيره في الشرق والغرب، انظر إليه وهو يتكلم عن ابن خلدون في (جمهرة مقالاته 2 /674) فيقول: «وأكثَرُ الناسِ على أن ابن خلدون هو أول من اهتدى من العرب إلى هذه الحقائق العظيمة التي أثبتها في مقدمته، فهذا صحيح من ناحية، هي أنهُ أول من دوَّنها جميعها بين دفّتَيْ كتاب، ولكنّي لا أشكُّ أن أهل السياسة والرياسة في الدول العربية في الشرق والغرب كانوا يجيدون ما أجاد ابن خلدون من هذا العلْم، وكانوا يعرفون ذلك حقَّ المعرفة، وهناك أدلة كثيرة على ذلك ليس هذا موضعُ إيضاحها وتفصيلها. وأنا لا أظنُّ أن رجلًا مثل (لسان الدين بن الخطيب) الوزير الأندلسيُّ البارع في السياسة والأدب كان يجهل من هذا ما علمهُ ابن خلدون، بل أرجح الظن عندي أن (لسان الدين) كان على شرف من هذا العلم يكاد يفوق به صديقه ابن خلدون؛ إلا أن ما تهيأ لابن خلدون -من البلاغة التي لا صنعة فيها، ومن دقة العبارة، ومن جودة القياس، ومن براعة الإفصاح عمَّا يترجرج في نفسه وضميره- لم يتهيأ للسان الدين بن الخطيب؛ فقد كان هذا شاعرًا كاتبًا بليغًا على أسلوب غير هذا الذي كان لابن خلدون».

تعليق