تحقيق القول في معنى "وراء"

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    تحقيق القول في معنى "وراء"

    تحقيق القول في معنى "وراء"
    د. بهاد الدين عبد الرحمن




    من المشهور في كتب اللغة أن (وراء) من الأضداد أي أنه يأتي بمعنى خلف وبمعنى أمام واستشهدوا على ذلك ببعض ما ورد في القرآن الكريم وبعض ما ورد في الشعر الفصيح، قال ابن الأنباري في الأضداد:
    ‌ووَراء من ‌الأَضْداد. يقال للرَّجل: ‌وَراءَك، أَي خلْفَكَ، ‌ووَراءَك أَي أَمامك، قال الله عزَ وجلّ: منْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ، فمعناه من أَمامهم. وقالَ تعالى: وكَانَ ‌وَرَاءهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبَا، فمعناه: وكانَ أَمامهم. وقال الشَّاعر:
    لَيْسَ على طُولِ الحياةِ نَدَمْ ... ومِنْ ‌وَراءِ المرْءِ ما يَعْلَمْ
    أَي من أَمامه، وقال الآخر:
    أَتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعي وطَاعَتي ... وقومِي تَميمٌ والفَلاةُ وَرائيا
    أَرادَ قدَّامي. وقال الآخر:
    أَلَيْسَ وَرائي إِنْ تَراخَتْ مَنِيَّتي ... لزومُ العَصَا تُحْنَى عليها الأَصابِعُ
    وقال الآخر:
    أَلَيْسَ وَرائي أَنْ أَدِبَّ على العَصَا ... فيأْمَنَ أَعْدائي ويَسْأَمَني أَهْلي
    انتهى كلام ابن الأنباري، وهو يلخص كل ما في كتب اللغة في هذا الشأن.
    والتحقيق عندي أن وراء على معناها الأصلي، وهو التواري خلف شيء معين وقد يكون هذا التواري في الأمكنة وقد يكون في الأزمنة.
    وسأبين على ضوء هذا المعنى كل هذه الشواهد.
    ففي قوله تعالى: (من ورائهم جهنم) أي من وراء حياتهم الدنيا هذه جهنم، فجهنم متوارية عنهم خلف هذه الحياة، ومثل ذلك (ومن ورائهم برزخ) أي: وخلف موتهم برزخ أو خلف حياتهم الدنيا، ومثله قوله تعالى (إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ ‌وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلا) .
    وأما قوله تعالى (أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ ‌وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبا) فالمعنى: وكان وراء بحرهم الذي يعملون فيه ملك، أي: كان البحر يواري خلفه ذلك الملك. وهكذا كل ما ورد في القرآن مما ظاهره أن المعنى أمامهم يمكن أن يوجه على أنه بمعنى خلف بشيء من التأويل والربط بمعنى المواراة.
    وأما قول الشاعر:
    ليس على طول الحياة ندم ... ومن ‌وراء المرء ما يعلم
    فالمعنى: والمرء يعلم ما يتوارى خلف حياته وهو الموت.
    ومثل ذلك قوله:
    أَلَيْسَ وَرائي إِنْ تَراخَتْ مَنِيَّتي ... لزومُ العَصَا تُحْنَى عليها الأَصابِعُ
    أي يتوارى خلف شبيبتي الهرم والاتكاء على العصا.
    ومثله قول عروة:
    أَلَيْسَ وَرائي أَنْ أَدِبَّ على العَصَا ... فيأْمَنَ أَعْدائي ويَسْأَمَني أَهْلي
    أي أليس بعد شبابي وكهولتي إلا الهرم، فوراء قوة الإنسان في شبيبته ضعف وشيبة.
    ومثله:
    أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي ... وَقَوْمِي تَمِيمٌ وَالْفلَاةُ وَرَائِيَا
    ويروى والولاة.
    فعلى رواية الولاة يكون المعنى: وقومي تميم والولاة من خلفي يظاهرونني، وعلى رواية والفلاة ورائيا أي خلفي قومي تميم أحتمي بهم، وخلفي الفلاة أختفي فيها.
    وأما ما أنشده قُطْرب للنَّابغة:
    حَلَفْتُ فلَمْ أَتْرُكْ لنَفْسِكَ رِيبَةً ... ولَيْسَ وَراَء اللهِ للمَرْءِ مَذْهَبُ
    فمعناه ليس بعد الله من يمكن أن يحلف به المرء فهو سبحانه المنتهى في التعظيم والتقديس.
    وتقول ليس وراء هذا الكلام شيء يقال أي ليس بعده ما يقال فقد بلغ الغاية مما يمكن أن يقال في الشأن المتحدث عنه، أي أنه ليس خلف ما يواريه هذه الكلام شيء يمكن أن يظهر بعده.
    فوراء في الأزمنة تعني بعد وفي الأمكنة تعني خلف وكل من البعد والخلف نسبيان فما خلف زيد قد يكون أمام عمرو، وما بعد زمن يكون قبلا لزمن آخر، وكل ذلك يفسر على ضوء المعنى الأصلي لوراء وهو معنى التواري أو المواراة خلف ما تضاف إليه مع تقدير ما يناسب السياق.

    المصدر
يعمل...