شيء من النقد!

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    شيء من النقد!

    شيء من النقد!
    د. سيد شعبان




    ثمة جناحان لأي عمل أدبي: المبدع والناقد، أما المبدع فذلك الذي يمسك بقلمه ويرسم خيوطه وظلاله في لوحة يرى نفسه أو غيره في إطارها، يمكث وقتا يعالج فنه: يصوب أو يغزل ما نسجه من سرد، يلوذ بمفاتيح اللغة فتمده بما وعته ذاكرته، يطوف بخياله أودية الحكي ينظر من ثقب أو يتدخل في الحدث فيكون الراوي الذي علم بما في نصه، يرى نفسه مبدعا- وما المرء إلا عاطفة لم تتجرد بعد من الهوى- يقف مشدوها مفتونا بما أتى، قد يبلغ به ذلك حد النزق فيغدو الطاووس قرب صفحة النهر، أي فتنة وقع فيها!
    وأما الجناح الآكد الذي لولاه ماكان طيران فذلكم هو الناقد الذي يبدع في قراءة النص، يمسك بقلمه ويدخل عالما مليئا بالرموز ومحتشدا بأسوار معتمة؛ يتهمه البعض بالجفاء والغلظة بل يحسبه كثيرون عالة على الإبداع إذ فشل أن ينشيء فنا فأتى من الباب الخلفي لينتقم ممن سبقه بدرجة، هذا وذاك واهمان؛ فالسارد أو الشاعر يخايله العجب بنفسه فيرده الناقد إلى جادة الصواب، يحسن القراءة ويتحسب خطوات فيها، يفتح عين الأديب على منعرجات الطريق ومزالقه فيبصره ألا يقع فيها، يكتشف دلالات للرمز ويجيب عن أسئلة أخفى الأول معرفتها، لكنه قد يشط فيتعالى على الفنان، يسخر من أدواته ويبعثر أشلاء النص، تدفعه نفسه المتلبثة بالهوى وهو يعمي ويصم، يترك منصة العدل ويهوي إلى حومة الافتراس، وهل من يفعل؟
    كثيرون يمتهنون النقد سلعة يتكسبون بها، يتقاضون مالا أو مكانة أو وجاهة فيعلون من سارد ويحطون من مكانة شاعر؛ يتخذونها شللية ومكايدة لا إنصافا وإتقان صنعة.
    وما آسى الإبداع علي شيء قدر ما ابتلي بهذا الصنف من المرتزقة، يحسنون القبيح ويذمون الحسن.
    النقد دربة وتخصص وليس غواية تتبع فتزل الساحة بعد ثبوت قدم مبدعها، حين يكثر المبدعون من الثرثرة يردهم النقاد، أحسبهم ميزانا لاتشيل كفته.
    وكما ذكرت د.نهى بلال Noha Belal "وما النقد إلا عينٌ مبصرة لخفايا النص وما تنطوي عليه معانيه واستدراكٌ للمسكوت عنه في السرد وبيان مغزى كتابة النص بعينه".
    لا أرى الناقد مبدعا قد فشل أو رقيبا استوظف في جهة رسمية فأضحى رقيبا على الإبداع بل شريكا متمما وأصيل فن، وإن كانت للأديب عليه درجة، ذلك قدره الذي وضع فيه أن يدرك خطو المبدع لا أن يسبقه فيحمل المشعل، تكون الحجرة خاوية والبضاعة مزجاة، ينتظر دوره في تراتبية متفق عليها.
    لو أحسنا توظيف النقد لارتقينا بوعي وذائقة المتلقين، أحسب أن الذين في مقاعد الدرس في أقسام النقد الأدبي يعالجون مقررات مدرسية ويتخذون منها وظيفة يرتزقون منها، فيما مضى كانت الصحافة الأداة الأولى التي سبرت أغوار النصوص وعرفت بالمبدعين في حوار أدبي، ثم البرامج الإذاعية والتلفزيونية المتخصصة، هل نكبنا في مبدعينا؟
    بلاشك هذا واقع مشاهد، انزوى المبدع والناقد كل في ركنه يتقاذفون حراب البغي واللوم فضعفت الحياة الثقافية وصارت إلى ركاكة وسطحية نالت من الإبداع.
يعمل...