عَوْدَةٌ إِلىَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّة وإلى أوراشها فِى يَوْمِهَا العَالَمِيّ
د. محمّد محمّد خطّابي
كان يوم 18 ديسمبر المنصرم- كما هو معروف- يوماً عالمياً للّغة العربية، يُحتفىّ بها فى هذا اليوم من كل سنة، كلغة عالمية، رسميّة، متداولة، ومُستعملة في جميع المحافل الدّولية، ولم يأتِ هذا التتويج عبثاً أوإعتباطاً ، بل جاء بعد نضالٍ متواصل، وجهودٍ متوالية إنطلقت منذ أواسط القرن الفارط،، بعد أن أقرّت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم اليونسكو ذلك في الدورة الثانية والتسعين لمجلسها التنفيذي المنعقد عام 2012، حيث طفق هذا المّحفل الدّولي فى الاحتفال لأوّل مرّة بهذا اليوم في ذلك العام، قبل أن تقرّر الملحقية الاستشارية للخطة الدّولية لتنمية الثقافة العربية المعروفة ب (أرابيا) المنبثقة عن اليونيسكو هذا اليوم عنصراً أساسيّاً في برنامج عملها المتواتر فى هذا المجال .
ويشير الخبراءُ المتخصّصون فى هذا الميدان أنّ قرار اليونيسكو جاء في سياق سلسلة من القرارات الدولية الأخرى للأمم المتحدة، ومنظماتها حول اللغة العربية، من بينها القرار(878) الصّادر عن الدّورة التاسعة للأمم المتحدة المنعقدة عام 1954، والذي كان قد أجاز الترجمة التحريرية لوثائقها إلى اللغة العربية، لتقرّر منظمة اليونسكوالعالمية عام 1966 إستخدامَ اللغة العربية في المؤتمرات الإقليمية التي يتمّ تنظيمها في البلاد العربية، بالإضافة إلى إجازة المنظمة ترجمة الوثائق والمنشورات الصّادرة والمنبثقة عنها إلى اللغة العربية، ثم قرّرت اليونسكو كذلك فى نفس هذه السّنة تقوية، وتعزيز إستعمال العربيّة في أعمالها من خلال إقرار خدمات التّرجمة الفورية من اللغة العربية إلى غيرها من اللغات الأخرى والعكس في جلساتها العامة، وعند مشارف عام 1968 تمّ إعتماد العربية لغة عملٍ في هذه المنظمة الدولية، مع ترجمة مختلف وثائق العمل، وكذلك المحاضر إليها فضلاً عن توفير، وتأمين الترجمة الفورية بصفة نهائية...وهكذا حتى نصل إلى قرار الهيئة العامة للأمم المتحدة بجعل اللغة العربية لغة عمل بصفةٍ رسمية بين مختلف اللغات الحيّة الأخرى المعتمدة في الجمعية العامة وهيئاتها المختلفة،وأخيراً الإعلان عن اليوم العالمي لهذه اللغة فى الثامن عشر من شهر ديسمبر من كل عام كلغة رسمية متداولة فى مختلف الهيئات، والمنظمات، والمحافل الدّولية.
ومع ذلك ما زالت تترى وتتوالى الدّراسات، وتتعدّد وتتنوّع النقاشات،وتُطرح التساؤلات،والتخوّفات في المدّة الأخيرة عن اللغة العربية، وعن مدى قدرتها على إستيعاب علوم الحداثة، والعصرنة،والإبتكار، والتجديد الذي لا تتوقّف عجلاته ولا تني ،وتخوّف فريق من عدم إمكانها مسايرة هذا العصر المتطوّر والمذهل، كما تحمّس بالمقابل فريق آخر فأبرز إمكانات هذه اللغة، وطاقاتها الكبرى مستشهداً بتجربة الماضي، حيث بلغت لغة الضاد في نقل العلوم وترجمتها شأواً بعيداً، كثر الكلام في هذا المجال حتى كاد أن يُصبح حديثَ جميع المجالس، والمنتديات،والمؤتمرات في مختلف البلدان العربية ،فهل تعاني العربيّة حقا من هذا النقص..؟ وهل تعيش نوعاً من العزلة لدرجة أنّها في حاجة الى حماية ودفاع ومناقشات من هذا القبيل ..؟
الواقع أنّ اللغة العربية فى العمق ليست في حاجة الى إرتداء ذرع الوقاية يحميها هجمات الكائدين، ويردّ عنها شماتة التخوّفين، إذ تؤكّد كلّ الدلائل،والقرائن قديماً وحديثاً أنّ هذه اللغة كانت وما تزال لغة حيّة ، اللهمّ ما يريد أن يلحق بها بعض المتشكّكين من نعوت، وعيوب،كانت قد أثارتها فى الأصل زمرة من المستشرقين في منتصف القرن المنصرم ،حيث إختلقوا موضوعات لم يكن لها وجود قبلهم ،وما كانت لتعدّ مشاكل أونواقص تحول دون الخلق والتأليف والإبداع، وإنما كان الغرض من ذلك إثارة البلبلة بين أبناء هذه اللغة، وبثّ الشكوك فيما بينهم حيالها، وهم أنفسهم يعرفون جيّدا أنّها لغة تتوفّرعلى جميع مقوّمات اللغات الحيّة المتطوّرة الصّالحة لكل عصر، ثمّ هم فعلوا ذلك متوخّين إحلال محلّها لغةَ المستعمِر الدخيل،ومن المشاكل المفتعلة التى أثيرت فى هذا المضمار: الحرف العربي ، والنحو العربي، وشكل الكلمات، والعاميّة والفصحى.. إلخ .
الحرف العربيّ
أمّا بالنسبة للحرف العربي ومعه الخطّ - الذي إحتفلت اليونسكو بهذه المناسبة فى 18 ديسمبر المنصرم به، وبجماليته، وطواعيته، وفنيته، وإبداعاته- فقد تعدّدت نداءات محاولات إصلاحه، وتحسينه، ولكنّها باءت بالفشل الذريع ، وظلّت الغلبة للأشكال المتوارثة التي كتبت بها عشرات الآلاف من الكتب في مختلف الميادين العلميّة والفلسفية والأدبية ...وسواها، زعموا أنّ شكل الحرف العربي الرّاهن وتركيبه لا يتّفق مع العصر، وأنّ رصف صفحة بالخط الفرنجي يعادل في الزّمن رصف صفحتين بالخط العربي لتزايد عيون الحرف العربي التي تتعدّد وتتغيّر بتغيير مواقعها فى الأوّل أو الوسط أو الأخيروهكذا...فقدّم لنا بعضُ الباحثين أشكالاً متباينة لخطّ جديد تشبه الى حدّ بعيد رسوم الخط الفرنجي، غير أنّ القارئ يكتشف منذ الوهلة الأولى أنها فى غالبيتها أشكال غريبة عليه يمجّها ذوقه السليم، بل إنها فى بعض الأحيان تكلّفه عناء شديدا في هجاء حرف واحد منها ،والحقيقة أنّ جمالية الخط العربي أو حرفه لا تبارى ، فقد ثبت الآن أنه حرف مثالي في جمال تكوينه، وشكله، وتنوّعه، والتوائه، واستوائه، وتعريجاته، واختصاره، وإن الصفحة الواحدة من الكتاب العربي لو كتبت بالحرف اللاتيني لاحتاجت إلى صفحتين على الأقل، فالكتاب المؤلف من مائة صفحة بهذا الخط الجميل لا يمكن رصفه بأقل من مائتي صفحة بالحرف اللاتيني، ثم إن تطوّر وإستعمال الحواسيب الإلكترونية المتطوّرة الحديثة تتّجه سريعا نحو أساليب جديدة مبتكرة للكتابة ،ومعنى ذلك هو العدول بالتدريج عن أسلوب الرصف الحرفي واختصار القوالب،وقد توصّل بعض العلماء إلى إبتكار رسوم حديثة للحرف العربي لا تخرجه عن شكله، ولا تبعده عن أصله ومع إستعمال الكومبيوتر وإحتضانه،وإنتشاره وقبوله للحرف العربي بسهولة ويُسر بنجاح باهر و بنتيجة مُذهلة سقطت دعوى الداعين إلى إستبداله بالحروف اللاتينية، وبذلك يفقد خصوم هذه اللغة هذه المعركة.
حقّا إنه لمن السّخف أن نجد بين ظهرانينا من تسمح لهم أ نفسهم الدعوة إلى إستبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، متّخذين ممّا إبتدعه مصطفى أتاتورك للّغة التركية مثالا يُحتذى، وكذلك بدعوى السهولة واليسر وضبط الكتابة، وإبراز حركات الحروف، وهذه الدعوى باطلة من أساسها ، تحمّس لها بعض خصوم هذه اللغة عرباً كانوا أم أجانب . ومن بين المفكرين الذين كانوا قد تحمّسوا لهذه الدعوى ذوي الثقل الخاص في القرن الماضي الكاتب سلامة موسى فى مصرالذي دافع عن هذه الفكرة ، وقدّم تبريرات ومقترحات فى شأنها ، يقول فى ذلك :"هذا السّخط الذي يتولانا كلما فكّرنا فى حالنا الثقافية وتعطيل هذه اللغة لنا عن الرقيّ الثقافي، تزيد حدّته كلما فكّرنا وأدّى بنا التفكير الى اليقين بأن إصلاحها مستطاع ، والقلق عام ولكنّ الجبن عن الإبتكار أعمّ .ولذلك قلّما نجد الشجاعة للدّعوة إلى الإصلاح الجريئ إلاّ فى رجال نابهين لا يبالون بالجهلة والحمقى مثل قاسم أمين ، أو أحمد أمين في الدعوة إلى إلغاء الإعراب، ومثل عبد العزيز فهمي حيث يدعو إلى الخطّ اللاتيني وهو وثبة المستقبل لو أننا عملنا به لاستطعنا أن ننقل مصر إلى مقام تركيا التى أغلق عليها هذا الخطّ أبواب ماضيها وفتح لها أبواب مستقبلها" .
ولقد قدّم سلامة موسى بعض المقترحات نجملها فيما يلي: " الحاجة إلى إلغاء الإعراب ،وميزاته أوّلا : الإقتراب من التوحيد البشري لأنه وسيلة للقراءة والكتابةعند الذين يملكون الصناعة ، أيّ العلم والقوّة والمستقبل.وهذا الخط تأخذ به الأمم التي ترغب فى التجدّد كما فعلت تركيا ، ومن المرجّح أن يعمّ هذا الخط العالم كله تقريبا.
ثانيا:حين نصطنع الخط اللاتيني يزول هذا الإنفصال النفسي الذي أحدثته هاتان الكلمتان المشؤومتان : شرق وغرب،ويضمن لنا أن نعيش العيشة العصرية ،ولابد أن يجرّ هذا الخط فى أثره كثيرا من ضروب الإصلاح الأخرى مثل المساواة الإقتصادية بين الجنسين، و التفكير العلمي، والعقلية بل والنفسيّة العلمية أيضا،إلخ .
وثالثا ورابعا وخامسا: إننا عندما نكتب الخط اللاتيني نجد أن تعلّم اللغات الأروبية قد سهل أيضا،فتنفتح لنا آفاق هي الآن مغلقة."ويختم سلامة موسى بالتساؤل التالي :وبالجملة نستطيع أن نقول إن الخط اللاتيني هو وثبة في النور نحو المستقبل ،ولكن هل العناصرالتي تنتفع ببقاء الخط العربي والتقاليد ترضى بهذه الوثبة ؟.
لا شك أن القارئ يلاحظ كم في هذه الدعوة من مغالاة ، كما يتبيّن له ولا ريب أنّها لا تسنتد إلى أساس سليم تُبنى عليه، لا ترمى سوى إلى تشتيت التراث العربي وتشويهه. ولم يُكتب النجاح لدعوة سلامة موسى ودعوات غيره من أمثال أمين شميل ، وعبد العزيز فهمي، وقبلهما الدكتور سبيتا ،وويلمور، ووليم ويلكوكس ، وسواهم، وظلت السيطرة للحرف العربي إلى اليوم ، ثم ماذا كان سيفعل هؤلاء في كثير من الحروف العربية التى لا تجد لها رسما سوى فى النطق العربي كحروف : الحاء، والغين ، والعين، والذال، والضاد، والطاء، والقاف،والثاء ،والهاء..إلخ. ثم ماذا سيكون موقفهم من التراث العربي الزاخر المكتوب بحروف عربية..؟ وهكذا وئدت هذه الدعوة في مهدها .
النّحو العربيّ
إنّ النشء من متعلّمي اللغة العربية يشكون من صعوبة نحوها ،وقد ختم الأستاذ البّاحث أحمد عصيد مقاله الأخيرحول (اللغة العربية فى يومها العالمي..الأوراش الكبرى المؤجّلة) المنشور فى منبر"هسبريس" بتاريخ 24/12/ 2014،الذي لا يخلو من إشارات حاذقة،وموفية، وعميقة فى هذا المنوال، ختمه بالإشارة أو التذكير بما سمّاه "الصّعوبات الجمّة" لهذا النّحو، حيث يقول فى ذلك :( ..ونعتقد أن الأوراش الكبرى للغة العربية والتي يعيها الأخصائيون في هذه اللغة وعيا تاما تتعلق أساسا بضرورة النظر في النحو العربي وتحديثه بسبب الصعوبات الجمة التي يصادفها الأطفال والكبار على السواء في تعلمه، وكذا النظر في الإملاء وتنميطه تنميطا حديثا..).
والحقّ أنه ما من " نحو " في أيّ لغة من لغات الأرض إلاّ ويعاني أصحابها من هذه الشكوى . ولقد أصبح " نحو " اللغة الألمانية مضربَ الأمثال فى الصّعوبة والتعقيد، على أن قواعد اللغة العربية ليست أشدّ صعوبة من هذه اللغة أو تلك، يقول الدكتور محمد كامل حسين عن النحو العربي:" الواقع أن قواعد اللغة العربية بسيطة جدا يمكن الإلمام بها بعد درس غير مرهق ، ولا يحتاج المتعلّم بعد ذلك إلاّ الى المران على تطبيق هذه القواعد الشاملة فيستقيم بذلك لسانُه دون عناء كبير". إن الخطأ الفادح الذى يقع فيه واضعو مناهج التعليم كونهم يلقنون القواعد في صورتها الجافة قبل النصوص ،فى حين نجد القائمين على مناهج التعليم فى المدارس الأوربية على إختلافها يعوّدون التلميذ على التعامل مع النصّ فى المقام الأول، فهو يقرأ ويعيد ويحفظ من غير أن يكون ذا إلمام بعلم النحو ، ثم يطبّق بعد ذلك ما قرأه على القواعد فإذا أردنا الخروج بنحونا من صلابته علينا أن نكثر في المراحل الأولى من مناهج تعليمنا من النصوص فالتعامل مع النصّ يكسب الطالب أو المتعلّم سليقة فطرية ،ويعوّده بطريقة تلقائيةعلى أشكال الحروف وبنائها وتراكيبها وتعدّد أساليبها ، فقد وجدت النصوص مذ كانت العربية ،أمّا النحو" كعلم قائم مدوّن" فلم يوضع إلاّ فى زمنٍ متاخّر، أيّ فى القرن الأوّل الهجري على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي.
لقد كانت العرب إذن تنطق بالسليقة ، ولا تخطئ أبدا فى كلامها من غير أن تعلم لماذا كان الفاعل مرفوعا ولا المفعول منصوبا،كما أنّ كثيرا من علماء العربية وواضعي معاجمها المشهورة كانوا يقصدون الأعراب فى البوادي حيث العربية سليمة نقيّة غير مشوبة فيأخذون عنهم النطقَ الصحيح،ومعروف عن الزّمخشري، والأصمعي، والكسائي ،وابن خالويه،وأبي عليّ الفارسي، وابن جنّي وسواهم كانوا يؤمّون البوادي ويسجّلون المعاني المستعملة عندها.
إذن فالشكوى من النحو هي شكوى من قواعده الجافة الموضوعة في قوالب مملّة شأنها شأن القوانين الجامدة، اما اللغة العربية فالدليل قائم – قديما وحديثا - على أنّ المران والممارسة يكسبان دارسيها مهارة فائقة على التركيب السليم والنطق الصحيح ،وكم من متعلم أو كاتب لم يدرس القواعد ومع ذلك يستطيع أن يكتب ويؤلف نتيجة الممارسة والقراءة المتواصلة، القول المعرب إذن قوامه القراءة الكثيرة، والخوض فى النصوص ، وهذا ما نرجو أن يتمّ ويعمّم فى مناهج تعليمنا ، أيّ مضاعفة حصص النصوص، وحسن اختيارالقواعد. وانطلاقاً من النصّ ودراسته نستنتج القاعدة التى بني عليها هذا النصّ،وهذا معناه التطبيق الفعلى للدراسة النظرية. وقديماً قيل : وَلسْتُ بنحويٍّ يلوكُ لِسانُه/ ولكنْ سليقيٌّ أقول فأُعْرِبُ
وكم من محاولات لتبسيط النحو العربي التي تقدّم بها غير قليل من الدارسين ظلت حبراً على ورق دون أن تغيّر شيئا من المشكلة القائمة، أما مسألة الشاذ في اللغة الذي يخرج عن المألوف والإستعمال يظلّ صورة متحفية لنطق بعض القبائل العربية القديمة لا ينبغي أن نأخذ به، فالشاذ أو الشارد أو النادر لا حكم له كما يقال. ولعلّك لا تتّفق مع القائل : خطأ مشهور ، خير من صواب مهجور !.
وتنبثق عن النحو العربي مسألة اخرى يرى فيها البعض مشكلة قائمة بذاتها وهي مسألة" الشّكل" شكل الحروف العربية تفاديا للغموض واللبس والإبهام. وهناك إتهام مشهور يوجّه لأبناء اللغة العربية، في هذا الصدد، وهو أنه حتى كبار دارسيها يحارون أو يتعثّرون فى بعض الأحيان عند قراءة نصّ من النصوص العربية مخافة الخطأ او اللحن ومن أجل شكلها شكلاً صحيحاً. على حين أننا نجد القارئ الفرنسي، أو الإسباني –مثلا- حتى وإن كان دون مستوى مرحلة الثانوية العامّة يقرأ النصوصَ فى لغته بطلاقة من غير أن يرتكب خطأ واحداً، وهذه من أخطر الإتهامات التي توجّه للغة العربية، ويرى فى ذلك الباحثون رأيين إثنين، يقول الأوّل:أن اللغة العربية ليست صعبة كما يدّعون، بل إنّ النقص كامن فيمن لا يجيدها حقّ الإجادة،وإذا كان المرء عالما بأصولها، مطلعا على أسرارها ، دارسا لقواعدها، ملمّا بأساليبها فإنّه لا يخطئ أبدا، في حين يذهب الرأى الآخر أن العربية فعلا تشكو من هذه النقيصة ،ففيما يخصّ شكل الكلمات على الأقل. هناك كلمات يحار المرء فى قراءتها القراءة الصحيحة وقد يقرأها على غير حقيقتها ، وهناك أخرى يمكن نطقها على خمسة أو ستة أوجه، وهذه مشكلة فى حدّ ذاتها ، ولكن كما أسلفتُ آنفا فإنّه مع المران والقراءة المتعدّدة وتتبّع السياق كل ذلك يساعد على تفادى أمثال هذه الأمور التي لم تحلّ أبداً دون التأليف والخلق والإبداع المستمرعلى إمتداد التاريخ العربي الحافل بجليل الآثار فى كل علم.
د. محمّد محمّد خطّابي
كان يوم 18 ديسمبر المنصرم- كما هو معروف- يوماً عالمياً للّغة العربية، يُحتفىّ بها فى هذا اليوم من كل سنة، كلغة عالمية، رسميّة، متداولة، ومُستعملة في جميع المحافل الدّولية، ولم يأتِ هذا التتويج عبثاً أوإعتباطاً ، بل جاء بعد نضالٍ متواصل، وجهودٍ متوالية إنطلقت منذ أواسط القرن الفارط،، بعد أن أقرّت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم اليونسكو ذلك في الدورة الثانية والتسعين لمجلسها التنفيذي المنعقد عام 2012، حيث طفق هذا المّحفل الدّولي فى الاحتفال لأوّل مرّة بهذا اليوم في ذلك العام، قبل أن تقرّر الملحقية الاستشارية للخطة الدّولية لتنمية الثقافة العربية المعروفة ب (أرابيا) المنبثقة عن اليونيسكو هذا اليوم عنصراً أساسيّاً في برنامج عملها المتواتر فى هذا المجال .
ويشير الخبراءُ المتخصّصون فى هذا الميدان أنّ قرار اليونيسكو جاء في سياق سلسلة من القرارات الدولية الأخرى للأمم المتحدة، ومنظماتها حول اللغة العربية، من بينها القرار(878) الصّادر عن الدّورة التاسعة للأمم المتحدة المنعقدة عام 1954، والذي كان قد أجاز الترجمة التحريرية لوثائقها إلى اللغة العربية، لتقرّر منظمة اليونسكوالعالمية عام 1966 إستخدامَ اللغة العربية في المؤتمرات الإقليمية التي يتمّ تنظيمها في البلاد العربية، بالإضافة إلى إجازة المنظمة ترجمة الوثائق والمنشورات الصّادرة والمنبثقة عنها إلى اللغة العربية، ثم قرّرت اليونسكو كذلك فى نفس هذه السّنة تقوية، وتعزيز إستعمال العربيّة في أعمالها من خلال إقرار خدمات التّرجمة الفورية من اللغة العربية إلى غيرها من اللغات الأخرى والعكس في جلساتها العامة، وعند مشارف عام 1968 تمّ إعتماد العربية لغة عملٍ في هذه المنظمة الدولية، مع ترجمة مختلف وثائق العمل، وكذلك المحاضر إليها فضلاً عن توفير، وتأمين الترجمة الفورية بصفة نهائية...وهكذا حتى نصل إلى قرار الهيئة العامة للأمم المتحدة بجعل اللغة العربية لغة عمل بصفةٍ رسمية بين مختلف اللغات الحيّة الأخرى المعتمدة في الجمعية العامة وهيئاتها المختلفة،وأخيراً الإعلان عن اليوم العالمي لهذه اللغة فى الثامن عشر من شهر ديسمبر من كل عام كلغة رسمية متداولة فى مختلف الهيئات، والمنظمات، والمحافل الدّولية.
ومع ذلك ما زالت تترى وتتوالى الدّراسات، وتتعدّد وتتنوّع النقاشات،وتُطرح التساؤلات،والتخوّفات في المدّة الأخيرة عن اللغة العربية، وعن مدى قدرتها على إستيعاب علوم الحداثة، والعصرنة،والإبتكار، والتجديد الذي لا تتوقّف عجلاته ولا تني ،وتخوّف فريق من عدم إمكانها مسايرة هذا العصر المتطوّر والمذهل، كما تحمّس بالمقابل فريق آخر فأبرز إمكانات هذه اللغة، وطاقاتها الكبرى مستشهداً بتجربة الماضي، حيث بلغت لغة الضاد في نقل العلوم وترجمتها شأواً بعيداً، كثر الكلام في هذا المجال حتى كاد أن يُصبح حديثَ جميع المجالس، والمنتديات،والمؤتمرات في مختلف البلدان العربية ،فهل تعاني العربيّة حقا من هذا النقص..؟ وهل تعيش نوعاً من العزلة لدرجة أنّها في حاجة الى حماية ودفاع ومناقشات من هذا القبيل ..؟
الواقع أنّ اللغة العربية فى العمق ليست في حاجة الى إرتداء ذرع الوقاية يحميها هجمات الكائدين، ويردّ عنها شماتة التخوّفين، إذ تؤكّد كلّ الدلائل،والقرائن قديماً وحديثاً أنّ هذه اللغة كانت وما تزال لغة حيّة ، اللهمّ ما يريد أن يلحق بها بعض المتشكّكين من نعوت، وعيوب،كانت قد أثارتها فى الأصل زمرة من المستشرقين في منتصف القرن المنصرم ،حيث إختلقوا موضوعات لم يكن لها وجود قبلهم ،وما كانت لتعدّ مشاكل أونواقص تحول دون الخلق والتأليف والإبداع، وإنما كان الغرض من ذلك إثارة البلبلة بين أبناء هذه اللغة، وبثّ الشكوك فيما بينهم حيالها، وهم أنفسهم يعرفون جيّدا أنّها لغة تتوفّرعلى جميع مقوّمات اللغات الحيّة المتطوّرة الصّالحة لكل عصر، ثمّ هم فعلوا ذلك متوخّين إحلال محلّها لغةَ المستعمِر الدخيل،ومن المشاكل المفتعلة التى أثيرت فى هذا المضمار: الحرف العربي ، والنحو العربي، وشكل الكلمات، والعاميّة والفصحى.. إلخ .
الحرف العربيّ
أمّا بالنسبة للحرف العربي ومعه الخطّ - الذي إحتفلت اليونسكو بهذه المناسبة فى 18 ديسمبر المنصرم به، وبجماليته، وطواعيته، وفنيته، وإبداعاته- فقد تعدّدت نداءات محاولات إصلاحه، وتحسينه، ولكنّها باءت بالفشل الذريع ، وظلّت الغلبة للأشكال المتوارثة التي كتبت بها عشرات الآلاف من الكتب في مختلف الميادين العلميّة والفلسفية والأدبية ...وسواها، زعموا أنّ شكل الحرف العربي الرّاهن وتركيبه لا يتّفق مع العصر، وأنّ رصف صفحة بالخط الفرنجي يعادل في الزّمن رصف صفحتين بالخط العربي لتزايد عيون الحرف العربي التي تتعدّد وتتغيّر بتغيير مواقعها فى الأوّل أو الوسط أو الأخيروهكذا...فقدّم لنا بعضُ الباحثين أشكالاً متباينة لخطّ جديد تشبه الى حدّ بعيد رسوم الخط الفرنجي، غير أنّ القارئ يكتشف منذ الوهلة الأولى أنها فى غالبيتها أشكال غريبة عليه يمجّها ذوقه السليم، بل إنها فى بعض الأحيان تكلّفه عناء شديدا في هجاء حرف واحد منها ،والحقيقة أنّ جمالية الخط العربي أو حرفه لا تبارى ، فقد ثبت الآن أنه حرف مثالي في جمال تكوينه، وشكله، وتنوّعه، والتوائه، واستوائه، وتعريجاته، واختصاره، وإن الصفحة الواحدة من الكتاب العربي لو كتبت بالحرف اللاتيني لاحتاجت إلى صفحتين على الأقل، فالكتاب المؤلف من مائة صفحة بهذا الخط الجميل لا يمكن رصفه بأقل من مائتي صفحة بالحرف اللاتيني، ثم إن تطوّر وإستعمال الحواسيب الإلكترونية المتطوّرة الحديثة تتّجه سريعا نحو أساليب جديدة مبتكرة للكتابة ،ومعنى ذلك هو العدول بالتدريج عن أسلوب الرصف الحرفي واختصار القوالب،وقد توصّل بعض العلماء إلى إبتكار رسوم حديثة للحرف العربي لا تخرجه عن شكله، ولا تبعده عن أصله ومع إستعمال الكومبيوتر وإحتضانه،وإنتشاره وقبوله للحرف العربي بسهولة ويُسر بنجاح باهر و بنتيجة مُذهلة سقطت دعوى الداعين إلى إستبداله بالحروف اللاتينية، وبذلك يفقد خصوم هذه اللغة هذه المعركة.
حقّا إنه لمن السّخف أن نجد بين ظهرانينا من تسمح لهم أ نفسهم الدعوة إلى إستبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، متّخذين ممّا إبتدعه مصطفى أتاتورك للّغة التركية مثالا يُحتذى، وكذلك بدعوى السهولة واليسر وضبط الكتابة، وإبراز حركات الحروف، وهذه الدعوى باطلة من أساسها ، تحمّس لها بعض خصوم هذه اللغة عرباً كانوا أم أجانب . ومن بين المفكرين الذين كانوا قد تحمّسوا لهذه الدعوى ذوي الثقل الخاص في القرن الماضي الكاتب سلامة موسى فى مصرالذي دافع عن هذه الفكرة ، وقدّم تبريرات ومقترحات فى شأنها ، يقول فى ذلك :"هذا السّخط الذي يتولانا كلما فكّرنا فى حالنا الثقافية وتعطيل هذه اللغة لنا عن الرقيّ الثقافي، تزيد حدّته كلما فكّرنا وأدّى بنا التفكير الى اليقين بأن إصلاحها مستطاع ، والقلق عام ولكنّ الجبن عن الإبتكار أعمّ .ولذلك قلّما نجد الشجاعة للدّعوة إلى الإصلاح الجريئ إلاّ فى رجال نابهين لا يبالون بالجهلة والحمقى مثل قاسم أمين ، أو أحمد أمين في الدعوة إلى إلغاء الإعراب، ومثل عبد العزيز فهمي حيث يدعو إلى الخطّ اللاتيني وهو وثبة المستقبل لو أننا عملنا به لاستطعنا أن ننقل مصر إلى مقام تركيا التى أغلق عليها هذا الخطّ أبواب ماضيها وفتح لها أبواب مستقبلها" .
ولقد قدّم سلامة موسى بعض المقترحات نجملها فيما يلي: " الحاجة إلى إلغاء الإعراب ،وميزاته أوّلا : الإقتراب من التوحيد البشري لأنه وسيلة للقراءة والكتابةعند الذين يملكون الصناعة ، أيّ العلم والقوّة والمستقبل.وهذا الخط تأخذ به الأمم التي ترغب فى التجدّد كما فعلت تركيا ، ومن المرجّح أن يعمّ هذا الخط العالم كله تقريبا.
ثانيا:حين نصطنع الخط اللاتيني يزول هذا الإنفصال النفسي الذي أحدثته هاتان الكلمتان المشؤومتان : شرق وغرب،ويضمن لنا أن نعيش العيشة العصرية ،ولابد أن يجرّ هذا الخط فى أثره كثيرا من ضروب الإصلاح الأخرى مثل المساواة الإقتصادية بين الجنسين، و التفكير العلمي، والعقلية بل والنفسيّة العلمية أيضا،إلخ .
وثالثا ورابعا وخامسا: إننا عندما نكتب الخط اللاتيني نجد أن تعلّم اللغات الأروبية قد سهل أيضا،فتنفتح لنا آفاق هي الآن مغلقة."ويختم سلامة موسى بالتساؤل التالي :وبالجملة نستطيع أن نقول إن الخط اللاتيني هو وثبة في النور نحو المستقبل ،ولكن هل العناصرالتي تنتفع ببقاء الخط العربي والتقاليد ترضى بهذه الوثبة ؟.
لا شك أن القارئ يلاحظ كم في هذه الدعوة من مغالاة ، كما يتبيّن له ولا ريب أنّها لا تسنتد إلى أساس سليم تُبنى عليه، لا ترمى سوى إلى تشتيت التراث العربي وتشويهه. ولم يُكتب النجاح لدعوة سلامة موسى ودعوات غيره من أمثال أمين شميل ، وعبد العزيز فهمي، وقبلهما الدكتور سبيتا ،وويلمور، ووليم ويلكوكس ، وسواهم، وظلت السيطرة للحرف العربي إلى اليوم ، ثم ماذا كان سيفعل هؤلاء في كثير من الحروف العربية التى لا تجد لها رسما سوى فى النطق العربي كحروف : الحاء، والغين ، والعين، والذال، والضاد، والطاء، والقاف،والثاء ،والهاء..إلخ. ثم ماذا سيكون موقفهم من التراث العربي الزاخر المكتوب بحروف عربية..؟ وهكذا وئدت هذه الدعوة في مهدها .
النّحو العربيّ
إنّ النشء من متعلّمي اللغة العربية يشكون من صعوبة نحوها ،وقد ختم الأستاذ البّاحث أحمد عصيد مقاله الأخيرحول (اللغة العربية فى يومها العالمي..الأوراش الكبرى المؤجّلة) المنشور فى منبر"هسبريس" بتاريخ 24/12/ 2014،الذي لا يخلو من إشارات حاذقة،وموفية، وعميقة فى هذا المنوال، ختمه بالإشارة أو التذكير بما سمّاه "الصّعوبات الجمّة" لهذا النّحو، حيث يقول فى ذلك :( ..ونعتقد أن الأوراش الكبرى للغة العربية والتي يعيها الأخصائيون في هذه اللغة وعيا تاما تتعلق أساسا بضرورة النظر في النحو العربي وتحديثه بسبب الصعوبات الجمة التي يصادفها الأطفال والكبار على السواء في تعلمه، وكذا النظر في الإملاء وتنميطه تنميطا حديثا..).
والحقّ أنه ما من " نحو " في أيّ لغة من لغات الأرض إلاّ ويعاني أصحابها من هذه الشكوى . ولقد أصبح " نحو " اللغة الألمانية مضربَ الأمثال فى الصّعوبة والتعقيد، على أن قواعد اللغة العربية ليست أشدّ صعوبة من هذه اللغة أو تلك، يقول الدكتور محمد كامل حسين عن النحو العربي:" الواقع أن قواعد اللغة العربية بسيطة جدا يمكن الإلمام بها بعد درس غير مرهق ، ولا يحتاج المتعلّم بعد ذلك إلاّ الى المران على تطبيق هذه القواعد الشاملة فيستقيم بذلك لسانُه دون عناء كبير". إن الخطأ الفادح الذى يقع فيه واضعو مناهج التعليم كونهم يلقنون القواعد في صورتها الجافة قبل النصوص ،فى حين نجد القائمين على مناهج التعليم فى المدارس الأوربية على إختلافها يعوّدون التلميذ على التعامل مع النصّ فى المقام الأول، فهو يقرأ ويعيد ويحفظ من غير أن يكون ذا إلمام بعلم النحو ، ثم يطبّق بعد ذلك ما قرأه على القواعد فإذا أردنا الخروج بنحونا من صلابته علينا أن نكثر في المراحل الأولى من مناهج تعليمنا من النصوص فالتعامل مع النصّ يكسب الطالب أو المتعلّم سليقة فطرية ،ويعوّده بطريقة تلقائيةعلى أشكال الحروف وبنائها وتراكيبها وتعدّد أساليبها ، فقد وجدت النصوص مذ كانت العربية ،أمّا النحو" كعلم قائم مدوّن" فلم يوضع إلاّ فى زمنٍ متاخّر، أيّ فى القرن الأوّل الهجري على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي.
لقد كانت العرب إذن تنطق بالسليقة ، ولا تخطئ أبدا فى كلامها من غير أن تعلم لماذا كان الفاعل مرفوعا ولا المفعول منصوبا،كما أنّ كثيرا من علماء العربية وواضعي معاجمها المشهورة كانوا يقصدون الأعراب فى البوادي حيث العربية سليمة نقيّة غير مشوبة فيأخذون عنهم النطقَ الصحيح،ومعروف عن الزّمخشري، والأصمعي، والكسائي ،وابن خالويه،وأبي عليّ الفارسي، وابن جنّي وسواهم كانوا يؤمّون البوادي ويسجّلون المعاني المستعملة عندها.
إذن فالشكوى من النحو هي شكوى من قواعده الجافة الموضوعة في قوالب مملّة شأنها شأن القوانين الجامدة، اما اللغة العربية فالدليل قائم – قديما وحديثا - على أنّ المران والممارسة يكسبان دارسيها مهارة فائقة على التركيب السليم والنطق الصحيح ،وكم من متعلم أو كاتب لم يدرس القواعد ومع ذلك يستطيع أن يكتب ويؤلف نتيجة الممارسة والقراءة المتواصلة، القول المعرب إذن قوامه القراءة الكثيرة، والخوض فى النصوص ، وهذا ما نرجو أن يتمّ ويعمّم فى مناهج تعليمنا ، أيّ مضاعفة حصص النصوص، وحسن اختيارالقواعد. وانطلاقاً من النصّ ودراسته نستنتج القاعدة التى بني عليها هذا النصّ،وهذا معناه التطبيق الفعلى للدراسة النظرية. وقديماً قيل : وَلسْتُ بنحويٍّ يلوكُ لِسانُه/ ولكنْ سليقيٌّ أقول فأُعْرِبُ
وكم من محاولات لتبسيط النحو العربي التي تقدّم بها غير قليل من الدارسين ظلت حبراً على ورق دون أن تغيّر شيئا من المشكلة القائمة، أما مسألة الشاذ في اللغة الذي يخرج عن المألوف والإستعمال يظلّ صورة متحفية لنطق بعض القبائل العربية القديمة لا ينبغي أن نأخذ به، فالشاذ أو الشارد أو النادر لا حكم له كما يقال. ولعلّك لا تتّفق مع القائل : خطأ مشهور ، خير من صواب مهجور !.
وتنبثق عن النحو العربي مسألة اخرى يرى فيها البعض مشكلة قائمة بذاتها وهي مسألة" الشّكل" شكل الحروف العربية تفاديا للغموض واللبس والإبهام. وهناك إتهام مشهور يوجّه لأبناء اللغة العربية، في هذا الصدد، وهو أنه حتى كبار دارسيها يحارون أو يتعثّرون فى بعض الأحيان عند قراءة نصّ من النصوص العربية مخافة الخطأ او اللحن ومن أجل شكلها شكلاً صحيحاً. على حين أننا نجد القارئ الفرنسي، أو الإسباني –مثلا- حتى وإن كان دون مستوى مرحلة الثانوية العامّة يقرأ النصوصَ فى لغته بطلاقة من غير أن يرتكب خطأ واحداً، وهذه من أخطر الإتهامات التي توجّه للغة العربية، ويرى فى ذلك الباحثون رأيين إثنين، يقول الأوّل:أن اللغة العربية ليست صعبة كما يدّعون، بل إنّ النقص كامن فيمن لا يجيدها حقّ الإجادة،وإذا كان المرء عالما بأصولها، مطلعا على أسرارها ، دارسا لقواعدها، ملمّا بأساليبها فإنّه لا يخطئ أبدا، في حين يذهب الرأى الآخر أن العربية فعلا تشكو من هذه النقيصة ،ففيما يخصّ شكل الكلمات على الأقل. هناك كلمات يحار المرء فى قراءتها القراءة الصحيحة وقد يقرأها على غير حقيقتها ، وهناك أخرى يمكن نطقها على خمسة أو ستة أوجه، وهذه مشكلة فى حدّ ذاتها ، ولكن كما أسلفتُ آنفا فإنّه مع المران والقراءة المتعدّدة وتتبّع السياق كل ذلك يساعد على تفادى أمثال هذه الأمور التي لم تحلّ أبداً دون التأليف والخلق والإبداع المستمرعلى إمتداد التاريخ العربي الحافل بجليل الآثار فى كل علم.

تعليق