مصطلحات: التخريج - الأصول - الفروع - القواعد: تأصيل وتحرير
محمود حسن عمر
محمود حسن عمر
المصطلح الأول: التخريج:
أولًا: التخريج لغةً:
يقول ابن فارس (ت 395هـ): "الخاء والراء والجيم أصلان، وقد يُمكن الجمع بينهما، إلا أنا سلَكنا الطريق الواضح، فالأول: النفاذ عن الشيء، والثاني: اختلاف لونين"[1].
والمطالع معاجمَ اللغة يدرك أن التخريج في أصل اللغة يأتي لمعنيين أساسَيْن:
المعنى الأول: اجتماع أمرين متضادين في شيء واحد، ومن ذلك قول ابن منظور (ت 711هـ): "تخريج الأرض أن يكون نَبتُها في مكان دون مكانٍ، فترى بياضَ الأرض في خُضرة النبات، وعام فيه تخريج؛ أي: خِصْب وجَدْب"[2].
يقول الزَّبيدي (ت 1205هـ): "خرَّج الغلام اللوحَ تخريجًا: إذا كتَب بعضًا وترَك بعضًا... خرَّج العمل تخريجًا: إذا جعَله ضروبًا وألوانًا يُخالف بعضُه بعضًا"[3].
وقد اجتمَع في كل ما سبق ضدان في شيء واحد، فالنبتُ وعدمه اجتمَعَا في الأرض، والخِصْب والجَدْبُ اجتمعا في العام، وكتابة الغلام وعدمها اجتمعا في اللوح، والضروب والألوان التي يخالف بعضها بعضًا اجتمَعت في العمل الواحد.
المعنى الثاني: أن التخريج مصدر الفعل (خرَّج) - فعَّل تفعيلًا - وهو مُضعَّف الخروج، ويفيد معانيَ؛ منها:
♦ التعدِية: ذلك أن الخروج لا يكون ذاتيًّا، بل من مُخرِّج، ومنه: الاستخراج والاختراج بمعنى الاستنباط... واخترَجه واستخرجه: طلب إليه أو منه أن يخرُج[4].
♦ التكثير: فصيغة (فعَّل تفعيلًا) تفيد تَكرار وقوع الفعل، وقد ذكر ابن جني (ت 392هـ) أن هناك ارتباطًا بين التشديد ودلالة الصيغة على التَّكرار والتكثير[5].
والأصل العام أن التخريج والإخراج بمعنى واحدٍ، ويُستعمل كلٌّ منهما في الأعيان والمعاني، فأما الأعيان فقولك: خرَّجه من الدار؛ أي: أخرَجه منها، فالدار عَينٌ من الأعيان، ويقال: خرَّجه في أصول الفقه؛ أي: علَّمه ودرَّبه حتى صار أُصوليًّا، فكأنه أخرَجه من محيط الجهل إلى العلم، والعلم والجهل معانٍ وليسا أعيانًا، وقد ذكر الراغب الأصفهاني (ت 502هـ) أن الإخراج أكثر ما يقال في الأعيان؛ نحو: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ﴾ [الأنفال: 5]... ويقال في التكوين الذي هو مِن فِعْل الله تعالى؛ نحو: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ [النحل: 78]... والتخريج أكثر ما يُقال في العلوم والصناعات[6].
ثانيًا: التخريج اصطلاحًا:
ورَد مصطلح التخريج في طائفةٍ من العلوم؛ مثل: الفقه وأصوله، والحديث، والنحو، وقد حمَل مصطلح التخريج في كل علمٍ من هذه العلوم معنًى خاصًّا، فمعناه في الفقه يَختلف عن معناه في الحديث والنحو.
1- التخريج عند الفقهاء والأصوليين:
يقول الدكتور يعقوب بن عبدالوهاب: "إذا تأملنا استعمالات الفقهاء والأصوليين، وجدنا التخريج يدور في أكثر من نطاق، وأنهم لم يَستعملوه بمعنى واحدٍ، وإن كان بين هذه المعاني تقارُبٌ وتلاحُمٌ، ومن تلك الاستعمالات: إطلاق التخريج على التوصل إلى أصول الأئمة وقواعدهم التي بَنَوْا عليها ما توصَّلوا إليه من أحكام في المسائل الفقهية المنقولة عنهم، واستقرائها استقراءً شاملًا، يجعل المخرِّج يَطمئن إلى ما توصَّل إليه، فيَحكُم بنسبة الأصل إلى ذلك الإمام"[7].
ويُطلَق التخريج أيضًا على إرجاع وَرَدِّ الخلافات الفقهية إلى القواعد الأصولية؛ كما هو الحال في كتاب (تخريج الفروع على الأصول) للزنجاني (ت 656هـ)، و(القواعد والفوائد الأصولية) لابن اللحام (ت 803هـ).
ويأتي التخريج عند الفقهاء بمعنى الاستنباط المقيَّد؛ أي: بيان رأي الإمام في المسائل الجزئية التي لم يَرِد عنه فيها نصٌّ، عن طريق إلحاقها بما يُشبهها من المسائل المرويَّة عنه، أو بإدخالها تحت قاعدة من قواعده، والتخريج بهذا المعنى هو ما تكلَّم عنه الفقهاء والأصوليون في مباحث الاجتهاد والتقليد، وفي الكتب المتعلقة بأحكام الفتوى.
ويأتي التخريج أيضًا عندهم بمعنى التعليل وتوجيه الآراء المنقولة عن الأئمة، وبيان مآخذهم فيها، عن طريق استنباط العلة وإضافة الحكم، ومن هذا المنطلق يُمكن القول: إن التخريج يتنوع إلى الآتي:
أ- تخريج الأصول من الفروع.
ب- تخريج الفروع على الأصول.
ت- تخريج الفروع من الفروع[8].
2- التخريج عند المحدثين:
يُستعمل لفظ التخريج عند المحدثين في عدة مواضع؛ منها:
أ- أن يذكر المحَدِّثُ الحديثَ بإسناده في كتابه.
ب- عَزو الحديث إلى مصدره، أو مصادره الأصيلة التي أخرجته بسنده، وبيان درجته قوةً وضَعفًا.
ت- الإشارة إلى كتابة الساقط من المتن في حواشي الكتاب، وهو المسمى بـ(اللَّحْق)[9].
ث- إيراد الحديث من طريق أو طرق مختلفة تَشهَد بصحته، ولا بدَّ من موافقتها له لفظًا ومعنى[10].
يقول الدكتور يعقوب بن عبدالوهاب: "وعلى هذا فالتخريج لا يَقتصر على ذِكر الأسانيد، بل لا بد من بيان أمر رجال الحديث، وبيان درجته قوةً وضَعفًا، وبيان صحته أو عدمها"[11].
3- التخريج عند النحاة:
يَستعمل النحاة هذا اللفظ في التبرير والتعليل، وإيجاد الوجوه المناسبة في المسائل الخلافية خاصةً، فيقال مثلًا: وخرَّجها النحوي؛ أي: أوجَد لها مخرجًا يُخرجها من إشكالها، ويقال كذلك: وفي المسألة تخريجات عديدة؛ أي: وجوه وتعليلات تُخرجها مما فيها من إشكالات، ومن أمثلة ذلك: قرأ جماعةٌ قولَه تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة ﴾ [الأنفال: 25] - (لتُصيبنَّ)، وقد خرَّجها ابن جني على حذف الألف من (لا) تخفيفًا[12]، فهو هنا قد أوجَد لهذه القراءة تخريجًا يُخرجها من إشكالِها.
المصطلح الثاني: الأصول:
أولًا: الأصول لغةً:
الأصول: جمع مفرده أصل، وله في اللغة عدة تعريفات؛ منها:
1- أساس الشيء؛ أي: أصله.
2- أسفل الشيء[13]، ومنه قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [إبراهيم: 24]؛ أي: أسفلها ثابت عميق الجذور.
3- الشرف والحسب؛ يقال: أَصُلَ الشيءُ صار ذا أصْلٍ[14]، ويقال: فلان له أصلٌ وفصلٌ؛ أي: أب ولسان.
4- الثبوت والرسوخ؛ يقال: ورجل أصيل: ثابت الرأي، عاقل[15].
وأصل الشي قاعدته التي يرتفع بارتفاعها، والأصل ما منه الشيء أيضًا، ويقال للأب: أصل[16].
ويرى الدكتور حسن خميس الملخ أن المعنى الكلي العام لكلمة (أصل): أسفل كل شيء؛ من حيث إنه يُبنى عليه غيره، والبناء قد يكون حسيًّا كبناء السقف على الجدار، أو عقليًّا كبناء الحكم على الدليل، وأن كلمة أصل تعود إلى جذر ثنائي لَحِقه التضعيف؛ لأنها تَلتقي في المعنى مع كلمة (أُس) التي تَعني الأصل والشيء الثابت والأساس[17].
ومن تعريفات الأصوليين اللغوية للأصل:
قال أبو منصور السمعاني (ت489هـ): "وحَدُّ الأصل: ما عُرِف حكمُه بنفسه، أو ما عُرِف به حكمُ غيره"[18].
قال بدر الدين الزركشي (ت794هـ): "قال أبو بكر الصيرفي: كل ما أثمر معرفة شيءٍ ونبَّه عليه فهو أصل له، فعلوم الحس أصل؛ لأنها تثمر معرفة حقائق الأشياء، وما عداه فرع له"[19].
قال أبو المنذر بن عبد اللطيف المنياوي: "والأَولى عندي في تعريف الأصل لغة أنه ما كان سببًا في إيجاد حكم من الأحكام"[20].
وقد ذكر الدكتور جبريل بن المهدي أن هذه الصفات كلها لازمة ومنطبقة على أصول الفقه؛ لأن الفروع الفقهية مأخوذة منها، ومُستندة في وجودها وناشئة عنها، ومبنيَّة عليها؛ مما يدل على أن تعبيرات الأصوليين اللغوية صحيحة في المعنى والعبارة، متحدة في المعنى والحقيقة[21].
ثانيًا: الأصول اصطلاحًا:
الأصول في اصطلاح علماء أصول الفقه:
قال ابن النجار الحنبلي (ت 972هـ): "الأصل في اصطلاح الفقهاء: ما له فرع؛ لأن الفرع لا ينشأ إلا عن أصل"[22].
وقال الشوكاني: "وفي الاصطلاح: يقال على الراجح، والمستصحب، والقاعدة الكلية والدليل"[23].
وقد ذكر الدكتور جبريل بن المهدي أن المعنى الخاص للفظ (الأصول)، منحصر في القواعد الشرعية التي يُتوصَّل بها إلى استنباط الأحكام الفرعية من الأدلة التفصيلية، أو تلك القواعد التي يؤصلها العلم المعروف بـ(أصول الفقه)؛ ليصان بها كتاب الله من تحريف المحرِّفين، وإلحاد الملحدين، ويُتوصل بها إلى فَهْم مراد الله ورسوله من الكتاب والسنة الصحيحة، وإلى استنباط الأحكام منهما ومِن كل دليل اكتسَب حُجيته منهما من بقيَّة الأدلة الشرعية المعروفة، وهذا يعني أن علماء أصول الفقه إنما يريدون بلفظ (الأصل) في الاصطلاح العام - معنًى كليًّا يعم كل ما له فرع، مستدلين على ذلك بأن الفرع لا يمكن أن يَحصُلَ إلا عن أصل، وهذا يعني أن كل ما له فرع فهو أصل لا مَحالةَ[24].
نماذج من مسائل أصول الفقه:
• أصل: إذا لم ينتظم الكلام إلا بارتكاب مجاز الزيادة أو النقصان، فمجاز النُّقصان أَولى؛ لأن الحذف في كلام العرب أكثر من الزيادة[25].
• أصل: الأمر إذا ورَد مقيدًا بالمدة أو التَّكرار حُمِل عليه[26].
• أصل: الثابت بعموم لم يدخله التخصيص، مقدم على ما ثبت بعموم دخله التخصيص[27].
• أصل: الثابت بنص صريح أَولى من الثابت بتقدير إضمار، أو حذف دقيق[28].
• أصل: الحمل على الحقيقة أَولى من الحمل على المجاز[29].
الأصول في اصطلاح النحاة:
يطلق مصطلح (الأصول) في اصطلاح النحاة على مفهومين مختلفين:
أولهما: القواعد النحوية الأساسية في النحو، ويمكن تسميتها بالأصول النحوية الثابتة.
ثانيهما: الأصول المنهجية التي قام عليها النحو وانْبَنَتْ عليها القواعد[30].
ويقوِّي ذلك ما ذكره الدكتور تمام حسان (ت 1432هـ)، فقد قال: "إذا نظرنا إلى الثوابت في لغتنا العربية، وجدناها تقع في نوعين يسمى كل منهما بالأصول:
1- الأصول المنهجية كما تبدو مثلًا في كتاب (الاقتراح) للسيوطي (ت 911هـ)، بما يشتمل عليه من كلامٍ في السماع والقياس، والتعليل والتأويل، ويمكن أن نُطلق على هذا النوع: (أصول النحاة).
2- ما عُرِف عند النحاة باسم الأصول الثابتة، كما تبدو مثلًا في كتاب (الأصول في النحو) لابن السراج، وتُفهَم من كلام ابن مالك (ت 672هـ):
والأصلُ في الفاعلِ أن يتَّصِلا = والأصلُ في المفعول أن يَنفصِلا
وراح يذكر أنه يمكن أن نطلق على هذا النوع من الأصول (أصول النحو)، وبهذا التفريق بين أصول النحو وأصول النحاة، يمكننا أن نُضيف أن أصول النحو أو الأصول الثابتة، هي ما يَعرفه الأمريكيون التحويليُّون في منهجهم النحوي تحت اسم: (idealization)؛ أي: الاعتماد على أصل مجرد ثابت تُرَدُّ إليه الأمثلة المختلفة[31].
فالدكتور تمام يذكر أن ثوابت اللغة العربية تتمثل في أصول النحاة والأصول النحوية، والحق أن بين هذين النوعين الْمُسميين بالأصول فوارقَ؛ منها:
من حيث التركيب: فإن الناظر إلى تركيب (أصول النحاة)، يجد العلاقة القائمة بين الكلمتين علاقة مضاف بمضاف إليه؛ أي: تركيب إضافي، وأما تركيب (الأصول النحوية)، فالعلاقة القائمة بين الكلمتين علاقة موصوف بصفة؛ أي: تركيب وصفي[32].
من حيث المعنى: فإن أصول النحاة علم يُبحث فيه عن أدلة النحو الإجمالية؛ من حيث هي أدلتُه، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستدل[33]، أما الأصول النحوية فهي أصول ثابتة مأخوذة من كتب النحو[34].
من حيث الاستمداد: فإن أصول النحاة مُستمدة من الأدلة الإجمالية من الشواهد العربية؛ مثل: القرآن الكريم والحديث النبوي، وكلام العرب شعره ونثره، والقياس والإجماع النحوي، والتعليل، أما الأصول النحوية فهي مستمدة من الاستقراء والنظر في النحو نفسِه لا في أَدِلَّته.
وقد ذكر الدكتور عبد القادر سلاَّمي أن ابن جني - في (باب مراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد) - يُطلق لفظة (الأصل) على الحال التي يكون عليها الشيء، ومن ذلك تعليله لضم الذال في قولهم: ما رأيته مُذُ اليوم، والأصل (مُذْ) بالتسكين، فقال: إنهم لَمَّا حرَّكوها لالتقاء الساكنين لم يَكسروها، لكنهم ضمُّوها؛ لأن أصلها الضم في (مُنذُ)[35].
وذكر الدكتور إبراهيم رفيده أن النحويين - من القرن الأول إلى ابن السراج - يقصدون من (الأصول النحوية) قواعده الأساسة وقوانينه العامة، وضوابطه الخاصة بكل تركيب أو كلمة في تعبير عربي مفيد، مع ما يَلزمها من حجة وتعليل، وأن عمل ابن السراج في الأصول كان مرحلة بارزة في إيضاح هذه القوانين والأحكام، وضبطها، ولَمِّ شَمْلِها، وإحكام رَصْفِها[36].

تعليق