اللغة العربية بين التاريخ المعرفي والبعد الجمالي
أ. صلاح بوسريف
العربية، هي اللغة التي بها أكْتُب، وهي اللغة التي بها أُدَرِّسُ، وليست هي مصدر معرفتي الوحيد. ثمة ما أقرأه في لغاته الأصلية، وثمَّة ما أذهبُ إليه عبر الترجمة، حِرْصاً مِنِّي على معرفة الآخرين، وعلى الاقتراب منهم، والإفادة من معارفهم، بنوع من الحوار والمراجعة، والنقد، وليس بالأخْذ، والتَّبَعِيَّة، أو الطَّاعة العمياء. فمعرفةُ الآخر، هي معرفةٌ بالذات.
أدْرَكْتُ، مثل غيري، مِمَّن اعْتَنَوْا بِكُتُب التراث، وماضي الثقافات الإنسانية، أنَّ معرفة حاضر ثَقافةٍ، أو ُلغَةٍ ما، رهِينٌ بمعرفة ماضي هذه الثقافة، وهذه اللغة. لا لُغَةَ بدون تاريخ، وأعني تاريخ اللغة المعرفي، وتاريخها الجمالي. كما أنَّ لا لغةَ تبقى هي نفسها، لا تتغيَّر، ولا تتبدَّل، فكل اللُّغَاتِ تعرف انتقالاتٍ، وتنمو، وتكبُر، وتَنْتَعِش، أو تَسْتَضِيفُ، في تعبيراتها، وفي تراكيبها، مفردات، وتعابير، وتراكيب، من لُغاتٍ أخرى، ولا توجد لغة مُنْغَلِقَة على نفسها، مُكْتَفِيَة بذاتها، لأنَّ لغةً بهذا المعنى، هي لغة مَيِّتَة، لا حياة فيها.
حين نزل القرآن في شبه جزيرة العرب، لم ينزل بِلُغَةٍ عربية صافيةٍ، خَالِيَةٍ من التأثير الخارجي لِلُغاتِ الجِوار، بل إنه أدْخَلَ في خطابه، وفي تعبيراته، ما كان سائداً من ‘دَخِيلٍ’، مما كانت العرب تستعمله، في التداول العام، وفي لغة التَّخاطُب، بما في ذلك، ما كان من تنوُّع لَهَجِي، عند القبائل، سواء، في نُطْقِها للحُروف، والكلمات، أو في ما كانت تحتمله بعض العبارات، من معانٍ ودلالاتٍ. لم يأتِ القرآن بلغةٍ لا يعرفُها الناس، أو بلغة نزلَتْ عليهم من السماء، لو حَدَثَ هذا، لَبَقِيَ القرآن دون قارِيءٍ.
لسان العرب
فسياقات التواصُل، وشُروطُه، كما يعرفها المُتَعَلِّمُون اليوم، هي نفسها التي استجاب لها القرآن، لأنه توخَّى التواصل، لا القطيعةَ والانفصال، بدليل قوله في مطلع سورة يوسف ‘آلر تِلْكَ ءايَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ، إنَّا أنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياً لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ’، أي بلغة الإنسان العربي، وهي اللغة المُنتشرة، والسَّائدة، التي كان الناس يتداولُونها، في معاملاتهم التجارية، أو في أسواقهم، بما فيها سوق عكاظ، الذي كان فضاءً للمنافسة والتَّباري الشَّعْرِيَيْنِ، بين شعراء القبائل المختلفة.
وإذا كان أبوعبيدة معمر بن المُثنَّى التميمي [ت. 210 هـ]، في كتابه ‘مَجاز القرآن’، قال ‘إنَّما أُنْزِلَ القرآن بلسان عربي مبين، وتِصْدَاقُ ذلك في آيةٍ من القرآن، وفي آية أخرى: ‘وما أرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلاَّ بِلِسانِ قَوْمِه’[4.14]، فلم يَحْتَجِ السَّلَف ولا الذين أدْرَكُوا وَحْيَه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه لأنهم كانوا عَرَبَ الأَلْسُن، فاسْتَغْنَوْا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعمَّا فيه مِمَّا في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص.
وفي القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب، ومن الغريب، والمعاني ‘، فذلك ليُؤَكِّدَ أنَّ العربيةَ التي نزل بها القرآن، هي العربية نفسُها التي بها أَنْشَد الشُّعراء قَصائِدَهُم، وهي نفسها لغة الأمثال، ولغة الخُطَب، أو الخطابة، وهي ‘كلام العرب’، بدليل قوله، إذا اسْتَعْصَى عليكم شيء في القرآن فعودوا للشَّعر الجاهلي. وهذا يكشف طبيعة العلاقة اللغوية التي تجمع بين القرآن، وبين الشِّعر، وغيره مما ابْتَدَعَهُ العرب من تَعْبيراتٍ. ما يختلف فيه القرآن عن الشِّعر، وعن غيره من هذه لتعبيرات، هو الأسلوب. أو الطريقة التي بها صاغ تعبيراته، فلا هو شعر، ولا هو نثر، ما وضع قارئَه، آنذاك، في حَرَجٍ، هذا القاريء الذي كان ألِفَ لغة الشِّعر، ومجازاته، وما فيه من أوزان وإيقاعات، وحتى الطريقة التي كان يُلْقَى بها في الأسواق.
عربية اخرى
الاختلاف، هو اختلاف في الأسلوب، أو في ما كان سَمَّاه عبد القاهر الجرجاني في كتابه ‘دلائل الإعجاز′، بنظرية ‘النَّظْم’ التي هي نظرية تهتم بالتركيب، وليس باللفظة المفردة، في ذاتها. فالجملة في القرآن، كما يذهب إلى ذالك الجرجاني، يصعُب تفكيكُها، أو تعويض بعض عناصرِ بنائها، بغيرها مما يكون في معناها، لأن حدوث هذا، سَيُفْضِي إلى انهيار المعنى الثَّاوي في الجملة، أو في الآية. يقول الجرجاني، في معرض جوابه عمن افْتَرَض أنه يسأل عن مصدر هذا الإعجاز ‘وَبَهَرَهُم أنَّهُم تأمَّلُوه سورةً سورةً، وعُشْراً عُشْراً، وآيةً آيةً، فلم يَجِدُوا في الجميع كَلِمَةً يَنْبُو بها مَكَانُها، ولَفْظَة ينكر شانُها، أو يُرَى أنَّ غَيْرَها أصْلَح هناك أو أشْبَه، أو أحرى وأخْلَق، بل وجدوا اتِّساقاً بَهَر العُقول، وأعْجَزَ الجمهور، ونظاماً والْتِئاماً، وإتْقاناً وإحْكاماًô ‘. هذا البناء ‘المُحْكَم’، هو ما مَيَّز القرآن، عن غيره، وجعله كتاباً مُعْجِزاً، أي مُخْتَلِفاً عن غيره، في ما حَفَل به من كلام. فهو بهذا المعنى ليس عربيةً أخرى، غير العربية التي يعرفها الناس، بقدر ما هو إضافة، وتنويع، في قَلْبِ العربية نفسها، وخُروج بها عن المعروف والسَّائد، إلى ما هو جديد، مُدْهِش، وخَلاَّب. لهذا اتُّهِمَ النبي بالسَّحْر، واعْتُبِر الوحي سِحْراً. ولعلَّ في قول النبي، إنَّ من البيان لسحرا، ما يكشف ‘غواية’ اللغة، و’فِتْنَتَـ’ ها، أو كما قال الجاحظ، في مقدمة كتابه ‘البيان والتبيين’، ‘اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذ بك من فِتْنَة القَوْل’، مُدْرِكاً، غواية اللغة وفتنتَها، حين تكون مُحْكَمَةً، ومبنيةً بطريقة، أو بأسلوب جديد، هو إضافة، وتنويع، وليست تكراراً واستعادةً.
هذا ما يمنع اعتبار اللغة العربية، لغة القرآن، وَيُجَنِّبُنا تقديسها، كمقدمة لقتلها وتجميدها داخل قوالب ثابتة، لا تقبل الإضافة والإبداع، أو تحويلها إلى قُرْآنٍ في قَلْب القرآن. وهو ما كان فَعَلَه الهُنود القُدَامَى، باللغة السنسكريتية، وهي لغة الهند القديمة المُدَوَّنَة في كتب البراهمة، حين عَدُّوها مُقَدَّسَةً، وأخْرَجّوها من سياقها الدنيوي ـ البشري. فهذه اللغة، كما هو معروف، هي أصل اللغات الهند أوربية، أو ما سُمِّيَ باللغات الآرية، في مقابل اللغات السامية، وبينها العربية، وهي التَّسْمِيَة التي كان أطلقها المستشرق الألماني شلوتزر سنة 1781.
إذا كان الإسلام، في مُجْمَلِه، جاء ثورةً على الماضي، وعلى ما كان في ‘الجاهلية’ من تقاليد وعاداتٍ، وثار ضد اللغة نفسها، أو ضد طريقةٍ في استعمال اللغة، أؤ توظيفها، بالأحرى، فهو فتح بهذا العمل الثوري العظيم، أفقاً أمام المسلمين، وغير المسلمين، ممن قاوَمُوا الإسلام، ورفضوا الدُّخول فيه، ليبحثوا لنفسهم عن أساليب أخرى، وعن مجازات جديدة، تخرج بهم عن العام، الذي لا يكون سوى تقليدٍ وتكرار.
هذه هي العربية التي بها كَتَبَ الجاحظ، في ما بعد، وبها كَتَب أبوحيان التوحيدي، خصوصاً في عمله الاستثنائي ‘الإشارات الإلهية’، رغم أنّ أبا حيَّان اتُّهِم بالكُفْر والزندقة! وهي العربية التي كتب بها المعري، وأبو نواس، والمتنبي، وأبوتمام، وكتب بها ابن عربي كتابه الكبير ‘الفتوحات المكية’. ثمَّة كتبٌ كثيرة، في التراث العربي القديم، لا تزال حيَّةً، لا تحتاج سوى لِتَحْيِينِها، ووضعها رَهْنَ إشارة قُرَّاء العربية، في المدارس، كما في الجامعات، وهذا ما فعله الغرب نفسه مع سقراط، الذي اسْتعادَه تلميذه أفلاطون، ومع أفلاطون نفسه، وأرسطو، وغيرهم، ممن فتحوا أمام هذا الغرب طُرُق المعرفة، وأتاحوا له تطوير فكره، ومناهجه، وساهموا في تغيير العقل الغربي، الذي كانت هَيْمَنَتْ عليه الكنيسة، وساهمت في تَخَلُّفِه، وانغلاقه لِقُرونٍ، حين احْتَكَرَت تأويل النص الديني، وحَصَرَتْ معانيه، في ما يصدر عن الكنيسة، دون غيرها.
ادونيس والنثر العربي
أُعْجِبْتُ كثيراً بكتاب ‘ديوان النثر العربي’ للشاعر الصديق أدونيس، الذي هو مختارات من النثر العربي القديم، وهو كتاب من أربعة أجزاء، اسْتَغْرقَ أكثر من أَلْفَيْ صفحة، ويُغَطِّي مرحلة واسعة من النثر العربي، بما فيه أقوال وخُطَب الخلفاء، وما قبلهم. فحالما سَلَّمَنِي أدونيس هذا الكتاب، تركتُ كل شيء خلفي، وتفرَّغْت لقراءته، لأسْتَكْشِف كيف يقرأ الشاعر النثر، وما الزاوية التي منها يَنْظُر لكلامٍ هو غير الشِّعر. ما اختاره أدونيس، وهو قليل، قياساً بما بَقِيَ ثاوياً في الكُتُب القديمة، وأدونيس كان واعياً بهذا، وصرَّح به، في مقدمة الكتاب، فيه مُتْعَةٌ لا تُضَاهَى، وهو اكتشاف آخَر لِلُّغَة العَربيةِ، التي هي لغة حَيَّة، مليئة بالمُفاجآت، وفيها من الصور والمجازات، ما لا يمكن حَصْرُه، حتى في الكلام العادي، أو ما قد يبدو لنا أنه كلام عادي، ومألوف. فهذا الكتاب، هو جواب على كثير من الأسئلة المُتَشَكِّكَة في قيمة العربية، وفي التنوُّعات، والإضافات الكثيرة التي حَدَثَتْ فيها، فهي لغة، كما يمكن تَلَمُّس ذلك، في هذا الكتاب، وفي المصادر الأساسية، لمن يقرأها، أكبر من مُسْتَعْمِليها، وأوسع من رؤيتهم، التي ضاقتْ بهم لينظروا إليها بأنها عاجزة عن الخلق والإضافة، أو هي ‘كلام الله’ الذي لا يجوز للإنسان مَسُّهُ، وتَعْدِيلُه، جَهْلاً بما بين اللغة والأسلوب من فُرُوق.
مفردات فقدت صلاحياتها
ثمَّة في العربية ما لم يعد مُسْتَعْمَلاً من مفردات، وتعابير، بحكم سيرورة اللِّسان، وثمَّة في العربية ما صار ‘كلاسيكياً’، أي لغةً تاريخية، مثل لغة موليير وراسين في الفرنسية، التي باتت تحتاج لمعاجم خاصة لقراءتها، وفَهْمِها، مثل معجم littre ، وحتى سياقاتُها الجمالية، لم تعد هي نفس السياقات التي تُسْتَعَمَل اليوم، نظراً لطبيعة التطوُّر، و’سُنَّة الحياة’ التي تفرض هذا النوع من الانتقال والسيرورة، وما يظهر من تعبيراتٍ، ومفاهيم، لم تكن معروفةً من قبل.
من يُواكِب التاريخ الجمالي لِلُّغَة العربية، ويقرأها في سيرورتها التاريخية، بَدْءاً من الشِّعر الجاهلي إلى اليوم، ليس في ما هو سائد من نصوص مدرسيةٍ، أو ما يقرأه التلاميذ والطلبة، مما هو مفروض عليهم من مقررات، بل في النصوص الإبداعية التي نَأَتْ بنفسها عن التعبيرات، والمجازات الباردة والميتة، وفتحَتْ، مثلما فعل القرآن نفسه، طُرُقاً جديدة في التعبير، وفي التفكير، وطريقة النظر، أيضاً، سيكتشف ما حَدَث في العربية من انتقالاتٍ، وما عَرَفَتْه من تَطَوُّر، ومن إضافات، كانت بدأتْ منذ ما قبل مجيء الإسلام، بكثير، وهو ما يعود به طه باقر، إلى مرحلة الأكديين، وما كان اسْتعارَهُ منهم السومريون من مفردات. ما يعني أنَّ العربية كانت، دائماً، مفتوحة على كل ما يجري في محيطها، وخارجه، وعلى اللغات التي كانت تنتمي لنفس العائلة اللغوية، أو كانت تشترك معها في كثير من خصائها المُمَيِّزَة لها.
اشتقاق المعاني
فالعربية، مثلاً، هي بين اللغات المُتَصَرِّفَة، التي يَتَغَيَّر فيها الأصل الواحد، ويتحوَّل إلى صُوَر عديدة للدلالة على المعاني المختلفة. وهي بعكس اللغات الأُحادية، التي لا تتعدَّى كلماتُها المقطع الواحد، ولا أثَرَ فيها للِتَّغَيُّر تَبَعاً للمعاني. وأيضاً، قياساً، ومقارنةً باللغات المَزْجِيَة التي يدخل ألفاظها بعض التغيير، بما يحدث فيها من ربْطِ لفظة بأخرى، وإلصاقها بها، تدل أوْلاهُما على أصل المعنى، والثانية على المعنى المُضاف إليه. وإضافة إلى طابعها الإعرابي، الذي كان ابن مضاء القرطبي، في الأندلس، بين أهم من دَعَوْا للتخَلِّي عنه، فهي لغة اشتقاقية، يَتِمُّ فيها، دائماً العودة للأصل، وإلى المعنى الكلي الذي تُؤدِّيه المادة الأولى التي منها اشْتُقَّت جميع المعاني الجزئية. وقد لُوحِظ، يقول بعض الباحثين، أنَّ اللغات أول ما تكون إجماليةً، ثم إذا أخذت تترقَّى، مالَتْ إلى التفصيل. وللعلوم في اللُّغات تأثير يميل بها إلى الجهة التفصيلية.
لا يمكن لمن يدرس تاريخ العربية، في علاقتها باللهجات التي كانت موجودةً قبل اليوم، وبينها لهجة قريش، ولهجة تميم، مثلاً، أن يتجاهَل، ما حَدَث في الشِّعر الجاهلي من وَحْدَةٍ في اللِّسان، رغم ما كان بين القبائل من اختلاف، في بعض مواطن النُّطق، واستعمال بعض الحروف، مثل العين والنون، فقد رُوِيَ عن لهجة هُذيل والأزد وقيس والأنصار، وهُم جميعاً، يمانيون، عدا هُذيل، أنهم كانوا يجعلون العين الساكنة نوناً، إذا جاورت الطاء، وفي هذا المعنى، كان الحسن البصري وابن محيض يقرأون ‘إنَّا أعطيناك الكوثر’، بـ ‘إنَّا أنْطَيْناك الكوثر’، وهو ما سُمِّي، بـ ‘الاستنطاء’. فالشِّعر الجاهلي، جاءَ خارج هذه الاختلافات، وجاء بلغة عربية فصيحة، وهي ليست لا لغة قريش، وحدَها، ولا لغة تميم، فاللغة العربية، كما يقول الدارسون، ‘ليست لغة قريش ولا لغة غيرها من القبائل العربية وإنما هي اختيار لا شعوري من لغة هؤلاء وهؤلاء حدث من احتكاك كثير من أفراد هذه القبائل في مواسم الحج والتجارة. والأسواق الأدبية المختلفة فنتج عن هذا الاحتكاك الكبير بين القبائل ذلك الكيان اللغوي الذي عرفناه باسم اللغة الفصحى وهي اللغة المشتركة بين أدباء هذه القبائل جميعاً ينظمون بها شعرهم ويُعَبِّرون بها عما يجيش في صدورهم في ساعات الجد كمواقف الخطابة مثلاً’.
أ. صلاح بوسريف
العربية، هي اللغة التي بها أكْتُب، وهي اللغة التي بها أُدَرِّسُ، وليست هي مصدر معرفتي الوحيد. ثمة ما أقرأه في لغاته الأصلية، وثمَّة ما أذهبُ إليه عبر الترجمة، حِرْصاً مِنِّي على معرفة الآخرين، وعلى الاقتراب منهم، والإفادة من معارفهم، بنوع من الحوار والمراجعة، والنقد، وليس بالأخْذ، والتَّبَعِيَّة، أو الطَّاعة العمياء. فمعرفةُ الآخر، هي معرفةٌ بالذات.
أدْرَكْتُ، مثل غيري، مِمَّن اعْتَنَوْا بِكُتُب التراث، وماضي الثقافات الإنسانية، أنَّ معرفة حاضر ثَقافةٍ، أو ُلغَةٍ ما، رهِينٌ بمعرفة ماضي هذه الثقافة، وهذه اللغة. لا لُغَةَ بدون تاريخ، وأعني تاريخ اللغة المعرفي، وتاريخها الجمالي. كما أنَّ لا لغةَ تبقى هي نفسها، لا تتغيَّر، ولا تتبدَّل، فكل اللُّغَاتِ تعرف انتقالاتٍ، وتنمو، وتكبُر، وتَنْتَعِش، أو تَسْتَضِيفُ، في تعبيراتها، وفي تراكيبها، مفردات، وتعابير، وتراكيب، من لُغاتٍ أخرى، ولا توجد لغة مُنْغَلِقَة على نفسها، مُكْتَفِيَة بذاتها، لأنَّ لغةً بهذا المعنى، هي لغة مَيِّتَة، لا حياة فيها.
حين نزل القرآن في شبه جزيرة العرب، لم ينزل بِلُغَةٍ عربية صافيةٍ، خَالِيَةٍ من التأثير الخارجي لِلُغاتِ الجِوار، بل إنه أدْخَلَ في خطابه، وفي تعبيراته، ما كان سائداً من ‘دَخِيلٍ’، مما كانت العرب تستعمله، في التداول العام، وفي لغة التَّخاطُب، بما في ذلك، ما كان من تنوُّع لَهَجِي، عند القبائل، سواء، في نُطْقِها للحُروف، والكلمات، أو في ما كانت تحتمله بعض العبارات، من معانٍ ودلالاتٍ. لم يأتِ القرآن بلغةٍ لا يعرفُها الناس، أو بلغة نزلَتْ عليهم من السماء، لو حَدَثَ هذا، لَبَقِيَ القرآن دون قارِيءٍ.
لسان العرب
فسياقات التواصُل، وشُروطُه، كما يعرفها المُتَعَلِّمُون اليوم، هي نفسها التي استجاب لها القرآن، لأنه توخَّى التواصل، لا القطيعةَ والانفصال، بدليل قوله في مطلع سورة يوسف ‘آلر تِلْكَ ءايَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ، إنَّا أنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياً لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ’، أي بلغة الإنسان العربي، وهي اللغة المُنتشرة، والسَّائدة، التي كان الناس يتداولُونها، في معاملاتهم التجارية، أو في أسواقهم، بما فيها سوق عكاظ، الذي كان فضاءً للمنافسة والتَّباري الشَّعْرِيَيْنِ، بين شعراء القبائل المختلفة.
وإذا كان أبوعبيدة معمر بن المُثنَّى التميمي [ت. 210 هـ]، في كتابه ‘مَجاز القرآن’، قال ‘إنَّما أُنْزِلَ القرآن بلسان عربي مبين، وتِصْدَاقُ ذلك في آيةٍ من القرآن، وفي آية أخرى: ‘وما أرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلاَّ بِلِسانِ قَوْمِه’[4.14]، فلم يَحْتَجِ السَّلَف ولا الذين أدْرَكُوا وَحْيَه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه لأنهم كانوا عَرَبَ الأَلْسُن، فاسْتَغْنَوْا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعمَّا فيه مِمَّا في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص.
وفي القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب، ومن الغريب، والمعاني ‘، فذلك ليُؤَكِّدَ أنَّ العربيةَ التي نزل بها القرآن، هي العربية نفسُها التي بها أَنْشَد الشُّعراء قَصائِدَهُم، وهي نفسها لغة الأمثال، ولغة الخُطَب، أو الخطابة، وهي ‘كلام العرب’، بدليل قوله، إذا اسْتَعْصَى عليكم شيء في القرآن فعودوا للشَّعر الجاهلي. وهذا يكشف طبيعة العلاقة اللغوية التي تجمع بين القرآن، وبين الشِّعر، وغيره مما ابْتَدَعَهُ العرب من تَعْبيراتٍ. ما يختلف فيه القرآن عن الشِّعر، وعن غيره من هذه لتعبيرات، هو الأسلوب. أو الطريقة التي بها صاغ تعبيراته، فلا هو شعر، ولا هو نثر، ما وضع قارئَه، آنذاك، في حَرَجٍ، هذا القاريء الذي كان ألِفَ لغة الشِّعر، ومجازاته، وما فيه من أوزان وإيقاعات، وحتى الطريقة التي كان يُلْقَى بها في الأسواق.
عربية اخرى
الاختلاف، هو اختلاف في الأسلوب، أو في ما كان سَمَّاه عبد القاهر الجرجاني في كتابه ‘دلائل الإعجاز′، بنظرية ‘النَّظْم’ التي هي نظرية تهتم بالتركيب، وليس باللفظة المفردة، في ذاتها. فالجملة في القرآن، كما يذهب إلى ذالك الجرجاني، يصعُب تفكيكُها، أو تعويض بعض عناصرِ بنائها، بغيرها مما يكون في معناها، لأن حدوث هذا، سَيُفْضِي إلى انهيار المعنى الثَّاوي في الجملة، أو في الآية. يقول الجرجاني، في معرض جوابه عمن افْتَرَض أنه يسأل عن مصدر هذا الإعجاز ‘وَبَهَرَهُم أنَّهُم تأمَّلُوه سورةً سورةً، وعُشْراً عُشْراً، وآيةً آيةً، فلم يَجِدُوا في الجميع كَلِمَةً يَنْبُو بها مَكَانُها، ولَفْظَة ينكر شانُها، أو يُرَى أنَّ غَيْرَها أصْلَح هناك أو أشْبَه، أو أحرى وأخْلَق، بل وجدوا اتِّساقاً بَهَر العُقول، وأعْجَزَ الجمهور، ونظاماً والْتِئاماً، وإتْقاناً وإحْكاماًô ‘. هذا البناء ‘المُحْكَم’، هو ما مَيَّز القرآن، عن غيره، وجعله كتاباً مُعْجِزاً، أي مُخْتَلِفاً عن غيره، في ما حَفَل به من كلام. فهو بهذا المعنى ليس عربيةً أخرى، غير العربية التي يعرفها الناس، بقدر ما هو إضافة، وتنويع، في قَلْبِ العربية نفسها، وخُروج بها عن المعروف والسَّائد، إلى ما هو جديد، مُدْهِش، وخَلاَّب. لهذا اتُّهِمَ النبي بالسَّحْر، واعْتُبِر الوحي سِحْراً. ولعلَّ في قول النبي، إنَّ من البيان لسحرا، ما يكشف ‘غواية’ اللغة، و’فِتْنَتَـ’ ها، أو كما قال الجاحظ، في مقدمة كتابه ‘البيان والتبيين’، ‘اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذ بك من فِتْنَة القَوْل’، مُدْرِكاً، غواية اللغة وفتنتَها، حين تكون مُحْكَمَةً، ومبنيةً بطريقة، أو بأسلوب جديد، هو إضافة، وتنويع، وليست تكراراً واستعادةً.
هذا ما يمنع اعتبار اللغة العربية، لغة القرآن، وَيُجَنِّبُنا تقديسها، كمقدمة لقتلها وتجميدها داخل قوالب ثابتة، لا تقبل الإضافة والإبداع، أو تحويلها إلى قُرْآنٍ في قَلْب القرآن. وهو ما كان فَعَلَه الهُنود القُدَامَى، باللغة السنسكريتية، وهي لغة الهند القديمة المُدَوَّنَة في كتب البراهمة، حين عَدُّوها مُقَدَّسَةً، وأخْرَجّوها من سياقها الدنيوي ـ البشري. فهذه اللغة، كما هو معروف، هي أصل اللغات الهند أوربية، أو ما سُمِّيَ باللغات الآرية، في مقابل اللغات السامية، وبينها العربية، وهي التَّسْمِيَة التي كان أطلقها المستشرق الألماني شلوتزر سنة 1781.
إذا كان الإسلام، في مُجْمَلِه، جاء ثورةً على الماضي، وعلى ما كان في ‘الجاهلية’ من تقاليد وعاداتٍ، وثار ضد اللغة نفسها، أو ضد طريقةٍ في استعمال اللغة، أؤ توظيفها، بالأحرى، فهو فتح بهذا العمل الثوري العظيم، أفقاً أمام المسلمين، وغير المسلمين، ممن قاوَمُوا الإسلام، ورفضوا الدُّخول فيه، ليبحثوا لنفسهم عن أساليب أخرى، وعن مجازات جديدة، تخرج بهم عن العام، الذي لا يكون سوى تقليدٍ وتكرار.
هذه هي العربية التي بها كَتَبَ الجاحظ، في ما بعد، وبها كَتَب أبوحيان التوحيدي، خصوصاً في عمله الاستثنائي ‘الإشارات الإلهية’، رغم أنّ أبا حيَّان اتُّهِم بالكُفْر والزندقة! وهي العربية التي كتب بها المعري، وأبو نواس، والمتنبي، وأبوتمام، وكتب بها ابن عربي كتابه الكبير ‘الفتوحات المكية’. ثمَّة كتبٌ كثيرة، في التراث العربي القديم، لا تزال حيَّةً، لا تحتاج سوى لِتَحْيِينِها، ووضعها رَهْنَ إشارة قُرَّاء العربية، في المدارس، كما في الجامعات، وهذا ما فعله الغرب نفسه مع سقراط، الذي اسْتعادَه تلميذه أفلاطون، ومع أفلاطون نفسه، وأرسطو، وغيرهم، ممن فتحوا أمام هذا الغرب طُرُق المعرفة، وأتاحوا له تطوير فكره، ومناهجه، وساهموا في تغيير العقل الغربي، الذي كانت هَيْمَنَتْ عليه الكنيسة، وساهمت في تَخَلُّفِه، وانغلاقه لِقُرونٍ، حين احْتَكَرَت تأويل النص الديني، وحَصَرَتْ معانيه، في ما يصدر عن الكنيسة، دون غيرها.
ادونيس والنثر العربي
أُعْجِبْتُ كثيراً بكتاب ‘ديوان النثر العربي’ للشاعر الصديق أدونيس، الذي هو مختارات من النثر العربي القديم، وهو كتاب من أربعة أجزاء، اسْتَغْرقَ أكثر من أَلْفَيْ صفحة، ويُغَطِّي مرحلة واسعة من النثر العربي، بما فيه أقوال وخُطَب الخلفاء، وما قبلهم. فحالما سَلَّمَنِي أدونيس هذا الكتاب، تركتُ كل شيء خلفي، وتفرَّغْت لقراءته، لأسْتَكْشِف كيف يقرأ الشاعر النثر، وما الزاوية التي منها يَنْظُر لكلامٍ هو غير الشِّعر. ما اختاره أدونيس، وهو قليل، قياساً بما بَقِيَ ثاوياً في الكُتُب القديمة، وأدونيس كان واعياً بهذا، وصرَّح به، في مقدمة الكتاب، فيه مُتْعَةٌ لا تُضَاهَى، وهو اكتشاف آخَر لِلُّغَة العَربيةِ، التي هي لغة حَيَّة، مليئة بالمُفاجآت، وفيها من الصور والمجازات، ما لا يمكن حَصْرُه، حتى في الكلام العادي، أو ما قد يبدو لنا أنه كلام عادي، ومألوف. فهذا الكتاب، هو جواب على كثير من الأسئلة المُتَشَكِّكَة في قيمة العربية، وفي التنوُّعات، والإضافات الكثيرة التي حَدَثَتْ فيها، فهي لغة، كما يمكن تَلَمُّس ذلك، في هذا الكتاب، وفي المصادر الأساسية، لمن يقرأها، أكبر من مُسْتَعْمِليها، وأوسع من رؤيتهم، التي ضاقتْ بهم لينظروا إليها بأنها عاجزة عن الخلق والإضافة، أو هي ‘كلام الله’ الذي لا يجوز للإنسان مَسُّهُ، وتَعْدِيلُه، جَهْلاً بما بين اللغة والأسلوب من فُرُوق.
مفردات فقدت صلاحياتها
ثمَّة في العربية ما لم يعد مُسْتَعْمَلاً من مفردات، وتعابير، بحكم سيرورة اللِّسان، وثمَّة في العربية ما صار ‘كلاسيكياً’، أي لغةً تاريخية، مثل لغة موليير وراسين في الفرنسية، التي باتت تحتاج لمعاجم خاصة لقراءتها، وفَهْمِها، مثل معجم littre ، وحتى سياقاتُها الجمالية، لم تعد هي نفس السياقات التي تُسْتَعَمَل اليوم، نظراً لطبيعة التطوُّر، و’سُنَّة الحياة’ التي تفرض هذا النوع من الانتقال والسيرورة، وما يظهر من تعبيراتٍ، ومفاهيم، لم تكن معروفةً من قبل.
من يُواكِب التاريخ الجمالي لِلُّغَة العربية، ويقرأها في سيرورتها التاريخية، بَدْءاً من الشِّعر الجاهلي إلى اليوم، ليس في ما هو سائد من نصوص مدرسيةٍ، أو ما يقرأه التلاميذ والطلبة، مما هو مفروض عليهم من مقررات، بل في النصوص الإبداعية التي نَأَتْ بنفسها عن التعبيرات، والمجازات الباردة والميتة، وفتحَتْ، مثلما فعل القرآن نفسه، طُرُقاً جديدة في التعبير، وفي التفكير، وطريقة النظر، أيضاً، سيكتشف ما حَدَث في العربية من انتقالاتٍ، وما عَرَفَتْه من تَطَوُّر، ومن إضافات، كانت بدأتْ منذ ما قبل مجيء الإسلام، بكثير، وهو ما يعود به طه باقر، إلى مرحلة الأكديين، وما كان اسْتعارَهُ منهم السومريون من مفردات. ما يعني أنَّ العربية كانت، دائماً، مفتوحة على كل ما يجري في محيطها، وخارجه، وعلى اللغات التي كانت تنتمي لنفس العائلة اللغوية، أو كانت تشترك معها في كثير من خصائها المُمَيِّزَة لها.
اشتقاق المعاني
فالعربية، مثلاً، هي بين اللغات المُتَصَرِّفَة، التي يَتَغَيَّر فيها الأصل الواحد، ويتحوَّل إلى صُوَر عديدة للدلالة على المعاني المختلفة. وهي بعكس اللغات الأُحادية، التي لا تتعدَّى كلماتُها المقطع الواحد، ولا أثَرَ فيها للِتَّغَيُّر تَبَعاً للمعاني. وأيضاً، قياساً، ومقارنةً باللغات المَزْجِيَة التي يدخل ألفاظها بعض التغيير، بما يحدث فيها من ربْطِ لفظة بأخرى، وإلصاقها بها، تدل أوْلاهُما على أصل المعنى، والثانية على المعنى المُضاف إليه. وإضافة إلى طابعها الإعرابي، الذي كان ابن مضاء القرطبي، في الأندلس، بين أهم من دَعَوْا للتخَلِّي عنه، فهي لغة اشتقاقية، يَتِمُّ فيها، دائماً العودة للأصل، وإلى المعنى الكلي الذي تُؤدِّيه المادة الأولى التي منها اشْتُقَّت جميع المعاني الجزئية. وقد لُوحِظ، يقول بعض الباحثين، أنَّ اللغات أول ما تكون إجماليةً، ثم إذا أخذت تترقَّى، مالَتْ إلى التفصيل. وللعلوم في اللُّغات تأثير يميل بها إلى الجهة التفصيلية.
لا يمكن لمن يدرس تاريخ العربية، في علاقتها باللهجات التي كانت موجودةً قبل اليوم، وبينها لهجة قريش، ولهجة تميم، مثلاً، أن يتجاهَل، ما حَدَث في الشِّعر الجاهلي من وَحْدَةٍ في اللِّسان، رغم ما كان بين القبائل من اختلاف، في بعض مواطن النُّطق، واستعمال بعض الحروف، مثل العين والنون، فقد رُوِيَ عن لهجة هُذيل والأزد وقيس والأنصار، وهُم جميعاً، يمانيون، عدا هُذيل، أنهم كانوا يجعلون العين الساكنة نوناً، إذا جاورت الطاء، وفي هذا المعنى، كان الحسن البصري وابن محيض يقرأون ‘إنَّا أعطيناك الكوثر’، بـ ‘إنَّا أنْطَيْناك الكوثر’، وهو ما سُمِّي، بـ ‘الاستنطاء’. فالشِّعر الجاهلي، جاءَ خارج هذه الاختلافات، وجاء بلغة عربية فصيحة، وهي ليست لا لغة قريش، وحدَها، ولا لغة تميم، فاللغة العربية، كما يقول الدارسون، ‘ليست لغة قريش ولا لغة غيرها من القبائل العربية وإنما هي اختيار لا شعوري من لغة هؤلاء وهؤلاء حدث من احتكاك كثير من أفراد هذه القبائل في مواسم الحج والتجارة. والأسواق الأدبية المختلفة فنتج عن هذا الاحتكاك الكبير بين القبائل ذلك الكيان اللغوي الذي عرفناه باسم اللغة الفصحى وهي اللغة المشتركة بين أدباء هذه القبائل جميعاً ينظمون بها شعرهم ويُعَبِّرون بها عما يجيش في صدورهم في ساعات الجد كمواقف الخطابة مثلاً’.

تعليق