#شيء من اللغة: القصّ والقطع
د. هادي حسن حمّودي
د. هادي حسن حمّودي
جاء في بعض رسالة من الباحث الجزائري (Hamza Nedved) قوله: (كنت في حديث مع صديق حول المعنى اللغوي لكلمة ( القصاص) الواردة في القران الكريم ، فقلت له انها تعني تتبع اثر القاتل واستشهدت بقوله تعالى (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) أي: رجعا على ذات الاثر، و كذلك عن أم موسى بعد أن ألقت موسى عليه السلام في النهر : (وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ) ، أي : اتبعي أثره. لكن صديقي قال: بأن القصاص هي من قصّ يقصّْ قصًّا و تعني القطع ، وأن التتبع هو الاقتصاص من فعل اقتصّ. فما رايكم دكتورنا العزيز ؟
عزيزي الباحث الجزائري المحترم حمزة:
القَصُّ قَصٌّ والتقطيعُ تقطيعُ
والفَرْقُ بينهما أصلٌ وتَفريعُ
هما مختلفان جذرا واشتقاقا.
ولا بدّ أن صاحبك قد سمع: فلان قطع رحمَه، أو هو قاطعٌ لصلة الرّحِم. فهل سمع: فلانٌ قصّ رَحمَه، أو هو قاصٌّ لصلة رَحمِه؟
ولكن، فلنبدأ من البداية:
قصّ من الجذر (ق ص ص) الدالّ على تتبّع الشيء (بِدِقّة). ومنه اقتصصت الأثر: إذا تتبّعته (بِدِقّةٍ). والقِصاص معناه تتبّع آثار الأذى وإنزال مثيل له بمن سبّبه.
ولا بدّ أنك قرأت (تاجر البندقية) لشكسبير. وتذكر أن أنطونيو كان مَدينا لشايلوك برطل من لحمه إنْ لم يسدد القرض الربوي الذي اقترضه منه. وحين لم يستطع أنطونيو تسديد القرض أصر شايلوك على قطع رطل من لحم أنطونيو، فطلب منه المحامي أن يقطع رطلا لا يزيد حبة خردل ولا ينقص خردل حبة أبدا وإلا عوقب بكذا وكيت. وتنازل شايلوك عن طلبه ودفع تعويضا لأنه شغل المحكمة. هذا هو القصاص المقصود.
وقد ورد في التنزيل العزيز بهذه الدلالة (... وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ) فالقِصاص: القَوَدُ: الجُرح بالجُرح. أي جعل العقوبة على قدر الأذى، إن لم يتيسر العفو عن المذنب. ومثله الاقتصاص أخْذُ القصاص، جرح بجرح أو بتعويض آخر.
(وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ) فكانت أخته تراقبة بدقة حتى لا يضيع أو يجرفه النهر بعيدا عن الشاطئ.
والآية: (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) أي كانا يتتبّعان مواقع أقدامهما عائدَين إلى حيث كانا.
ومن الجذر القِصّة والقَصَص لأنها أحداث يتبع بعضها بعضا، ومنها: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
وقد رأى أفلاطون أن القصّ: عمل عقلي يعتمد على ربط النتائج بالأسباب والعلل. ويختلف عن المحاكاة أو الحكاية.
ففي هذه الاستعمالات (الدِّقَّة) في التتبّع. وإن اختلفت دلالةُ التتبّع من حالة لأخرى. فتارة تكون الدلالةُ تتبّعَ مدى الأذى الذي ألحقه المعتدي بالمعتدَى عليه، والاقتصاص من المعتدي بمقدار ذلك. وتارة تتبّع الأثر أي آثار الأقدام أو غيرها.
ونسب ابن منظور للّيث أنه قال: القصّ فعل القاصّ إذا قَصّ القَصَص. والقول للخليل. وليس للّيث قولٌ في اللغة. وكذلك فعل في: القصاص والتقاصّ في الجراحات شيء بشيء، حيث نسبه للّيث كما فعل غيره ممن سبقه، وهو في العين (5/122-123، ط.، مسقط) للخليل.
وأما قول بعضهم: قصصت ما بينهما أي قطعت، فهو مبالغة مجازية، فكأن ما بينهما شيء مادي وهو استعمل المقصّ فقصّه.
وهكذا نتبين أن اقتصّ والاقتصاص من الجذر (ق ص ص) الذي بينا معانيه وما يشتق منه.
أما قطع، فيعني فصل شيء من شيء آخر، ماديا كان أم معنويا ولا تُشترط فيه الدقة. ومنه قطع رحمه، وقطع الحاكم رقبة فلان. وكل قطع يختلف عن القص. تطلب من صاحبك أن يقطع لك قطعة خبز فيقطع لك شيئا كيفما اتفق. ومنه ما ذكرناه من قطع صلة الرحم وما أشبهه. أما إن طلبت من أحد أن يقصّ لك ورقة مثلا فأنت تريد قصا منظما لا التواء فيه ولا اعوجاج.
وتطور الاستعمال، بلاغيا، كما في: سار فلان على قدميه فقطع مسافة كذا وكذا. ولا نقول: قصّ مسافة كذا وكيت.
المصدر
