المَبادئ الكليةُ والقَواعدُ اللغويةُ

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د عبد الرحمن بو درع
    نائب رئيس المجمع
    • Mar 2012
    • 806

    #1

    المَبادئ الكليةُ والقَواعدُ اللغويةُ

    قال لي صاحبي وهو يُحاورُني متسائلاً: هل بُرمِجَ عقلُ الإنسان بالقواعد قبل الولادة؟
    أيتكلم الإنسان بقواعد مسبقة في ذهنه أم يتكلم تحت رعاية الاحتياج المعنوي
    وعلامات أمن اللبس؟

    ثم أجابَ عن سُؤال نفسِه قائلاً: الذي يبدو لي أن الإنسانَ لا يتحدثُ بقواعدَ مسبقةٍ وإنما
    يتكلم تحت رعاية الاحتياج المعنوي وعلامات أمن اللبس ،للأسباب التالية :
    1- إذا افترضنا أن الإنسان يتحدث بواسطة القواعد المبرمجة سلفا قبل ولادته فهذا
    يعني أن تتشابه أقوال جميع البشر الذين يتكلمون لغة معينة كالعربية...
    2- واختلاف الحاجات المعنوية كذلك يؤدي إلى ظهور القواعد المركبة ،وهذا ما حصل
    في النحو العربي ،لأن الإنسان لا يتكلم وفق القوانين الصارمة ، والثابت لا يتحكم
    في المطلق ،واللغة لا نهائية ، ولو جهِّز العقل سلفا بالقواعد لما رأينا التطور في
    القاعدة النحوية على مر الزمن .
    3- كما أن الصبي الصغير لا يتكلم اللغة الفصحى وفق القواعد التي جهِّز بها عقله سلفا ،
    بل هو يتعلم من البيئة التي يعيش فيها.
    4- وهذا يؤيده قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-أنا أفصح العرب بيد أني من قريش
    وتربيت في بني سعد فأنَّى لي اللحن" والرسول الكريم لا ينطق عن الهوى .
    5- ويؤيده كذلك طلبه-صلى الله عليه وسلم- من زيد بن ثابت الأنصاري بتعلم لغة اليهود ،
    وهذا يعني أن اللغة ثقافة وليست قواعد معدة سلفا في عقل المتكلم .
    6- ويؤيده قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-للمسلمين"روُّوا أبناءكم الشعر تعذب ألسنتهم ،
    ولو كانت عقولهم مبرمجة بالقواعد مسبقا لما سمعنا هذا الكلام .
    7- كما أن ظهور اللحن ينفي وجود القواعد المسبقة في ذهن المتكلم .
    8- بالإضافة إلى أن الإنسان قد يتكلم أكثرمن لغة ،فهل عقله مزوَّد بقواعد اللغات التي
    يتحدثها جميعا .
    9- بالإضافة إلى تمايز نثر وشعر العرب من حيث الجودة والرداءة ، وهذا نابع من تغير ثقافاتهم واحتياجاتهم وعقولهم وملكاتهم .
    ولهذه الاسباب أقول:إن الإنسان يتثقف لغويا ويتحدث بمستويات متعددة وبلغات متعددة ،
    وهو يقول وهو يفكر ويفكر وهو يقول تحت رعاية الاحتياج المعنوي وعلامات أمن اللبس.
    التعديل الأخير تم بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع; الساعة 10-09-2013, 12:41 PM.
  • أ.د عبد الرحمن بو درع
    نائب رئيس المجمع
    • Mar 2012
    • 806

    #2
    فأما جَوابي عن سؤاله والرّدُّ على جَوابِه فأختصرُه في الكلماتِ التاليةِ:


    تحدَّثَ كثيرٌ من اللّسانيّين المُعاصرينَ عن خُصوصيّة القَواعد وعدَم كلّيّتها، وأغلبُ مَن نَفَوْا وجودَ قواعدَ عامّةٍ ،
    إنّما فعلوا ذلك في سياقِ النّقدِ للنظريّةِ التَوليدية التّحويليّةِ (1) التي يفترضُ فيها شومسكي أنّ اللغاتِ البشريّةَ
    كافةً مستندةٌ في العُمقِ إلى قَواعدَ نفسيّةٍ ذهنيّةٍ عامّةٍ ، ووجَدَ أنه من السّذاجةِ أن نتحدّثَ عن قَواعدَ لغويّةٍ
    نحوية وصوتية وتركيبية مشتركةٍ؛ فليسَ الاشتراك موجوداً بين الظواهر وإنّما هو في المَبادئ، كما سأوضحُ في الأخير.

    فالاختلافُ اللغوي النّحوي والصّرفي والصّوتي بين اللّغاتِ تنوُّعٌ طبيعيّ راجعٌ إلى عَواملَ ثقافيةٍ وتاريخيّةٍ وجغرافيّةٍ
    هي التي تمنَحُ القَواعدَ الذّهنيّةَ الفطريّةَ سماتٍ وتمثيلاتٍ Represetations لغويّةً نحويّةً وصرفيّةً. أمّا التّكوينُ
    البيولوجيّ الأحيائيّ للإنسان فهو واحدٌ وقَواعدُ الإدراك والتمثُّل والتّصوّر واحدةٌ، لولا أنّ عواملَ التّنوعِ والتجربةِ هي
    التي تخصّصُ العامَّ وتمنحُ القواعدَ وجهاً واقعياً من بين عدّةِ وجوه واقعيّةٍ، والفرقُ بين العام والخاصّ أو بين الكلّيّ
    والخصوصيّ عبّر عنه شومسكي بالنحو الكليّ والوسائط أو البارامترات التي تنزّلُ الكليّ على الخصوصيّ للحصول
    على الأنحاء والقَواعد الخاصّة.

    ثم إني أتساءَلُ كيفَ نفكّرُ بسذاجةٍ في خصوصيّةِ القَواعدِ عن طريق أقوال وأمثلةٍ لها سياقٌ مختلفٌ، لكي ننفي
    بسهولةٍ ويُسرٍ قضايا نظريّةً ذاتَ عمقٍ ويَحتاجُ أمرُ نفيها إلى برهنةٍ كبيرةٍ.

    - البرهانُ الأول: خذ مثلاً أيّ طفلٍ من أطفال العالَم -قبل مرحلة التعلم اللغوي- من بيئةٍ معينةٍ نشأ فيها وضعْه في
    بيئة مُختلفةٍ اختلافاً كبيرا ثقافةً وأصواتاً ودلالات... فسَتَرى أنّه سيتعلّم بسرعةٍ فائقةٍ لغةَ البيئةِ الجديدَةِ التي ثَقِفَ
    لسانَها ونشأ فيها. وهذا أمرٌ لا يحتاجُ إلى أدلّةٍ فما من طفلٍ ولد في كَنَف لغةٍ ونُقلّ إلى كنفِ أخرى قبلَ أن يتلقّى
    ويتلقّنَ، إلاّ وسيتعلّمُ اللغةَ الثانيةَ من غير أن يعلمَ شيئاً عن اللغة الثانية؛ لأنّ اللغةَ تُكتَسَبُ ولا تورَثُ.

    - البُرهان الثاني: كلّ مَولودٍ من بَني البَشَر لا يتلقّى اللغةَ التي يسمَعُها وينشأ في كَنَفها إلاّ بناءً على استعدادٍ
    أحيائيّ Biological competence ولا يُتصوّرُ الطفلُ صفحةً بيضاءَ أو حجراً غيرَ منقوشٍ؛ بل الطّفلُ يولدُ وهو مزوّدٌ
    بقواعدَ نفسيّةٍ ذهنيّةٍ أحيائيّةٍ تتناسبُ وتتوافقُ واللغاتِ، وهذا خلافاً للحيوانات، فلا يستطيعُ الببغاء ولا أعلى فصيلَة
    في القرَدَة ولا غيرهما من الحيوانات أن ينطقَ باللغة أو يتعلمَها بالطّريقَةِ المعقّدة التي يتعلّمُها بها الإنسانُ، لأنّ الإنسانَ
    يتعلّمُ لغةً من اللغاتِ التي وُضعَ في بيئتها لأنه يملكُ في داخله وسائلَ تعلّمها وهي تلك القَواعد الفطريّة الكلّيّة العامّة
    المُشتركةُ التي تُمكّنُه من التلاؤم من التجارب الخاصّة، ولا يُتصوَّرُ أن نتساءَلَ بكلّ سذاجةٍ: لِمَ لَم تُعطِنا هذه القَواعدُ
    المشتركةُ لغاتٍ مُشتركةً؟ فهذا سؤال ساذجٌ لأنّ القواعد كلَّما عمَّت وارتفَعَت، ابتعَدَت عن الصبغة المحليةِ واقْتَرَبَت من
    كلّ الخصائص التي تجمعُ بين البشَرِ

    ففي ذلكَ نفيٌ عن الإنسان أن تكونَ قواعدُه موغلةً في الخصوصيّةِ ولُغاتُه مُغرقةً في التنوّع وعدم التّرابُط وعدم
    الاستنادِ إلى قَواعدَ عامّةٍ ، بل القَواعدُ الكليةُ العامَّةُ هي التي توجّه اللغاتِ وتُعيّنُ نوعَ النحو الخاصّ الذي ينبغي أن
    يوضَعَ لكلّ لغةٍ، وهذه القواعدُ العامّةُ تُدْعى بالمَبادئ Principles وتتعرضُ هذه المَبادئُ إلى وسائطَ لتنزيلِ العامّ على
    التّجاربِ اللغويّةِ والثقافيّةِ الخاصّة

    وفي ذلك ردّ على حكايةٍ أن الطفلَ يولَدُ ويكتشفُ فجأةً أن الذي يدفعُه إلى التكلّم هو الحاجةُ المعنويّةُ، وأنّه يفكر
    وهو يتكلم ويتكلم وهو يفكر. فهذا كلامٌ يحتاجُ إلى تأسيس علميّ وإلى براهينَ أدقّ وأعمَق من حكاية الاحتياج
    ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) منهم كلود حجيج وموريس كروس ودعاة اللسانيات النسبيّة:
    انظر في ذلِكَ : اللسانيات النسبية للدكتور محمد الأوراغي
    التعديل الأخير تم بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع; الساعة 10-09-2013, 12:14 PM.

    تعليق

    يعمل...