اللغة العربية والبحث العلمي الجامعي في الوطن العربي
د. بلقاسم اليوبي
من المقولات المشهورة لدى علماء العربية أن "اللغة فكر" وهي "وعاء له"، وأنها "كل لفظ وضع لمعنى"( 1)، وأنها "عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني"(2 )، وهي "لسان القوم الذي يتعارفون ويتواصلون عبره"؛ فهي إذن "كلام مصطلح عليه بين كل قوم"، وهي "طريق الدلالة على ضبط كلمة لها وجوه متعددة في الاستعمال" وأنها "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"(3 ).
وهي عند إمام البلاغيين العرب عبد القاهر الجرجاني (ت:471هـ) "عبارة عن نظام من العلاقات والروابط المعنوية التي تستفاد من المفردات والألفاظ اللغوية بعد أن يسند بعضها إلى بعض، ويعلق بعضها ببعض، في تركيب لغوي قائم على أساس الإسناد"( 4). ونظرية "النظم" عند الجرجاني معروفة عند أهل اللغة، فهي لا تقف عند نظم الألفاظ والحروف والأصوات والتراكيب وإنما تهتم بنظم المعاني، يقول موضحا علاقة اللفظ بالمعنى: "إن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس وجب اللفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في النطق"( 5).
ويعرف عبد الرحمان ابن خلدون اللغة بكونها "عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني، ناشئ عن القصد بإفادة الكلام فلا بد أن تكون ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم"(المقدمة ص.487).
1- وقد وردت تعريفات بالمعنى نفسه عند علماء اللغة المحدثين إذ جعلوها "أداة تواصلية واصفة"، وإذا كان ثمة شيء يمكن أن ينوب عنها تحليلا أو تفسيرا من العلامات غير اللغوية، كالرموز والأرقام، فلابد منها لكي يستدل بها عليها ويهتدى بها إلى معانيها ويوصل بواسطتها إلى الدلالات المقصودة منها. وبذلك غدت -على حد تعبير تمام حسان - "منظمة عرفية للرمز إلى نشاط المجتمع تشتمل على عدد من الأنظمة يتألف كل واحد منها من مجموعة من المعاني تقف إزاءها مجموعة من المباني المعبرة عن هذه المعاني، ثم من طائفة من العلاقات التي تربط فيما بينها". فهي من أرقى المؤسسات الاجتماعية لأن بناء المؤسسات الأخرى يتطلب سبق وجودها فيما هي غير محتاجة بالضرورة في وجودها إلى مؤسسات غيرها كما أن العلوم بمختلفها بحاجة إليها لأنها بها توجد وبتطورها تتطور.
وتؤكد تعريفات المحدثين على البعد الاجتماعي للظاهرة اللغوية ودورها في دينامية الحركة الفكرية التفاعلية داخل المجتمعات البشرية، وعلى قيمتها في التنشئة الثقافية والإنتاج الفكري والعلمي داخل البيئات الاجتماعية. وهي بهذا "تحدث بصمة مميزة للشخص ولتوجهاته الفكرية وانتمائه الثقافي والاجتماعي، يتجلى ذلك في الألفاظ المستخدمة، والأساليب التعبيرية، والصور التخييلية، والمدلولات والأفكار المعبر عنها"( 6).
1- تاريخ اللغة العربية غني بالإنتاج العلمي:
ومن هذه المنطلقات ومن خلال تحديدات القدماء والمحدثين فإن للغة دورا في تشكيل وعي الجماعة وسلوك أفرادها. فهي تصف واقع أهلها وتعكس فكرهم وحضارتهم وتطورهم. وكونها وعاء الفكر فهذا يعني أنها من أشيع الوسائط المعتبرة للأداء الاجتماعي العام. بها يُسجَّلُ إنتاج الأمة، وبها تُدوَّن ثقافَتُها، ومعارفُها وتاريخُها. وباللغة تستطيع الأمة صوْغَ مقوِّمات وخصائص وجودها. و"قوةُ اللغةِ في أمةٍ تعني استمراريةَ هذه الأمة بأخذ دورها بين بقية الأمم لأن غلبةَ اللغةِ بغلبةِ أهلها، ومنزلتَها بين اللغات صورةٌ لمنزلة دولتِها بين الأمم" على حد تعبير ابن خلدون أيضا. وبين اللغة والثقافة والحضارة علاقات ترابطٍ قوية؛ فإذا كانت اللغة أداةَ التعبير الثقافيِّ وسجلَّ الحضارة؛ فإن إنتاجات وتجارب الإنسان الثقافية والحضارية إنَّما تُدوَّن في قوالب تعبيرية ونصوص لغوية حافظة.
وتعتبر اللغة العربية أهمَّ خاصية لأمتنا وآكدَ مُقوِّمٍ لاستمراريتها وأوضحَ دليلٍ على وجودنا، كما يرتبط وجود الأمة العربية بوجود هذه اللغة التي تجمع بين أطراف العالم العربي عموما. والملاحظ أنَّ هذا الوطن العربي بدأ يبتعد عن لغته؛ ومعروف - تاريخيا - أن من يبتعد عن لغته إنما يفقد ذاته، وفقدان الذات معناه فقدان كل مقومات المجتمع ومن ثَمَّ خسارة خصائص الأمة. وتشـتُّـتُ اللغة يعكس تشتُّتَ أهلها، والانفصالُ عنها انفصامٌ للرابط الذي يجمع بين مكونات الأمة، والنتيجة الحتمية هي الاندثار التدريجي للهوية التي تمثلها، والاندحار للحضارة التي سجلت بها. وأسباب الاندحار والاندثار متعاضدة متعاونة بقصد أو من غفلة.
إن الناظرَ إلى واقع اللغة العربية في العهود الحديثة يرى بكل وضوح التضييقَ عليها، ومحاولاتِ التشويشِ على صورتها؛ ويتبينُ الدعوات المغرضةَ للقضاء عليها، ومعاولَ الهدم من أجل استئصالها. وكلها ممارسات تُفَسَّرُ بكونها دعوات وأفعالا تضاف إلى المحاولات الاستعمارية الساعية إلى محو أهم خاصيات الأمة والتخطيط لإضعافها، بل ولِمَ مَحقِ وجودها إن وُجِدَ إلى ذلك سبيلٌ؟؟
وعلى الرغم من برامج التضييق ووسائل التشويش وتنوع معاول الهدم، ما تزال اللغة العربية تحيا عزيزةً محبوبةً مرغوبةً وإن لم يكن ذلك بالدرجة التي كانت عليها في ماضيها ولا بالقدر الذي يجب أن يكون عليه حاضرها. يقول أبو حاتم الرازي رحمه الله (ت 322هـ) واصفا عز اللغة العربية ورغبة الأمم في الإقبال عليها: "لم يحرص الناس على تعلم شيء من اللغات في دهر من الدهور، ولا في وقت من الأوقات؛ كحرصهم على تعلم لغة العرب... ولا رغبوا في شيء من القرون والأزمنة رغبة هذه الأمة في لسان العرب من بين الألسنة، حتى إن جميع الأمم فيها راغبون، وعليها مقبلون، ولها بالفضل مقرون، وبفصاحتها معترفون... وأقبلت الأمم كلها إليها، يتعلمونها؛ رغبة فيها، وحرصا عليها، ومحبة لها".
ومن جهة البحث العلمي والإنتاج والإبداع باللغة العربية فإننا نجد عددا كبيرا من أئمة الإسلام هم أعاجم برزوا في علوم عربية عدة، ومنها علوم العربية ذاتها من أمثال سيبويه الفارسي (ت180 هـ)، وأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت223 هـ)، وابن قتيبة الدينوري (ت276 هـ)، وأبي إبراهيم إسحاق الفارابي (350 هـ)، وأبي علي القالي الأرميني (356 هـ)، وأبي سعيد السيرافي (368 هـ)، وأبي منصور الأزهري الهروي (370 هـ )، وأبي علي الفارسي (ت 377 هـ)، وابن جني الرومي (392 هـ)، وأبي نصر الجوهري الفارابي (ت 393 هـ)، وابن فارس الرازي (ت 395 هـ)، وأبي منصور الثعالبي النيسابوري (ت429هـ)، وابن سيدة الأندلسي (458ه)، وعبد القاهر الجرجاني (ت471هـ)، والراغب الأصفهاني (ت502هـ)، والزمخشري (ت538هـ)، والرضي الإسترابادي (ت686هـ) وأبي حيان الأندلسي (ت745هـ) والخطيب القزويني (ت739 هـ) ومجد الدين الفيروزابادي الشيرازي (817هـ) وغيرهم كثير.
وعن هذا العز اللغوي للأمة العربية يقول أبو الحسن الندوي الهندي رحمه الله في كتابه ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين "خضعت للغتهم اللغات، ولثقافتهم الثقافات، ولحضارتهم الحضارات، فكانت لغتهم هي لغة العلم والتأليف في العالم المتمدن من أقصاه إلى أقصاه، وهي اللغة المقدسة الحبيبة التي يوثرها الناس على لغاتهم التي نشأوا عليها، ويؤلفون فيها أعظم مؤلفاتهم وأحب مؤلفاتهم، ويتقنونها كأبناء أهلها وأحسن، وينبغ فيها أدباء ومؤلفون يخضع لهم المثقفون في العالم العربي، ويقر بفضلهم وإمامتهم أدباءُ العرب ونقادُهم"( 7).
ولم تكن العربية أداة العلوم اللغوية فحسب بل أَنْتَجَ بها علماءٌ كبار في عدد من التخصصات العلمية وأبدعوا بها وخلَّفوا مؤلفات شاهدةً على إنتاجاتهم وإبداعاتهم. وقد سجل كل من الدكتور محمد فارس في "موسوعة علماء العرب والمسلمين"( 8) أبرز هؤلاء العلماء وأرخ لأفكارهم ونظرياتهم في مختلف العلوم الرياضية والطبية والكيميائية والفلكية وصناعية الأدوية. والدكتور عبد السلام السيد في "موسوعة علماء العرب"(9 ) الذي أرخ لأشهر علماء العرب وإنتاجاتهم في الطب والصيدلة والرياضيات والفلك والتاريخ والجغرافيا والفيزياء والكمياء. ولازالت أسماؤهم مخلدة في ذاكرة الأمة بسبب إنتاجاتهم ومجهوداتهم في مختلف العلوم. فَمَنْ مِنَّا لا يذكر ابن سينا البخاري والبيروني والزهراوي الأندلسي وابن النفيس الدمشقي وأبو القاسم الأنطاكي وأبو الخير الإشبيلي الشجار وأبو بكر الرازي والشريف الإدريسي المراكشي والخوارزمي العراقي وابن الهيثم البصري؛ وقد صنفت فيهم المصنفات، وألفت بسببهم الموسوعات وأنجزت عنهم دراسات وأبحاث في الشرق والغرب. ولمعرفة دور اللغة العربية في تاريخ العلوم يمكن الرجوع إلى كتاب قيم بعنوان " اللغة العربية ودورها في التاريخ" المنشور سنة 1969 في جامعة منيسوتا: The Arabic ********, Its Role in History( 10).
2- أثر الاستعمار على تراجع اللغة العربية واندحار البحث العلمي المنتج بالعربية:
لكن بدخول الاستعمار البلاد العربية والإسلامية تغيرت الصورة حيث لم يَكْتَفِ بتقويض المفهوم الجغرافي للأمة وإنما قَصَدَ تقويض أهمِّ مقومٍ من مقوماتها وهو اللغة انطلاقا من فرض لغاته على الدول التي استعمرها.
ومن أهم مجالات التدخل العميق للمستعمر لحصر امتداد اللغة العربية والانتفاع بها، أن عمل على إقصائها من أنظمة التعليم في البلاد المستعمرة.
ولننظر الصورة بكاملها في كل من بلاد الغرب الإسلامي وبلاد الشرق العربي والإسلامي؛ فقد فُرِضَتْ لغاتُ المستعمر في التعليم فرضا شَمَلَ جُلَّ التخصصات، وبخاصة ما يتعلق بعلوم الطبيعة والطب والهندسة والرياضيات والفيزياء والكيمياء والزراعة وصناعة الأدوية. ومن أجل ذلك سارعت السياسات الاستعمارية منذ البدايات إلى سياسة عَصْرَنة النظام التعليمي بإنشاء أنواع من المدارس تُؤْثِرُ لغاتِه على حساب اللغة الرسمية والأصلية لأبناء الشعوب.
ومن طبيعة المدارس والمؤسسات التي أنشأها الاستعمار وكيفية عملها نلحظ التفريق الطبقي في النظام التعليمي عامة، وهو التفريق الذي عمق الهوة بين مكونات العنصر البشري للمجتمعات العربية؛ إذ أصبح في عدد من الدول لكل طبقة أو فئة مدارسها وبرامجها ونظامها التعليمي!؟( 11)
صحيح أنَّ الوضع تغير بعد الاستقلال بدرجات متفاوتة من دولة إلى أخرى لكن تدريس العلوم والبحث العلمي بقي مرتبطا بلغات المستعمر إلى يومنا هذا. تُرِكتْ بعض المواد تدرَّس باللغة العربية مثل التربية الإسلامية، والأخلاقية، وقواعد اللغة العربية، وما يتصل بنصوص الأدب. وهو ما سيخلق لدى المتعلمين العرب إطارا مرجعيا، ينظرون من خلاله إلى كل لغة على حدة: لغة علوم وبحث ومستقبل، ولغة أدب وتربية وأخلاق. لغة تسمح باكتساب المعرفة الإنسانية العلمية، وتسمح بالانفتاح على العالم الخارجي، ولغة أخرى لا تسمح بالتعامل إلا مع الأدب والشعر والحكايات والأساطير. وهي النظرة ذاتها التي لا يزال ينظر بها كثير من الناس مسؤولين وغير مسؤولين لأنهم رُبُّوا عليها. ولم يتغير وضع اللغة العربية كثيرا في أنظمة التحديث المعاصرة رغم مرور ما يناهز السبعين سنة عن رحيل الاستعمار؛ لأن العجمة سبقت إلى ألسنة العرب "وإذا سبقت العجمة إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن اللسان العربي" (المقدمة ص.485).
3- اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي الجامعي:
يمكن أن ننظر إلى اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي الجامعي في الوطن العربي من مستويات عدة:
المستوى الأول: مستوى الدساتير
على مستوى الدساتير المنظمة للبلدان العربية تعتبر اللغة العربية هي اللغة الرسمية. ولكن دستورية اللغة العربية غير محترمة في سائر هذه البلدان. وهنا المفارقة العجيبة بين دساتير البلاد وقوانين العباد إذ يُلْجأُ إلى عملية الغشاوة فيحتج لدى المحتجين بفصول الدستور المُسجِّلة لرسمية اللغة العربية محاباة وتملقا أو خوفا وتشدقا، ويفتح الباب على مصراعيه لممارسة اللغات الأجنبية وجوباً وضرورةً أو انسلاخاً ومسخاً.
والجدير بالذكر أن مسألة الرسمية من جملة ما تعنيه أن تمارس العربية في كل المجالات، وأن يتم التعامل بها في التعليم والإعلام والإدارات والبحث العلمي، وأن تحترم البنود المرتبطة بدستورية اللغة العربية كما تحترم باقي مواد الدستور المنظم للبلاد.
المستوى الثاني: مستوى الإعلام
وهنا أيضا نجد التنصيص على أن اللغة العربية هي لغة الصحافة والإعلام المسموع والمرئي والمكتوب، لكن قُوِّضت هذه القاعدة المهمة بظهور توجهات وتيارات تدعو إلى استعمال العاميات والدوارج في الإنتاج الإعلامي المرئي والمكتوب، فظهرت بعض الصحف والأفلام والبرامج تعتمد الدوارج والعاميات بديلا عن الفصحى. والإشكال الذي يمكن أن نناقشه هنا - من جملة إشكالات عدة- هو مسألة القدرة على القراءة حيث يعتذر من يقدم هذه البرامج بحجة تفشي الأمية؛ لكن الذي لا يقرأ الفصحى لا يقرأ الدارجة، وبناء عليه ما الحاجة إلى لغة صحفية دارجة أو عامية إذا كان الأمر يتعلق فقط بالقدرة على فك رموز الكتابة؟
الحقيقة أن هذه التبريرات تعتبر مشوشات تغطي وتغيب مشوشات أخرى أكثر خطورة تتعلق بمستوى المضمون الفكري والمحتوى المعرفي الذي يقدمه هذا النمط من الصحف والبرامج المرئية والمسموعة التي يحق لنا نعتها بكونها "وسائل تلوث لغوي" الذي يعتبر من أسباب انعدام "الأمن اللغوي". وما من شك أن انعدام الأمن اللغوي له انعكاسات مؤلمة على الأمن الاجتماعي إن عاجلا أو آجلا، وللإعلام مسؤولية كبرى في انتشار التلوث اللغوي وفي التشويش على الأمن اللغوي في بلدان الوطن العربي عامة.
المستوى الثالث: مستوى التعليم والتربية والتكوين
فعلى الرغم من كون الأنظمة التعليمية العربية تحفظ للغة العربية مكانتها في حقل التعليم والتربية والتكوين بكافة فروعه فإننا نلحظ تدنيا مريبا على مستوى استعمال اللغة العربية في المؤسسات التعليمية وبيئات التربية والتكوين عموما. ولا يقتصر أمر الإهمال أو الإقصاء على العمل الإداري والتعامل اليومي داخل هذه المنشآت بل الأخطر من ذلك أنه تسرب إلى داخل صفوف الدراسة وأصبحت فئة من المدرسين غير قليلة تستعمل الدوارج والعاميات في تلقين العلوم والمعارف نسيانا للملكة، و"الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكراره وإذا تُنوسِي الفعلُ تُنُوسِيت الملكة الناشئة عنه"(المقدمة ص.476). وشيء محزن ومضحك في آن أنَّ علوم العربية ذاتَها تلقنُ عند هذه الفئة بالدوارج والعاميات!! وبالموازاة مع هذا ترتفع دعوات المطالبة بالإصلاح! وإصلاح الإصلاح! وكيف يمكن للمفسد إصلاح ما يجهل؟!
وأخطر ظاهرة مغرضة مُلْتَبِسة ومُتَلَبِّسة بدأنا نشاهدها اليوم خروج البعض من أبناء جلدتنا ممن ينتسبون إلى أمتنا ويتكلمون بألسنتنا عن صمته وإشهار خنجره في ظهر الأمة ومحاولة قطع حبل الوريد الرابط بين أطرافها والتَّعالُم على علمائها من خلال المطالبة بتدريج وتعمية التعليم في أطواره الأولى. وأي خطر أكبر على الأمة من هذا إذا لجأت بلدان الوطن العربي إلى تعليم لهجاتها ودوارجها وعامياتها وتركت اللغة العربية جانبا؟ أليس هذا قطع لحبل الوريد؟ أليس هذا اغتيال وجريمة في حق اللغة وحق الأمة وحق الحضارة؟ ألا يتطلب الأمر من العلماء رفع الصوت والجهر بمنع حدوث الجريمة، و"لن يرتفع صوت الباطل إلا إذا سكت أهل الحق".
وتتحدث الدكتورة محيا زيتون عن إشكالية اللغة الأجنبية كوسيط للتدريس وتداعياتها باعتبارها "آلية يتم من خلالها تجزئة أنظمة التعليم العربية وخلق التباينات داخلها...لتتخذ شكل تمييز لصالح فئة من الخريجين تعلموا بغير لغتهم، وضد فئة أخرى تعلمت بلغتها الأم!". وفي إطار التنبيه على تداعيات الاعتماد على الوسيط اللغوي الأجنبي في مجال التعليم تحذر الدكتورة زيتون تكوين جيل لا يحترم ثقافته ويتنكر لهويته معللة ذلك بكوننا "وإذا علمنا أن اللغة الأم في أي مجتمع ليست مجرد أداة للتواصل، ولكنها ترمز إيضا إلى احترام الناس الذين يتحدثون بهذه اللغة، واحترام ثقافتهم وحقهم في الاندماج الكامل في المجتمع، فإن الفشل في جعل اللغة العربية لغة التدريس الأساسية في المدارس ومؤسسات التعليم العالي في بلدان الخليج والبلدان العربية بعامة، قد ينطوي على أن يفقد الشباب العربي هويته واحترامه للغته وثقافته"( 12).
د. بلقاسم اليوبي
من المقولات المشهورة لدى علماء العربية أن "اللغة فكر" وهي "وعاء له"، وأنها "كل لفظ وضع لمعنى"( 1)، وأنها "عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني"(2 )، وهي "لسان القوم الذي يتعارفون ويتواصلون عبره"؛ فهي إذن "كلام مصطلح عليه بين كل قوم"، وهي "طريق الدلالة على ضبط كلمة لها وجوه متعددة في الاستعمال" وأنها "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"(3 ).
وهي عند إمام البلاغيين العرب عبد القاهر الجرجاني (ت:471هـ) "عبارة عن نظام من العلاقات والروابط المعنوية التي تستفاد من المفردات والألفاظ اللغوية بعد أن يسند بعضها إلى بعض، ويعلق بعضها ببعض، في تركيب لغوي قائم على أساس الإسناد"( 4). ونظرية "النظم" عند الجرجاني معروفة عند أهل اللغة، فهي لا تقف عند نظم الألفاظ والحروف والأصوات والتراكيب وإنما تهتم بنظم المعاني، يقول موضحا علاقة اللفظ بالمعنى: "إن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس وجب اللفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في النطق"( 5).
ويعرف عبد الرحمان ابن خلدون اللغة بكونها "عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني، ناشئ عن القصد بإفادة الكلام فلا بد أن تكون ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم"(المقدمة ص.487).
1- وقد وردت تعريفات بالمعنى نفسه عند علماء اللغة المحدثين إذ جعلوها "أداة تواصلية واصفة"، وإذا كان ثمة شيء يمكن أن ينوب عنها تحليلا أو تفسيرا من العلامات غير اللغوية، كالرموز والأرقام، فلابد منها لكي يستدل بها عليها ويهتدى بها إلى معانيها ويوصل بواسطتها إلى الدلالات المقصودة منها. وبذلك غدت -على حد تعبير تمام حسان - "منظمة عرفية للرمز إلى نشاط المجتمع تشتمل على عدد من الأنظمة يتألف كل واحد منها من مجموعة من المعاني تقف إزاءها مجموعة من المباني المعبرة عن هذه المعاني، ثم من طائفة من العلاقات التي تربط فيما بينها". فهي من أرقى المؤسسات الاجتماعية لأن بناء المؤسسات الأخرى يتطلب سبق وجودها فيما هي غير محتاجة بالضرورة في وجودها إلى مؤسسات غيرها كما أن العلوم بمختلفها بحاجة إليها لأنها بها توجد وبتطورها تتطور.
وتؤكد تعريفات المحدثين على البعد الاجتماعي للظاهرة اللغوية ودورها في دينامية الحركة الفكرية التفاعلية داخل المجتمعات البشرية، وعلى قيمتها في التنشئة الثقافية والإنتاج الفكري والعلمي داخل البيئات الاجتماعية. وهي بهذا "تحدث بصمة مميزة للشخص ولتوجهاته الفكرية وانتمائه الثقافي والاجتماعي، يتجلى ذلك في الألفاظ المستخدمة، والأساليب التعبيرية، والصور التخييلية، والمدلولات والأفكار المعبر عنها"( 6).
1- تاريخ اللغة العربية غني بالإنتاج العلمي:
ومن هذه المنطلقات ومن خلال تحديدات القدماء والمحدثين فإن للغة دورا في تشكيل وعي الجماعة وسلوك أفرادها. فهي تصف واقع أهلها وتعكس فكرهم وحضارتهم وتطورهم. وكونها وعاء الفكر فهذا يعني أنها من أشيع الوسائط المعتبرة للأداء الاجتماعي العام. بها يُسجَّلُ إنتاج الأمة، وبها تُدوَّن ثقافَتُها، ومعارفُها وتاريخُها. وباللغة تستطيع الأمة صوْغَ مقوِّمات وخصائص وجودها. و"قوةُ اللغةِ في أمةٍ تعني استمراريةَ هذه الأمة بأخذ دورها بين بقية الأمم لأن غلبةَ اللغةِ بغلبةِ أهلها، ومنزلتَها بين اللغات صورةٌ لمنزلة دولتِها بين الأمم" على حد تعبير ابن خلدون أيضا. وبين اللغة والثقافة والحضارة علاقات ترابطٍ قوية؛ فإذا كانت اللغة أداةَ التعبير الثقافيِّ وسجلَّ الحضارة؛ فإن إنتاجات وتجارب الإنسان الثقافية والحضارية إنَّما تُدوَّن في قوالب تعبيرية ونصوص لغوية حافظة.
وتعتبر اللغة العربية أهمَّ خاصية لأمتنا وآكدَ مُقوِّمٍ لاستمراريتها وأوضحَ دليلٍ على وجودنا، كما يرتبط وجود الأمة العربية بوجود هذه اللغة التي تجمع بين أطراف العالم العربي عموما. والملاحظ أنَّ هذا الوطن العربي بدأ يبتعد عن لغته؛ ومعروف - تاريخيا - أن من يبتعد عن لغته إنما يفقد ذاته، وفقدان الذات معناه فقدان كل مقومات المجتمع ومن ثَمَّ خسارة خصائص الأمة. وتشـتُّـتُ اللغة يعكس تشتُّتَ أهلها، والانفصالُ عنها انفصامٌ للرابط الذي يجمع بين مكونات الأمة، والنتيجة الحتمية هي الاندثار التدريجي للهوية التي تمثلها، والاندحار للحضارة التي سجلت بها. وأسباب الاندحار والاندثار متعاضدة متعاونة بقصد أو من غفلة.
إن الناظرَ إلى واقع اللغة العربية في العهود الحديثة يرى بكل وضوح التضييقَ عليها، ومحاولاتِ التشويشِ على صورتها؛ ويتبينُ الدعوات المغرضةَ للقضاء عليها، ومعاولَ الهدم من أجل استئصالها. وكلها ممارسات تُفَسَّرُ بكونها دعوات وأفعالا تضاف إلى المحاولات الاستعمارية الساعية إلى محو أهم خاصيات الأمة والتخطيط لإضعافها، بل ولِمَ مَحقِ وجودها إن وُجِدَ إلى ذلك سبيلٌ؟؟
وعلى الرغم من برامج التضييق ووسائل التشويش وتنوع معاول الهدم، ما تزال اللغة العربية تحيا عزيزةً محبوبةً مرغوبةً وإن لم يكن ذلك بالدرجة التي كانت عليها في ماضيها ولا بالقدر الذي يجب أن يكون عليه حاضرها. يقول أبو حاتم الرازي رحمه الله (ت 322هـ) واصفا عز اللغة العربية ورغبة الأمم في الإقبال عليها: "لم يحرص الناس على تعلم شيء من اللغات في دهر من الدهور، ولا في وقت من الأوقات؛ كحرصهم على تعلم لغة العرب... ولا رغبوا في شيء من القرون والأزمنة رغبة هذه الأمة في لسان العرب من بين الألسنة، حتى إن جميع الأمم فيها راغبون، وعليها مقبلون، ولها بالفضل مقرون، وبفصاحتها معترفون... وأقبلت الأمم كلها إليها، يتعلمونها؛ رغبة فيها، وحرصا عليها، ومحبة لها".
ومن جهة البحث العلمي والإنتاج والإبداع باللغة العربية فإننا نجد عددا كبيرا من أئمة الإسلام هم أعاجم برزوا في علوم عربية عدة، ومنها علوم العربية ذاتها من أمثال سيبويه الفارسي (ت180 هـ)، وأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت223 هـ)، وابن قتيبة الدينوري (ت276 هـ)، وأبي إبراهيم إسحاق الفارابي (350 هـ)، وأبي علي القالي الأرميني (356 هـ)، وأبي سعيد السيرافي (368 هـ)، وأبي منصور الأزهري الهروي (370 هـ )، وأبي علي الفارسي (ت 377 هـ)، وابن جني الرومي (392 هـ)، وأبي نصر الجوهري الفارابي (ت 393 هـ)، وابن فارس الرازي (ت 395 هـ)، وأبي منصور الثعالبي النيسابوري (ت429هـ)، وابن سيدة الأندلسي (458ه)، وعبد القاهر الجرجاني (ت471هـ)، والراغب الأصفهاني (ت502هـ)، والزمخشري (ت538هـ)، والرضي الإسترابادي (ت686هـ) وأبي حيان الأندلسي (ت745هـ) والخطيب القزويني (ت739 هـ) ومجد الدين الفيروزابادي الشيرازي (817هـ) وغيرهم كثير.
وعن هذا العز اللغوي للأمة العربية يقول أبو الحسن الندوي الهندي رحمه الله في كتابه ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين "خضعت للغتهم اللغات، ولثقافتهم الثقافات، ولحضارتهم الحضارات، فكانت لغتهم هي لغة العلم والتأليف في العالم المتمدن من أقصاه إلى أقصاه، وهي اللغة المقدسة الحبيبة التي يوثرها الناس على لغاتهم التي نشأوا عليها، ويؤلفون فيها أعظم مؤلفاتهم وأحب مؤلفاتهم، ويتقنونها كأبناء أهلها وأحسن، وينبغ فيها أدباء ومؤلفون يخضع لهم المثقفون في العالم العربي، ويقر بفضلهم وإمامتهم أدباءُ العرب ونقادُهم"( 7).
ولم تكن العربية أداة العلوم اللغوية فحسب بل أَنْتَجَ بها علماءٌ كبار في عدد من التخصصات العلمية وأبدعوا بها وخلَّفوا مؤلفات شاهدةً على إنتاجاتهم وإبداعاتهم. وقد سجل كل من الدكتور محمد فارس في "موسوعة علماء العرب والمسلمين"( 8) أبرز هؤلاء العلماء وأرخ لأفكارهم ونظرياتهم في مختلف العلوم الرياضية والطبية والكيميائية والفلكية وصناعية الأدوية. والدكتور عبد السلام السيد في "موسوعة علماء العرب"(9 ) الذي أرخ لأشهر علماء العرب وإنتاجاتهم في الطب والصيدلة والرياضيات والفلك والتاريخ والجغرافيا والفيزياء والكمياء. ولازالت أسماؤهم مخلدة في ذاكرة الأمة بسبب إنتاجاتهم ومجهوداتهم في مختلف العلوم. فَمَنْ مِنَّا لا يذكر ابن سينا البخاري والبيروني والزهراوي الأندلسي وابن النفيس الدمشقي وأبو القاسم الأنطاكي وأبو الخير الإشبيلي الشجار وأبو بكر الرازي والشريف الإدريسي المراكشي والخوارزمي العراقي وابن الهيثم البصري؛ وقد صنفت فيهم المصنفات، وألفت بسببهم الموسوعات وأنجزت عنهم دراسات وأبحاث في الشرق والغرب. ولمعرفة دور اللغة العربية في تاريخ العلوم يمكن الرجوع إلى كتاب قيم بعنوان " اللغة العربية ودورها في التاريخ" المنشور سنة 1969 في جامعة منيسوتا: The Arabic ********, Its Role in History( 10).
2- أثر الاستعمار على تراجع اللغة العربية واندحار البحث العلمي المنتج بالعربية:
لكن بدخول الاستعمار البلاد العربية والإسلامية تغيرت الصورة حيث لم يَكْتَفِ بتقويض المفهوم الجغرافي للأمة وإنما قَصَدَ تقويض أهمِّ مقومٍ من مقوماتها وهو اللغة انطلاقا من فرض لغاته على الدول التي استعمرها.
ومن أهم مجالات التدخل العميق للمستعمر لحصر امتداد اللغة العربية والانتفاع بها، أن عمل على إقصائها من أنظمة التعليم في البلاد المستعمرة.
ولننظر الصورة بكاملها في كل من بلاد الغرب الإسلامي وبلاد الشرق العربي والإسلامي؛ فقد فُرِضَتْ لغاتُ المستعمر في التعليم فرضا شَمَلَ جُلَّ التخصصات، وبخاصة ما يتعلق بعلوم الطبيعة والطب والهندسة والرياضيات والفيزياء والكيمياء والزراعة وصناعة الأدوية. ومن أجل ذلك سارعت السياسات الاستعمارية منذ البدايات إلى سياسة عَصْرَنة النظام التعليمي بإنشاء أنواع من المدارس تُؤْثِرُ لغاتِه على حساب اللغة الرسمية والأصلية لأبناء الشعوب.
ومن طبيعة المدارس والمؤسسات التي أنشأها الاستعمار وكيفية عملها نلحظ التفريق الطبقي في النظام التعليمي عامة، وهو التفريق الذي عمق الهوة بين مكونات العنصر البشري للمجتمعات العربية؛ إذ أصبح في عدد من الدول لكل طبقة أو فئة مدارسها وبرامجها ونظامها التعليمي!؟( 11)
صحيح أنَّ الوضع تغير بعد الاستقلال بدرجات متفاوتة من دولة إلى أخرى لكن تدريس العلوم والبحث العلمي بقي مرتبطا بلغات المستعمر إلى يومنا هذا. تُرِكتْ بعض المواد تدرَّس باللغة العربية مثل التربية الإسلامية، والأخلاقية، وقواعد اللغة العربية، وما يتصل بنصوص الأدب. وهو ما سيخلق لدى المتعلمين العرب إطارا مرجعيا، ينظرون من خلاله إلى كل لغة على حدة: لغة علوم وبحث ومستقبل، ولغة أدب وتربية وأخلاق. لغة تسمح باكتساب المعرفة الإنسانية العلمية، وتسمح بالانفتاح على العالم الخارجي، ولغة أخرى لا تسمح بالتعامل إلا مع الأدب والشعر والحكايات والأساطير. وهي النظرة ذاتها التي لا يزال ينظر بها كثير من الناس مسؤولين وغير مسؤولين لأنهم رُبُّوا عليها. ولم يتغير وضع اللغة العربية كثيرا في أنظمة التحديث المعاصرة رغم مرور ما يناهز السبعين سنة عن رحيل الاستعمار؛ لأن العجمة سبقت إلى ألسنة العرب "وإذا سبقت العجمة إلى اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن اللسان العربي" (المقدمة ص.485).
3- اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي الجامعي:
يمكن أن ننظر إلى اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي الجامعي في الوطن العربي من مستويات عدة:
المستوى الأول: مستوى الدساتير
على مستوى الدساتير المنظمة للبلدان العربية تعتبر اللغة العربية هي اللغة الرسمية. ولكن دستورية اللغة العربية غير محترمة في سائر هذه البلدان. وهنا المفارقة العجيبة بين دساتير البلاد وقوانين العباد إذ يُلْجأُ إلى عملية الغشاوة فيحتج لدى المحتجين بفصول الدستور المُسجِّلة لرسمية اللغة العربية محاباة وتملقا أو خوفا وتشدقا، ويفتح الباب على مصراعيه لممارسة اللغات الأجنبية وجوباً وضرورةً أو انسلاخاً ومسخاً.
والجدير بالذكر أن مسألة الرسمية من جملة ما تعنيه أن تمارس العربية في كل المجالات، وأن يتم التعامل بها في التعليم والإعلام والإدارات والبحث العلمي، وأن تحترم البنود المرتبطة بدستورية اللغة العربية كما تحترم باقي مواد الدستور المنظم للبلاد.
المستوى الثاني: مستوى الإعلام
وهنا أيضا نجد التنصيص على أن اللغة العربية هي لغة الصحافة والإعلام المسموع والمرئي والمكتوب، لكن قُوِّضت هذه القاعدة المهمة بظهور توجهات وتيارات تدعو إلى استعمال العاميات والدوارج في الإنتاج الإعلامي المرئي والمكتوب، فظهرت بعض الصحف والأفلام والبرامج تعتمد الدوارج والعاميات بديلا عن الفصحى. والإشكال الذي يمكن أن نناقشه هنا - من جملة إشكالات عدة- هو مسألة القدرة على القراءة حيث يعتذر من يقدم هذه البرامج بحجة تفشي الأمية؛ لكن الذي لا يقرأ الفصحى لا يقرأ الدارجة، وبناء عليه ما الحاجة إلى لغة صحفية دارجة أو عامية إذا كان الأمر يتعلق فقط بالقدرة على فك رموز الكتابة؟
الحقيقة أن هذه التبريرات تعتبر مشوشات تغطي وتغيب مشوشات أخرى أكثر خطورة تتعلق بمستوى المضمون الفكري والمحتوى المعرفي الذي يقدمه هذا النمط من الصحف والبرامج المرئية والمسموعة التي يحق لنا نعتها بكونها "وسائل تلوث لغوي" الذي يعتبر من أسباب انعدام "الأمن اللغوي". وما من شك أن انعدام الأمن اللغوي له انعكاسات مؤلمة على الأمن الاجتماعي إن عاجلا أو آجلا، وللإعلام مسؤولية كبرى في انتشار التلوث اللغوي وفي التشويش على الأمن اللغوي في بلدان الوطن العربي عامة.
المستوى الثالث: مستوى التعليم والتربية والتكوين
فعلى الرغم من كون الأنظمة التعليمية العربية تحفظ للغة العربية مكانتها في حقل التعليم والتربية والتكوين بكافة فروعه فإننا نلحظ تدنيا مريبا على مستوى استعمال اللغة العربية في المؤسسات التعليمية وبيئات التربية والتكوين عموما. ولا يقتصر أمر الإهمال أو الإقصاء على العمل الإداري والتعامل اليومي داخل هذه المنشآت بل الأخطر من ذلك أنه تسرب إلى داخل صفوف الدراسة وأصبحت فئة من المدرسين غير قليلة تستعمل الدوارج والعاميات في تلقين العلوم والمعارف نسيانا للملكة، و"الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكراره وإذا تُنوسِي الفعلُ تُنُوسِيت الملكة الناشئة عنه"(المقدمة ص.476). وشيء محزن ومضحك في آن أنَّ علوم العربية ذاتَها تلقنُ عند هذه الفئة بالدوارج والعاميات!! وبالموازاة مع هذا ترتفع دعوات المطالبة بالإصلاح! وإصلاح الإصلاح! وكيف يمكن للمفسد إصلاح ما يجهل؟!
وأخطر ظاهرة مغرضة مُلْتَبِسة ومُتَلَبِّسة بدأنا نشاهدها اليوم خروج البعض من أبناء جلدتنا ممن ينتسبون إلى أمتنا ويتكلمون بألسنتنا عن صمته وإشهار خنجره في ظهر الأمة ومحاولة قطع حبل الوريد الرابط بين أطرافها والتَّعالُم على علمائها من خلال المطالبة بتدريج وتعمية التعليم في أطواره الأولى. وأي خطر أكبر على الأمة من هذا إذا لجأت بلدان الوطن العربي إلى تعليم لهجاتها ودوارجها وعامياتها وتركت اللغة العربية جانبا؟ أليس هذا قطع لحبل الوريد؟ أليس هذا اغتيال وجريمة في حق اللغة وحق الأمة وحق الحضارة؟ ألا يتطلب الأمر من العلماء رفع الصوت والجهر بمنع حدوث الجريمة، و"لن يرتفع صوت الباطل إلا إذا سكت أهل الحق".
وتتحدث الدكتورة محيا زيتون عن إشكالية اللغة الأجنبية كوسيط للتدريس وتداعياتها باعتبارها "آلية يتم من خلالها تجزئة أنظمة التعليم العربية وخلق التباينات داخلها...لتتخذ شكل تمييز لصالح فئة من الخريجين تعلموا بغير لغتهم، وضد فئة أخرى تعلمت بلغتها الأم!". وفي إطار التنبيه على تداعيات الاعتماد على الوسيط اللغوي الأجنبي في مجال التعليم تحذر الدكتورة زيتون تكوين جيل لا يحترم ثقافته ويتنكر لهويته معللة ذلك بكوننا "وإذا علمنا أن اللغة الأم في أي مجتمع ليست مجرد أداة للتواصل، ولكنها ترمز إيضا إلى احترام الناس الذين يتحدثون بهذه اللغة، واحترام ثقافتهم وحقهم في الاندماج الكامل في المجتمع، فإن الفشل في جعل اللغة العربية لغة التدريس الأساسية في المدارس ومؤسسات التعليم العالي في بلدان الخليج والبلدان العربية بعامة، قد ينطوي على أن يفقد الشباب العربي هويته واحترامه للغته وثقافته"( 12).

تعليق