شيء من اللغة: على هذا الطريق نسير
د. هادي حسن حمّودي
د. هادي حسن حمّودي
(1)
الباحث العلمي الجدير بصفته، هو الباحث الذي يستطيع إجراء أبحاث معمقة، ويفكر تفكيرا نقديّا، ويتمتع - إصافة إلى ذلك - بالأمانة والنزاهة والاستقامة.
#قرآن_لغة_تطور_فصيح
(2)
اللغة العربية ليست آلة صُنِعَتْ وانتهى أمرُها. والثقافة اللغوية ليست قيودا تضاف إلى قيود، وأغلالا تُصَبّ على أغلال، ولا فوضى أصوات تائهة في الفضاء يعبث بها العابثون.
اللغة حياة، واللغة العربية حياة اختصرت الزمان وتجارب الإنسان. لذا فهي عميقة الأغوار شاسعة الأبعاد، لها طواعية التلاؤم مع شتى الظروف ومستويات الحياة، وتطورات الحضارة. ولكن تلك الطواعية لا تبرز للعيان إلا بجهد الإنسان المنتمي إليها، الحريص على تنميتها وتطويرها انطلاقا منها، لتمثل حاضره ومستقبله، كما مثلت ماضيه وتاريخه. ويزداد هذا الانتماء عمقا وأثرا إن درس الباحث اللغة بحَيْدَة وتجرّد، ثم وقع في سحر اللغة ذاتها، كما كان حال كثير من العلماء والشعراء القدماء الذين نبذوا ما ورثوه من لغات، وانتموا إلى العربية، ودرسوها، وتمعنوا في ألفاظها وتراكيبها، مرتكزين على ما تركه لهم السابقون، ومضيفين إليه عمق تفكيرهم وما ارتأوه من مناهج.
ومن المعلوم أن أبرز أسباب وقوع القدماء في دائرة سحر اللغة العربية، توظيف القرآن الكريم لها، ذلك التوظيف البالغ جماله ما بعد قمّة الروعة والإعجاز، مما نقلها إلى أُفق لا يُدانى ولا يُضاهى. وتهاوى الفصحاء في فصاحتهم أمام سحر ذلك التوظيف.
وليس هذا كلاما إنشائيا عاطفيا، بل هو حقيقة مشهودة، حتى أن أبرز علماء اللغة القدماء تيقنوا أنهم أعجز من أن يحيطوا بها، فقال قائلهم في كتاب (الصاحبي): إن اللغة العربية لا يُحيط بها إلا نبي.
ومنذ أربعة عشر قرنا، وللآن لم يستطع علماء اللغة أن يقدموا فهما تاما ودقيقا لها، بلهَ أن يكون فهما كاملا، على الرغم من أنهم وزعوا بحوثهم على ميادين متشعبة من الأبواب التي وردت في تراث الخليل بن أحمد، عسى أن يكون ذلك التوزريع مسعفا لهم لتفهّمٍ أكثر عُمقا لها. فكان أن انقسمت الدراسات اللغوية، إلى: تنظيم المعجم، وفقه اللغة، والنحو، والصرف، والبلاغة، والأسلوبية، والأصوات اللغوية، ولغة الشعر، وغير ذلك من ميادين.
فلغةٌ بهذا السحر، بهذا العمق، بهذه السعة، بهذا التاريخ، لا يمكن الحديث عنها في أيامنا هذه، بعد الانهيار الذي أصيبت به على يد أبنائها، إلا إذا كان الحديث سيأخذنا إلى تحديد المرتجَى والمؤمَّل. المرتجَى لها والمؤمَّل منها.
ومن أجل تبيّن المرتجَى لها والمؤّمل منها يجب أن نستبين هذه المدارج الأربعة التي دلتنا عليها طبيعة التطور اللغوي للعربية عبر التاريخ. وهي:
أ- الأفصح، لفظا وتركيبا، وهو ما ورد في التنزيل العزيز، خاصة، وما وافقه وتفيأ ظلاله من المرويّ مما عُرف بعصور الاستشهاد اللغوي.
ب- الفصيح، لفظا وتركيبا، مما ورد من عصور الاستشهاد اللغوي وما جرى استعماله إلى أيامنا هذه، لكنه لا يرقى إلى الأفصح، في تفاعل لفظه المفرد وتركيبه.
ج- الصحيح، لفظا وتركيبا: هو ما ظهر من عصور الاستشهاد اللغوي وإلى أيامنا هذه ولكنه لا يرقى إلى المستويين السابقين.
د- الخطأ، لفظا وتركيبا: مما لم نجد له مساغا ولا مسارا يوصله إلى مستوى من المستويات السابقة.
أما ملامح هذه المدارج في الكتاب الموسع، الذي نأمل استكماله بعد أسابيع.
علما أن هذه المدارج لا تخضع للزمن، فما كل قديم هو الأفصح أو الفصيح أو الصحيح وما كل حديث هو الخطأ.
المصدر
