من مشكلات الترجمة إلى اللغة العربية
د. محمد عصفور
د. محمد عصفور
يبدأ الحديث عن الترجمة أحياناً بتكرار العبارة الإيطالية المشهورة القائلة “traduttore, traditore”، أي إن المترجم خائن، وأحياناً بالجدل الذي لا ينتهي حول كون الترجمة فنّاً أو علماً. والسبب دائماً هو أن ثمة فرقاً تتباين درجته من مترجم إلى آخر بين النصّ الأصلي والنصّ المترجم. فمن الواضح أن النصّ الأصلي كثيراً ما يفقد شيئاً من خصائصه في اللغة الأخرى إن لم يكن نصّاً إخبارياً خالصاً أي informative باللغة الإنكليزية.
ولنبدأ بعبارة "النصّ الإخباري" هذه لنرى ما وراءها. يهدف النصّ الإخباري عادة إلى نقل معلومات موضوعية لا تخضع للآراء والأهواء مثل:
- سافر المهندس أحمد إلى فرنسا للعلاج.
- يبدأ الماء بالغليان عند درجة 100 مئوية أو مائتين واثنتي عشرة 212 فهرنهايت.
- عقد مجلس الأمن جلسته الثانية لبحث النزاع الحدودي بين جمهورية س ومملكة ص.
هذه الجمل لا تشكِّل صعوبات للمترجم في العادة لأن اللغات لا تعجز عن نقل المعلومات، ولو أن المترجم يضطرُّ أحياناً إلى ابتكار كلمات جديدة من داخل لغته، أو إلى استعارة كلمات من اللغة الأجنبية، أو إلى تكييف كلمات موجودة فيها للتعبير عن الأفكار الجديدة. فالجملة الخاصة بدرجة غليان الماء تشير إلى هذه الدرجة بنظامين: المئوي والفَهرنهايتي. كلمة "الفَهرنهايتي" مستوردة طبعاً لأنها لا بديل لها في اللغة العربية، واستيراد المصطلحات أمرٌ شائع في اللغات كلها. أما كلمة "المئوي" فهي كلمة عربية تماماً من حيث الاشتقاق ولو أنها كانت نادرة الاستعمال في اللغة العربية السابقة لعصرنا هذا. ولكن هذه الكلمة في واقع الأمر ترجمة حرفية موفَّقة لكلمة أجنبية هي centigrade المكوّنة من جزأين هما: cent أي مائة، و grade أي درجة. وأنا أذكر هذه المعلومة المعروفة للقول إن كلمة "مئوى" مثال على تكييف كلمة في اللغة لاستيعاب معنى جديدٍ نسبيّاً يَنسِب درجات الحرارة إلى نظام معيّن لتمييزه عن نظام آخر. وقد يكون من المفيد في هذا السياق أن أذكر أن الإشارة إلى درجات الحرارة وفق هذا النظام المئوى ما عاد يطلق عليه نظام الـ centigrade باللغة الإنكليزية بل نظام Celsius إشارة إلى اسم مبتكره العالم السويدي أندَرْس سِلْسْيُس (1701-1744). غير أن اللغة العربية حافظت لحدّ الآن على كلمة "مئوي" ولم تستورد كلمة "سِلْسْيُس" بعد لغرابتها وعدم الحاجة إليها . ومن أمثلة التعديل الذي يجري في اللغة القومية بتأثير اللغات الأخرى ما جرى لكلمة "القرن" التي استقرّ معناها في الوقت الحاضر في سياق الوحدات الزمنية على مائة عام لأن القرن في اللغات الأوروبية مشتقٌّ من كلمة لاتينية هي كِنْتُم centum أي مائة، بينما كانت كلمة "القرن" العربية تعني وفق ما يذكره لسان العرب "عشر سنين، وقيل: عشرون سنة، وقيل: ثلاثون، وقيل: ستّون، وقيل: سبعون، وقيل ثمانون وهو مقدار التوسُّط في أعمار أهل الزمان" حسبما يدَّعي اللسان. والقصد من هذين المثالين أن أبيِّن أن النصوص الإخبارية قابلة للنقل دون خسارة إذا ما عرف المترجم المصطلحات الصحيحة بلغته، وأن العُرف يسمح له باستيراد الكلمات التي لا وجود لها بلغته دون تعديل، أو بتعديل طفيف يقتضيه النظام الصوتي والبنيوي بلغته القومية. ولنأخذ كلمة "بلغم" على سبيل المثال. هذه الكلمة تعرَّبت إلى درجة يصعب معها أن يخطر في ذهن العربي العادي أنها كلمة مستعارة من كلمة يونانية أصلها phlegein بمعنى "يحترق" أو "يشتعل"، وهي كلمة تحوَّلت إلى كلمة phlegm وتحوّلت في العربية إلى كلمة "بلغم" التي يعرّفها القاموس بأنها خِلْطٌ من أخْلاطِ البَدَنِ، وهو تعريف يُدْخِلُ مصطلحاً آخر هو "الخِلْط"، المقابل العربي لكلمة humor التي أعطتنا كلمة "مزاج" التي ترد في التعريف الآتي لعبارة "مزاج بَلْغَمي": "أحدُ الأمزجةِ الأربعةِ في الطِّبّ القديم يتغلَّب فيه البلغمُ على غيره في البدن وهو خلاف المزاج الدمويّ ، يتّسم صاحبه بضعف النَّبض وصفرة الوجه" (معجم المعاني). ولمن شاء استقصاء تحوّلات كلمة humor من أصلها اليوناني إلى صيغتها الحالية في اللغة الإنكليزية أن يراجع الاستعراض التاريخي لها في هذا الموقع: https://www.thefreedictionary.com/humor
هذا العرض السريع لأصل كلمة "بلغم" يشير إلى أن المترجمين القدماء للطبِّ اليوناني مارسوا ترجمة المصطلحات بشقّيها: الاستيراد واستعمال مصادر اللغة القومية. فقد استوردوا كلمة "بلغم" مع تعديلات تناسب أصوات اللغة العربية، ولكنهم كيّفوا فعلي الخلط والمزج ليدلَّا على فحوى النظرية القديمة القائلة إن الصحَّةَ نِتاج النسب الصحيحة من السوائل الموجودة في الجسم، وأن الاعتلالَ نتاجُ خَلَلٍ في هذه النسب، ولذلك كانوا يوصون بفصد الدم إذا زادت نسبته عن النسبة الصحيحة، وبالكيّ لإخراج القيح، وبالمسهِّلات لإخراج السوائل الزائدة عن الحاجة من البطن والأمعاء.
نأتي الآن إلى النصوص غير الإخبارية، وهذه تشمل من بين ما تشمله المعتقداتِ الدينيَّةَ، والمواقفَ السياسية، والعاداتَ الاجتماعيةَ، والآراءَ الفلسفيةَ، والنصوصَ الأدبيةَ، والموروثاتِ الثقافية – وباختصار: تشمل كلَّ ما يهمّ البشر خارج العلوم الطبيعية والوقائع اليومية. وهذه السلسلة من الحقول المعرفية هي المجالات التي تقع فيها خيانات المترجمين إن شئنا العودة إلى العبارة الإيطالية الشهيرة، أو تقع فيها أخطاؤهم إن شئنا التخفيف من تهمة الخيانة.
لا يسمح المجال للتمثيل على مشكلات الترجمة في هذه الحقول جميعاً، ولذلك فإنني سأكتفي بعدد محدود من الأمثلة أبدأها بترجمةٍ للسونيتة الثامنةَ عشرةَ من سونيتات ﺷﻴﮑﺴﭙﻴﺮ لأن ثلاثَ ترجمات لها نُشرت مؤخَّراً في العدد الأوَّل من مجلة البيان العربي التي نرجو لها الدوام، إحداها لي، والثانية للدكتورة فطينة النائب، والثالثة للزميل الدكتور جعفر عبابنة.
ميَّز رئيسُ هيئة التحرير معالي الأستاذ الدكتور عيد الدحيّات في تقديمه للترجمات الثلاث بين طريقتين في الترجمة: "الترجمة الحرفية التي تُعنى بنقل معاني المفردات حسبُ. أما الطريقة الثانية فهي نقلُ المعاني والأساليبِ وروحِ النصوص المرادِ ترجمتُها". وأحسب أن الترجمة الحرفية تنطبق على النصوص العلمية أو ما دعوتُه بالنصوص الإخبارية. أما الترجمة التي تُعنى بروح النصوص فنراها أكثر ما نراها في الترجمة الشعرية التي تسعى لأن تكون - بعبارة الدكتور الدحيات - "ترجمةً لأسلوب الشاعر أو الكاتب، وروحيتِه وطلاوتِه، وموسيقاه، وما تختزن عباراتُه من ظلال المعاني المستترة ولطائفِ اللغة وجماليّاتِها."
ثمَّةَ في حالتنا الراهنة قصيدةٌ لشاعر مشهور أَعجَبتْ عدداً من الشعراء والمترجمين في العالم العربي أعرف منهم ستة أو سبعة على الأقلّ. فجاؤوا بترجماتٍ مختلفةٍ بقيت القصيدة مركزَها المرجعيَّ، واختلفت في شيئين مهمّين هما محتوى القصيدة الذي أراد ﺷﻴﮑﺴﭙﻴﺮ قوله، والتعبير عن هذا المحتوى باللغة العربية دون الإخلال بذلك المحتوى. أما المحتوى فهو أمرٌ قد لا يعرفه غيرُ المتخصّصين في الأدب الإنكليزي ممن درسوا ﺷﻴﮑﺴﭙﻴﺮ وعرفوا الخلفية الكامنة وراء عدد كبير من السونيتات المائة والأربع والخمسين التي نُشرت في سنة 1609، وكان بعضها متداولاً منذ سنة 1598 مكتوباً بخطّ اليد. أقول باختصار إن عدداً كبيراً من السونيتات كُتب بناء على طلب أهل اللورد ساوثهامبتن من ﺷﻴﮑﺴﭙﻴﺮ أن يقنع صديقه اللورد الشاب بأن يتزوّج حفاظاً على السُّلالة ولقب النَّبالة. فما كان من ﺷﻴﮑﺴﭙﻴﺮ إلا أن شرع في الكتابة لتحقيق هذا الهدف، ولعلَّ أصرح سونيتة من السلسلة في هذا السياق السونيتةُ الأولى حيث يقول:
From fairest creatures we desire increase
That thereby beauty’s rose might never die…
أي نريد المزيد من أجمل المخلوقات لكي لا تموت زهرة الجمال، بمعنى أن على اللورد أن يتزوّج ليخلِّف ذُرّية تضمن بقاء الجمال الذي يتمثَّل فيه. أما الدكتورة فطينة النائب والدكتور جعفر عبابنة فقد افترضا أن المخاطَب في السونيتة الثامنةَ عشرةَ أنثى، فعنونت الدكتورة فطينة قصيدتها بعبارة "إلى حبيبته"، ولم يضع الدكتور عبابنه عنواناً لترجمته النثرية بل جعل خطاب الأنثى جزءاً من أسلوب الخطاب في النصّ نفسه. ولربما كان السببُ المباشر في هذا الخطأ أن اللغة الإنكليزية لا تفرّق في أسلوب الخطاب (أو أفعال الأمر) بين الذكر والأنثى، وأن لغة السونيتة – في غياب الدلائل الخارجية - يمكن أن تُقرأ كما لو أنها قصيدةٌ غزلية.
هل نعدُّ ما فعلته الدكتورة فطينة والدكتور جعفر خيانةً للنصّ؟ يعتمد الجواب على ما أراد كلٌّ منهما أن يحقّقه. إن كان هدف الدكتورة فطينة أن تثبت قدرتها على نظم الشعر بالاستفادة من أفكارٍ وصورٍ وردت في سونيتة ﺷﻴﮑﺴﭙﻴﺮ فقد نجحت في كتابة قصيدة باللغة العربية تشبه قصيدة ﺷﻴﮑﺴﭙﻴﺮ مع أننا قد لا نعدُّها من عيون الشعر العربي. ونحن في العادة نقرأ قصيدة كهذه دون مقارنة الترجمة مع النصّ الأصلي لأن ذلك سيفسد الشعر ويظهر العيوب. وعندما قرأتُ أنا قصيدة الدكتورة فطينة لأغراض هذه المحاضرة فإنني وجدت الكثير من عيوب الترجمة التي سأعفيكم من ذكرها لضيق الوقت.
أما الدكتور جعفر فقد ترجم القصيدة نثراً، قاصداً فيما يبدو أن تكون الترجمة أمينة إلى أبعد الحدود. أما الخطأ في تحويل الخطاب من المذكَّر إلى المؤنَّث فلن يهمَّ من القرّاء إلا أولئك المتخصّصين الذي يفسدون كلّ شيء بالتنقيب عن دقائق تظلُّ أهميتها موضع خلاف. لكن يبقى السؤال قائما: هل يُنصح بتحويل الشعر إلى نثر في قصائد قصيرة مثل سونيتات ﺷﻴﮑﺴﭙﻴﺮ؟ ماذا يبقى من القصيدة الغنائية عندما تُنثر بكلمات لغة أخرى؟ أنا شخصيّاً ترجمتُ عددا لا بأس به من القصائد شعراً منها ثلاث سونيتات ﻟﺸﻴﮑﺴﭙﻴﺮ. ومع أن المادّة الأساسية لهذه القصائد الثلاث هي قصائد ﺷﻴﮑﺴﭙﻴﺮ فإنني أرغب في أن تُقرأ ترجماتي على أنها قصائد لمحمد عصفور. وسأترك موضوع درجة الخيانة التي ارتكبتُها في ترجمتي الشعرية للسونيتة الثامنة عشرة لمن يهمُّه الأمر.
المثال الثاني الذي أريد أن أذكره مستمدٌّ من كتاب عن تاريخ البحر الأبيض المتوسِّط عنوانه باللغة الإنكليزية
The Great Sea: A Human History of the Mediterranean
By David Abulafia
وباللغة العربية: البحر الكبير: في التاريخ البشري للمتوسِّط، تأليف داوود أبو العافية، ترجمة معز مديوني.
لا تهمُّني هنا دقَّة ترجمة العنوان، بل يهمني اسم المؤلِّف David Abulafia الذي عرّبه المترجم وجعله داوود أبو العافية – داوود بواوين للتأكيد على أنه عربي أصيل. ولا أدري إن كانت إعادة الاسم الأول من اسم بن غوريون إلى داوود ستجعله عربياُ هو الآخر. ولا أدري إن كان ما فعله السيد معزّ مديوني قد فعله بحسن نية أم بسوء نيَّة. فالدلائل كلُّها في الكتاب تشير إلى أن المؤلِّف الذي يعمل في جامعة كيمبرج يهودي. وهو يعطي بعض صيغ الاسم الذي عُرف به أجداده، ولا علاقة لها بالعافية أو بأبيها. ويقول إن أجداده ربما هاجروا من قشتالة بعد سقوط الدولة الإسلامية هناك. لا بل إن عنوان الكتاب مستمدّ "من الاسم العبري للمتوسِّط الذي ورد في إطار صلاة بركة نوردها [فيما يقول المؤلِّف] ونحن نصوِّب نظرنا نحوه: "مبارك أنت أيها الرب، أيها الرب الإله، ملك الكون، يا من صنعت البحر الكبير". هنا لا نملك إلا أن نتَّهِم المترجم بالخيانة بالمعنى الذي قصده الإيطاليون في عبارتهم الشهيرة، سواء أكانت مقصودة أم غير مقصودة. ومن الأسلم لنا وللمترجم أن ننسب هذه الخيانة (أو قل: الخطأ) للجهل. فعلائم الجهل كثيرة في ترجمة الكتاب، منها مثلاً: قراءة عجيبة لاسمٍ واضح هو أدهم الدين وجعله "إيذام إلدن" (ص 22)، وإطلاقه لقب الجلالة على المبعوث السامي البريطاني وعلى السفيرة المالطية في تونس (ص 22). وعندما يتحدَّث النقّاد في هذه الأيام عن خيانة المترجم فإنهم يقصدون في الأغلب عيباً من عيوب الترجمة كعدم إتقان لغة النصّ الأصلي أو لغة النصّ الجديد، أو التسرُّع، أو الالتزام ببنية لغة النصّ على حساب البنية الطبيعية للغة المستهدفة. ولا بدَّ أنكم سمعتم بما يدعى لغة الصحافة أو الـ journalese، وقد اشتقَقْتُ صفةً مشابهة لها هي translationese أو لغة التراجمة التي تحتاج إلى أن تُعاد لأصلها الأجنبي ليُفهم المقصود.
أما الآن فأنتقل إلى أمثلة من كتابٍ يجمع العلم إلى السياسة والحروب الخفيّة. عنوان الكتاب باللغة الإنكليزية هو Dark Territory: The Secret History of Cyber War وبالعربية المنطقة المعتمة: التاريخ السرّي للحرب السيبرانية من تأليف فْرِدْ كاﭘﻼن وترجمة لؤي عبد المجيد. وأوّل ما نلاحظه في هذا الكتاب أن عنوانه العربي استعار كلمة أجنبية ليست هي كلمة Cyber المستخدمة في العنوان الأصلي، بل من كلمة تكمن في خلفية الموضوع هي cybernetics التي أعطتنا كلمة السِّبرانية التي فضّل المترجم أن يضيف لها ياءً من عنده تفادياً لاستعمال الكسرة تحت السين، وهذه ظاهرة تحتاج إلى وقفة منفصلة، أقصد ظاهرة استعمال أحرف العلّة الطويلة للتعويض عن الحركات التي ما هي إلا أحرف علَّة قصيرة. واستعمال كلمة "سيبرانية" (بالياء بعد السين) أو "سِبرانية" (بالكسرة تحت السين) مثالٌ على ظاهرة شائعة لدى المترجمين، وهي ظاهرة استسهال الاستيراد التي تشبه ظاهرة طلب الأطعمة الجاهزة عن طريق خدمة التوصيل بدلاً من طبخ الطعام في البيت. فلو كلَّف الدكتور لؤي عبد المجيد نفسه بالبحث قليلاً لوجد أن كلمةcyber وكلمة cybernetics تعنيان نظامَ التحكُّم، سواءٌ أتحكَّم هذا النظام بالأحياء أم بالآلات. ولكن يبدو أن للكلمة الأجنبية سحرها. وأنا لست ضدّ استيراد الكلمات الأجنبية إذا لم يكن في اللغة العربية ما يُغني عنها، ولكنَّ الولع بالمصطلحات الأجنبية كثيراً ما يشي بالكسل الفكري الذي يجد أن من الأسهل استيراد المصطلح الأجنبي بدلاً من الاجتهاد رغم أن الخطأ في الاجتهاد لن يعدم جانبه الإيجابي، وهو استثارة الردّ بما هو أصحّ، هذا إلى جانب اكتساب حسنةٍ واحدةٍ بدل اثنتين لمجرَّد المحاولة. وسأتناول فيما يلي عدداً من الأخطاء ذات الطابع المتكرِّر عند الدكتور لؤي عبد المجيد وغيره.
- يعطي المترجم بدائل للعبارات المترجمة: "ألعاب الحرب" (المناورات الحربية) (ص 11): العبارة الأصلية هي war games ومعناها "المناورات الحربية"، أما عبارة "ألعاب الحرب" فترجمة حرفية للعبارة الإنكليزية. ومع أنها ليست خطأ من حيث المعنى الحرفي فإنها خطأ من حيث مستوى الخطاب، أو ما يدعى register باللغة الإنكليزية. فاللغة الإنكليزية، لا سيّما تلك المستعملة في الولايات المتَّحدة، تميل إلى استخدام اللغة غير الرسمية. المقابل الرسمي لعبارة war games هي military exercises أي التمارين التي نعرفها نحن "بالمناورات العسكرية" رغم أن كلمة "المناورات" مستوردة من كلمة maneuvers. وقد بلغ تأثُّرنا نحن بأسلوب الأمريكان في استخدام التعبيرات غير الرسمية أن عبارة "اللعبة" شاعت في لغة المعلِّقين السياسيين المتأثِّرين بالمعلِّقين الأمريكيين، وأخذنا نتحدَّث دون حرج عن أن الوزير الفلاني "خارج اللعبة" أو أن الدولة الفلانية ستدخل في "لعبة" التحالفات الإقليمية.
- استيراد المختصر الإنكليزي لعبارة North American Aerospace Defense Command بصيغة "نوراد" بينما المختصر العربي لترجمة هذه العبارة يتكوَّن من (ق د ف ج أ ش)، وهي الأحرف الأولى من "قيادة دفاع الفضاء الجوّي لأمريكا الشمالية." وقد شاعت هذه الظاهرة كثيراً في نشرات الأخبار والصحف، حيث نسمع أو نقرأ عن حلف الناتو، وعن ناسا، واليونسكو، والأنروا التي لا تعكس أوائل أحرف الكلمات المقابلة في العبارات العربية. ومن غرائب الأمور أن جامعة الدول العربية استوردت المقابل الأجنبي لاسم إحدى منظماتها لتتمكّن من ابتكار مختصر كهذا هو "الألكسو". اسم المنظمة هو المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والأحرف الأولى منها لا تعطينا ما يمكن أن يشكِّل كلمة تلفظ معاً، بينما يمكن أن تلفظ الأحرف الأولى من المقابل الإنكليزي لاسم المنظمة وهو Arab League Educational, Cultural and Scientific Organization، وهو اسم أضيفت له كلمة League ليصبح اللفظ ممكناً، بينما لا يرد مقابل لهذه الكلمة في الاسم العربي للمنظَّمة.
وسأكتفي بالمثال الآتي من ترجمة الدكتور لؤي عبد المجيد لما فيه من خيانة للنصّ سببها التسرُّع وعدم تحكيم الحاسَّة النقدية في النصّ الناتج عن هذا التسرُّع. النصّ الناتج عن هذا التسرُّع هو الآتي: "كانت تلك الكيانات جميعاً تتغذى من مراكز شعوذة ما وراء السرّي جدّاً نفسها" [beyond-top-secret wizardry]: هذه ترجمة كان على عقل زميلنا المترجم الدكتور لؤي عبد المجيد أن يرفضها رفضاً باتّاً وأن يسأل زملاءه عما يمكن أن تعنيه العبارة إن أعْيَتْهُ الحيلة هو نفسه. هذا ما كان سيجده في أحد القواميس تفسيراً لكلمة wizardry التي ضلَّلته لأنها تدلُّ على الشعوذة في سياق آخر:
a. A power or effect that appears magical by its capacity to transform: computer wizardry.
b. Great ability or adroitness in a pursuit: a pianist gifted with technical
wizardry.
ومن الواضح من هذين الشرحين أن الكلمة في سياق غير سياق الشعوذة تدلّ على المهارة الفائقة - في استعمال الحاسوب أو في العزف على البيانو، أو في حلّ المسائل الرياضية المعقَّدة على سبيل المثال.

تعليق