#شيء من اللغة: أيّهما أصح: هامّ أم مهمّ، إذا قلنا (أمرٌ هامّ) مثلا؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    #شيء من اللغة: أيّهما أصح: هامّ أم مهمّ، إذا قلنا (أمرٌ هامّ) مثلا؟

    #شيء من اللغة: أيّهما أصح: هامّ أم مهمّ، إذا قلنا (أمرٌ هامّ) مثلا؟
    د. هادي حسن حمودي




    سؤال متجدد من حين لآخر:

    الحقيقة إنهما صحيحان، ولكن باختلاف الدلالة. كيف؟
    (المهمّ) يتضمن معنى الخصوص، والهامّ يتضمن معنى العموم. وكلاهما من جذر واحد هو (هـ، م، م). ولكن حين تقرأ (همّ) لا يذهبن بك الرأي إلى معنى الحزن مباشرة، فتعتبره أصلا وهو فرع.
    ولقد رأى بعض المعجميين أن الجذر (هـ. م. م) دالّ على ذَوْبٍ وجَريان ودَبيب (مقاييس اللغة 6/13).
    أمّا معنى الذَّوب أو الذّوَبان فأخذوه من قول العرب: انْهمّ الشحم: ذاب. وهمّني الأمر: أذابني.
    وأمّا معنى الجريان فأخذوه من السحاب الهامُوم: وهو الكثير السكب. ولكنهم عادوا وقالوا: إن الهَمِيْمَة: المَطْرَة الخفيفة. والهَمُوم: البئر الكثيرة الماء. فيبدو أنهم أحبوا المطرة الخفيفة كما أحبوا البئر الكثيرة الماء. فأنزلوهما منزلة واحدة.
    وأمّا معنى الدبيب فأخذوه من الهوامّ، بتشديد الميم وهي الحشرات التي تدبّ على الأرض.
    وقالوا: همّ فلان بالشيء يهمّ هَمّا: نواه وأراده وعزم عليه. وقد ورد في التنزيل العزيز بهذه المعاني:
    * (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ)( التوبة 13). فهم قد نَوَوا إخراج الرسول وأرادوا ذلك وعزموا عليه، لكنهم لم يستطيعوا تحقيقه. فلم يخرج (الهمّ) هنا من الإرادة إلى الفعل.
    * (وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ)( التوبة 74). فهم مثل أولئك نَوَوا الحصول على شيء، وأرادوه بكل قوتهم، وعزموا عليه، ولكنهم ما وصلوا إليه.
    وتسرّب معنى الحزن إلى (هـ، م، م) – حسب رؤية اللغويين - لأن الحزن لشدته يَهمّ البدن، أي يذيبه. وجمعه هُموم. وفلان مهموم بمعضلة أصابته أو لمعضلة أصابته. وإذا حزن المرء لمصيبة صاحبه فلك أن تقول: هو مهموم لصاحبه، ومهتمّ له. وقد همَّهُ الأمرُ وأهمّه: أحزنه، سواء أصابه أم أصاب غيره. ولا يصحّ القول هو هامٌّ لصاحبه بمعنى متألم له وحزين. ويصح بمعنى أنه مهمّ لصاحبه، نافع له.
    وإذا قلت: أهمّني الأمرُ، قال لك اللغويون إنك تعبر به عن قلقك وحُزْنك. فأهمّني: أقلقني وأحزنني (إصلاح المنطق، ابن السكيت 255). وبذلك فإنهم جعلوا معناه بمعنى الاغتمام، من الغمّ. والغم يلازمه الحزن. أما الهمّ فمعنى الحزن طارئ عليه.
    وأدخلَنا بعضهم في متاهة تفسيرهم للمثل: هَمُّكَ ما هَمَّكَ. وهَمّك ما أهمَّك. حيث قالوا (ما) نافية، وفسروه: ما أهمَّك لم يُهِمّك همُّك! والمعنى أوضح مما قالوه. فالمراد أنّ (همَّكَ)، مثل (أهمَّكَ). و(ما) بمعنى الذي. أرادوا به: همُّك الذي همَّك، وهمُّك الذي أهمَّكَ. فالأول من الاهتمام، والثاني من الهمّ بمعنى الحزن. وهو تقسيم سليم. ولكنّ آخرين سوّوا بين الفعلين (همَّك) و(أهمّك) في التعبير عن الهمّة والهمّ. ونرى الصواب في تثبيت الاختلاف بينهما. فقد أجمعوا على أنّ الهمّ: ما همّ به المرء في نفسه، تقول أهمّني هذا الأمر، أي: شغلني فاهتممت به. والهَمّة والهِمّة: ما همَّ به المرء من أمر ليفعله. وإنه لعظيم الهَمّ صغير الهمّة. كما لو كان عظيم الطموح بلا همة لتحقيق طموحه. وإنه لبعيدُ الهِمّة والهَمّة. ومنه: الهُمام: العظيم الهِمّة، وقد ورد في شعر المتنبي:
    أين أزمعتَ أيُّ هذا الهُمامُ؟
    نحنُ نَبْتُ الرُّبَى وأنت الغَمامُ
    والهَمّة والهِمّة: الهوى، فأنت حين تهوى شيئا فقد اهتممت به. وهواك يَهُمّك وحدك. وكذلك هَمْهَمَتك وهي كلامك الخفيّ. وترديد صوتك في صدرك. فمن يهتمّ به غيرُك؟
    نصل إلى أن (المهمّ) يتضمن معنى الخصوص، والهامّ يتضمن معنى العموم. وكلاهما من أساس واحد هو (هـ، م، م). وكلمة (مُهِمّ) أقرب إلى التعبير عن الحزن من (الهامّ) الذي يقترب من لفظ (العامّ) وكذلك من الهامّة بمعنى الفرس لشدة عنايتهم بها، فقالوا لما يهتمون به اهتمامهم بالفرس: إنه أمر هامّ.
    كما إنك إذا قلت: أمر مُهِمّ، فالمعنى أنّه مُهِمّ لك وحدك، وقد لا يهمّ غيرك، أما إذا قلت: هذا أمر هامّ، فقد أردت أنه أمر عامّ يجب الاهتمام به، وأن (أهميته) أكثر من أن يعبّر عنها بـ(مُهِمّ).

    المصدر
يعمل...