بحر_المُقتَفي:فعولن_فاعلن
د.عمر خلّوف
د.عمر خلّوف
أشارَ إليَّ الصديق، الشاعر، الموسيقي، التونسي، الدكتور حمدي مخلوف Hamdi Makhlouf، للإدلاءِ برأيي بوزنٍ شعريٍّ ابتدَعَه، ووصفه بقوله: "له من الخليلِ التفعيلات، وله من الوزنِ إيقاعٌ موسيقيٌّ صرف"، وذلك بجمعِ تفعيلتينِ من دائرة المتّفق: (فَعُولُنْ فَاعِلُنْ): (دَدَنْ دَنْ دَنْ دَدَنْ)، بعشرِ حركاتٍ وسَكَنات، (كالسّماعي أو الجُرْجينَة)، فإن قُسِّمَ نصفين، أصبح (إيقاعاً خُماسِيّاً)، متناظِراً، [وتد سبب*سبب وتد] سَمّاه: (بحر المُقتَفي)، لاشتراك أحرفِ اسمه مع أحرف اسم دائرة (المتّفق)، التي اشتقه منها، ولاقتفاءِ كلِّ تفعيلةٍ الأخرَى عند نطقهما متتاليتين!
واقترح استخدامه تامّاً: (فَعُولُنْ فَاعِلُنْ فَعُولُنْ فَاعِلُنْ) مرتين، أو مشطوراً.
ثم قال: لكنه لا يأتي مجزوءاً ولا منهوكاً.
وزحافُهُ: القبضُ: (فعولُ)، والخبن: (فعِلن)، مع ثبات تفعيلتي العَروض والضرب.
وقد أورد شاهدَه التام من شعره:
أَقُولُ اليَوْمَ فِيكِ شِعْرًا يَثْأَرُ
وَمَا أَنَا سِوَى غَرِيرٍ يُبْحِرُ
أَسُوقُ فِيكِ وَصْفَ عِشْقٍ مُورِقٍ
بِقَلْبِي يَانِعًا وَجَهْرًا يَعْطُرُ
خَبِرْتُ اللحْنَ عِندَ سَمْعِ قِصَّةٍ
شَرِيطًا دَائِرًا فَصِيحًا يُخْبِرُ
وَأُمٌي تَنْتَقِي فُصُولًا مِنْ غِنَا
ءِ طِفْلٍ صَادِحٍ صَدُوحٍ يَسْحَرُ
بِحِسٍّ مُرْهَفٍ كَطَيْفٍ حَالِمٍ
رَأَى فِيهِ أَبِي فُنُونًا تُعْبَرُ
وَقَدْ كَبُرْتُ في أَرِيجِ رِيحِهَا
وَمِنْ أَنْغَامِ بَرْدِ لَيْلٍ أَشْعُرُ
***
وأقول:
معلومٌ أنّ الشعرَ العربيَّ لم يتوقف عندَ ما أصَّلَه الخليلُ من قواعدِ عَروضِه، فزاد الشعراء على ضروب البحور الخليلية عشَرات الصور التي تندرج تحتها، ويمكن نسبتها إليها، كما زادوا على بُحوره ما قَبِلَتهُ الذائقةُ العربيةُ من سياقاتٍ أو أنساق أو بحور، (كالخببِ، والمتدارَكِ، واللاحِقِ، والدوبيت، والسلسلة).
ولا يمتنعُ عندنا استحداثُ الجديد، على صعوبةِ ذلك، شريطةَ أن يُوافقَ الذائقةَ، ويَتَواطأ على قبوله جَمْعٌ من الشعراء، في أزمنةٍ وبلدانٍ مختلفة...
ونحن ننظرُ في المستجدات من الأوزان، فإذا وافقت نَسَقاً معلوماً، وأمكنَ ردُّها إليه، نسبناها إليه، واحتسبناها صورةً أو ضرباً جديداً تابعاً لذلك النسق، ولا يُطلَق عليها اسم بحر.
***
والصورة: (فعولن فاعلن)، ومثلها: (فعولن فاعلانْ)، و(فعولن فاعلاتن)، ليست إلاّ مشتقاتٍ من الهَزَج العربي: (مفاعيلن فعو)، و(مفاعيلن فعولْ)، و(مفاعيلن فعولن)، لِمُوافقتها نسَقَهُ الأساس: (مفاعيلن مفاعيلن).
وهي صورٌ رائقة، كتبَ عليها جميعها عدد من الشعراء، ونسبناها جميعها للهزج لا غير..
فعلى الصورة المذكورة، يقول الوشاح:
إلى العشْقِ اسْبِقوا
ورأيِي وافِقوا
فإنْ لم تعشَقوا
فسيروا في البطاحْ=صَفاً لا يُعْشِبُ
على دهْرٍ مضَى
تحيّاتُ الرِّضى
زمانٌ يُقتَضَى
دِنانٌ تُستباحْ=وعودٌ يُضْرَبُ
وعلى الصورة: (مَفاعيلن فعولْ)، يقول الوشاح:
ألا قُمْ يا غُلامْ
أدِرْ كأسَ المُدامْ
مضى صرفُ الظلامْ
وكافورُ الصّباحْ
صِلوا مَزْجَ الخمورْ
بسَلسالِ الثّغورْ
فما سِرُّ السّرورْ
سوى كاساتِ راحْ
***
أما (التامُّ والمشطور والمجزوء) منها، فخارجٌ على صِفاتِ الأوزان العربية، (لِتَجاوُرِ وتدين أصليين) في حشوه: (فعولن فا<علن فعو>لن فاعلن) وهو ما لم تقبله الأذن العربية، ولا وافقَ الطبع العربي. وهو ما يَشعرُه قارئ القصيدة التي كتبها الشاعر شاهداً عليه، ما لم يَستَحدِث المنشدُ وقفةً وهميةً، أو سَكتةً، في وسط الشطر، لإعادةِ الوزن إلى أصله، شأنه في ذلك شأن (مهمَلات البحور) الخليلية.
فلا تَجاورَ للأوتادِ إلاّ بالزّحاف، كسقوط سين (مستفعلن /ه/ه//ه) لتصير إلى (متفعلن //ه//ه).
ويُعرَفُ (الوتدُ المزاحَفُ) في الشعر بإمكان فكّهِ إلى سببين، أو استبداله بهما، في الوقت الذي ينكسر فيه الوزن بفكّ الوتد الأصلي إلى سببين.
***
أمّا الزِّحافُ في هذه الصورة الهزجية المقصَّرة: فلا نُجيزُ فيها إلاّ (الكفّ): (مفاعيلُ فعَلْ)، كما هو الحالُ في أبيه (الهَزَج). والأجود ثباتُ التفعيلتين من غير زحاف، لِقِصَر النسق.
وتصحّ الكتابةُ فيه على شطرين، أو مُقَفّىً على شطر واحد.
وتصحّ فيه الضروب: (فعَلْ أو فعولْ أو فعُولن)، كما تُثبته الشواهد التي أوردناها آنفاً.
هذا والله تعالى أعلم
المصدر
