مصير الهويّة اللغوية عند أطفال العرب
حنان عساف
لا شك أنَّ اللّغة الإنجليزية هي أكثر اللغات شعبية في العالم، وبناء على نتائج لإحصائيات مختلفة فهي تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد المتحدثين فيها، ولكن اللّغة العربية تحظى انتشارًا واسعًا أيضًا، وهناك العديد من دول العالم التي تهتم بتدريس اللّغة العربية لطلبتها، ورغم ما تواجهه لغة الضّاد من تحديات، فإنها مازالت تحتل المكانة الأعظم ومازالت تتمتع بخصائص فريدة من ألفاظ وتراكيب وصرف ونحو وأدب، وغيرها الكثير.
وتدريس اللّغة الإنجليزية لطلبتنا في المدارس والجامعات أصبح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. فاللغة الإنجليزية هي لغة تدريس الطب والصيدلة والهندسة وعلوم الحاسوب والعديد من التخصّصات في جامعاتنا، وهي لغة التداول الأولى لمعظم المجالات في سوق العمل.
ولكن هناك من أصبح يأنف استخدام اللّغة العربيّة ويشجع أبناءه على التحدّث والتواصل مع الآخرين باللّغة الإنجليزية بدلًا من اللّغة العربيّة وذلك كنوع من التفاخر والتباهي. فأصبحنا نسمع لغتنا العربية تخرج من أفواه أبنائنا ركيكة مكسّرة يتخلّلها بعض المصطلحات من اللّغات الأخرى لعدم قدرتهم على إيجاد مصطلحات عربية للتعبير بها عما يريدون، ناهيك عن الّلفظ ونطق مخارج الحروف التي لا تَمُتُّ للّغة العربية بِصِلة.
فأصبح طلبة المدارس والجامعات لا يجيدون الحديث باللغة العربية بشكل صحيح، وحتى وإن كانوا يجيدونها، أصبح الاعتماد على اللغة الإنجليزية في الحوار والتواصل مع زملائهم نمط حياة، حتى أن الأمر تعدى المحادثة فأصبح الاتجاه نحو الكتابة بلغة غريبة من نوعها وذلك «ما زاد الطّين بلّة»، فأصبحوا في تواصلهم مع بعضهم البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي يستخدمون لغة يطلقون عليها «عربيزي» فيدمجون المصطلحات الإنجليزية بالجمل العربية أو يلجؤون لاستخدام بعض الأرقام عوضًا عن الأحرف العربية كاستخدام رقم 3 عوضًا عن حرف العين، ولهذا نجد أبناءنا يواجهون صعوبة عند القراءة أو كتابة مواضيع التعبير في حصص اللّغة العربيّة أو عند الحوار باللّغة العربية.
الحقيقة أنّ أبناءنا يجهلون أهميّة لغة الضاد، وبأنها اللّغة التي نقلت الثقافة والعلوم والآداب والتاريخ للأمة العربية والأمم والحضارات الأخرى عبر القرون، فلغتنا كانت وما زالت لغة علم وفكر.
لا أحد ينكر ضرورة الانفتاح على المجتمعات الأخرى والاضطّلاع على ثقافاتها، وتعلّم لغات أخرى وخاصّةً اللّغة الإنجليزية بات متطلّبًا ضروريًّا، فأصبح من يمتلك لغات أخرى غير لغته الأم تُفتح له أبواب لفرص وظيفيّة أفضل، فحقيقة توجّه بعض الأُسر نحو تمكين أبناءهم من اللغات الأخرى يرجع إلى متطلبات العصر.
ولكن ما لا يُقبل هو أن يكون هذا الانفتاح والتوجّه نحو اللّغات الأخرى على حساب اللّغة العربيّة والحدّ من استعمالها بين أبناءنا، فتثبيت قواعد اللّغة الأم وإتقانها -حسب آراء الخبراء في هذا المجال- في المراحل العمريّة المبكّرة ضروريّ. ألا يكفي لغة الضّاد التهديد الذي تواجهه والعوائق التي تقاومها من انتشار اللّغة العاميّة بيننا؟ كلٌّ يتحدّث بلهجة بلده الخاصّة، فلا نسمع اللّغة الفصيحة إلا عبر نشرات الأخبار أو إذا وجدت لها مكانًا في الحصص الدراسيّة في حال اهتمام المدرسة بذلك. فهل هذا مصير اللّغة العربية بين الأجيال الحاليّة والقادمة؟ لا فصيحة ولا عاميّة فتضيع الهويّة العربيّة؟
في الحقيقة، اللّوم الأكبر يُلقى على الأسرة التي تتجاهل أهميّة تمكين الأبناء من لغتهم الأم، وأنّ ذلك يبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة؛ وهي المرحلة الحرجة في اكتساب اللّغة عند الطّفل وفيها تتشكّل شخصية الطفل، والأسرة تعتبر المؤثر الأول والأهم في حياة الطّفل من حيث السّلوك واكتساب اللّغة. والحصول على المهارات اللغوية المرتبطة بنطق الكلمات الأولى وتكوين الجُمل.
فمرحلة الطفولة المبكرة تتميّز بالمرونة وسهولة التشكيل بالإضافة إلى تعلّم الطفل في هذه المرحلة بالتقليد، فلذلك يجب استغلالها في تثبيت اللّغة الأم عند الطفل، فواجبنا كأُسر عربية التحدّث مع الطّفل منذ الأشهر الأولى بلغة عربيّة سليمة وتسمية الأشياء بمسمياتها العربيّة الصحيحة، فالطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى اكتساب النطق السليم لكلماته الأولى حتى يستطيع بعد ذلك تكوين الجمل السليمة، ويجب الاستمرار بإكساب الطفل هذه المهارات اللغوية في مرحلة الطفولة المبكرة وما بعدها.
إن استخدام الطّرق المختلفة والممتعة عند تعليم الطفل اللّغة يؤدي إلى إتقانه لها واستمتاعه بتعلّمها، فالقراءة المستمرة للطّفل وسرد القصص واستماعه للأناشيد وأغاني الأطفال بالإضافة للعب الأدوار وغيرها من الطّرق تسهم في تحبيب الطّفل بلغته وبالتالي إتقانها.
ولا ننسى دور المعلّم والمدرسة في غرس حبّ اللّغة العربيّة في نفوس الطّلبة في كل المراحل عن طريق استخدام الأساليب الممتعة والمبتكرة والمشوقة لتحبيبهم بها، بالإضافة إلى مخاطبتهم باللّغة العربيّة السّليمة ومساعدة الوالدين والأسرة في تشجيعهم على استخدامها وعدم إهمالها مقابل تعلّم اللّغات الأخرى، والتأكيد على أهمية اكتساب لغات أخرى وإتقانها أيضّا، ولكن ليس على حساب لغتنا الأُمّ، وذلك تفاديًا لضياع الهويّة العربية، فعليهم أن يدركوا أهمية الموازنة ما بين اكتساب اللّغة العربية وإتقانها وتمكّنهم منها واكتساب لغات أخرى كاكتساب وإتقان اللغة الإنجليزية بطلاقة على سبيل المثال، والذي بات مطلباً أساسياً لمواكبة آلية التعليم.
الدستور
حنان عساف
لا شك أنَّ اللّغة الإنجليزية هي أكثر اللغات شعبية في العالم، وبناء على نتائج لإحصائيات مختلفة فهي تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد المتحدثين فيها، ولكن اللّغة العربية تحظى انتشارًا واسعًا أيضًا، وهناك العديد من دول العالم التي تهتم بتدريس اللّغة العربية لطلبتها، ورغم ما تواجهه لغة الضّاد من تحديات، فإنها مازالت تحتل المكانة الأعظم ومازالت تتمتع بخصائص فريدة من ألفاظ وتراكيب وصرف ونحو وأدب، وغيرها الكثير.
وتدريس اللّغة الإنجليزية لطلبتنا في المدارس والجامعات أصبح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. فاللغة الإنجليزية هي لغة تدريس الطب والصيدلة والهندسة وعلوم الحاسوب والعديد من التخصّصات في جامعاتنا، وهي لغة التداول الأولى لمعظم المجالات في سوق العمل.
ولكن هناك من أصبح يأنف استخدام اللّغة العربيّة ويشجع أبناءه على التحدّث والتواصل مع الآخرين باللّغة الإنجليزية بدلًا من اللّغة العربيّة وذلك كنوع من التفاخر والتباهي. فأصبحنا نسمع لغتنا العربية تخرج من أفواه أبنائنا ركيكة مكسّرة يتخلّلها بعض المصطلحات من اللّغات الأخرى لعدم قدرتهم على إيجاد مصطلحات عربية للتعبير بها عما يريدون، ناهيك عن الّلفظ ونطق مخارج الحروف التي لا تَمُتُّ للّغة العربية بِصِلة.
فأصبح طلبة المدارس والجامعات لا يجيدون الحديث باللغة العربية بشكل صحيح، وحتى وإن كانوا يجيدونها، أصبح الاعتماد على اللغة الإنجليزية في الحوار والتواصل مع زملائهم نمط حياة، حتى أن الأمر تعدى المحادثة فأصبح الاتجاه نحو الكتابة بلغة غريبة من نوعها وذلك «ما زاد الطّين بلّة»، فأصبحوا في تواصلهم مع بعضهم البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي يستخدمون لغة يطلقون عليها «عربيزي» فيدمجون المصطلحات الإنجليزية بالجمل العربية أو يلجؤون لاستخدام بعض الأرقام عوضًا عن الأحرف العربية كاستخدام رقم 3 عوضًا عن حرف العين، ولهذا نجد أبناءنا يواجهون صعوبة عند القراءة أو كتابة مواضيع التعبير في حصص اللّغة العربيّة أو عند الحوار باللّغة العربية.
الحقيقة أنّ أبناءنا يجهلون أهميّة لغة الضاد، وبأنها اللّغة التي نقلت الثقافة والعلوم والآداب والتاريخ للأمة العربية والأمم والحضارات الأخرى عبر القرون، فلغتنا كانت وما زالت لغة علم وفكر.
لا أحد ينكر ضرورة الانفتاح على المجتمعات الأخرى والاضطّلاع على ثقافاتها، وتعلّم لغات أخرى وخاصّةً اللّغة الإنجليزية بات متطلّبًا ضروريًّا، فأصبح من يمتلك لغات أخرى غير لغته الأم تُفتح له أبواب لفرص وظيفيّة أفضل، فحقيقة توجّه بعض الأُسر نحو تمكين أبناءهم من اللغات الأخرى يرجع إلى متطلبات العصر.
ولكن ما لا يُقبل هو أن يكون هذا الانفتاح والتوجّه نحو اللّغات الأخرى على حساب اللّغة العربيّة والحدّ من استعمالها بين أبناءنا، فتثبيت قواعد اللّغة الأم وإتقانها -حسب آراء الخبراء في هذا المجال- في المراحل العمريّة المبكّرة ضروريّ. ألا يكفي لغة الضّاد التهديد الذي تواجهه والعوائق التي تقاومها من انتشار اللّغة العاميّة بيننا؟ كلٌّ يتحدّث بلهجة بلده الخاصّة، فلا نسمع اللّغة الفصيحة إلا عبر نشرات الأخبار أو إذا وجدت لها مكانًا في الحصص الدراسيّة في حال اهتمام المدرسة بذلك. فهل هذا مصير اللّغة العربية بين الأجيال الحاليّة والقادمة؟ لا فصيحة ولا عاميّة فتضيع الهويّة العربيّة؟
في الحقيقة، اللّوم الأكبر يُلقى على الأسرة التي تتجاهل أهميّة تمكين الأبناء من لغتهم الأم، وأنّ ذلك يبدأ في مرحلة الطفولة المبكرة؛ وهي المرحلة الحرجة في اكتساب اللّغة عند الطّفل وفيها تتشكّل شخصية الطفل، والأسرة تعتبر المؤثر الأول والأهم في حياة الطّفل من حيث السّلوك واكتساب اللّغة. والحصول على المهارات اللغوية المرتبطة بنطق الكلمات الأولى وتكوين الجُمل.
فمرحلة الطفولة المبكرة تتميّز بالمرونة وسهولة التشكيل بالإضافة إلى تعلّم الطفل في هذه المرحلة بالتقليد، فلذلك يجب استغلالها في تثبيت اللّغة الأم عند الطفل، فواجبنا كأُسر عربية التحدّث مع الطّفل منذ الأشهر الأولى بلغة عربيّة سليمة وتسمية الأشياء بمسمياتها العربيّة الصحيحة، فالطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى اكتساب النطق السليم لكلماته الأولى حتى يستطيع بعد ذلك تكوين الجمل السليمة، ويجب الاستمرار بإكساب الطفل هذه المهارات اللغوية في مرحلة الطفولة المبكرة وما بعدها.
إن استخدام الطّرق المختلفة والممتعة عند تعليم الطفل اللّغة يؤدي إلى إتقانه لها واستمتاعه بتعلّمها، فالقراءة المستمرة للطّفل وسرد القصص واستماعه للأناشيد وأغاني الأطفال بالإضافة للعب الأدوار وغيرها من الطّرق تسهم في تحبيب الطّفل بلغته وبالتالي إتقانها.
ولا ننسى دور المعلّم والمدرسة في غرس حبّ اللّغة العربيّة في نفوس الطّلبة في كل المراحل عن طريق استخدام الأساليب الممتعة والمبتكرة والمشوقة لتحبيبهم بها، بالإضافة إلى مخاطبتهم باللّغة العربيّة السّليمة ومساعدة الوالدين والأسرة في تشجيعهم على استخدامها وعدم إهمالها مقابل تعلّم اللّغات الأخرى، والتأكيد على أهمية اكتساب لغات أخرى وإتقانها أيضّا، ولكن ليس على حساب لغتنا الأُمّ، وذلك تفاديًا لضياع الهويّة العربية، فعليهم أن يدركوا أهمية الموازنة ما بين اكتساب اللّغة العربية وإتقانها وتمكّنهم منها واكتساب لغات أخرى كاكتساب وإتقان اللغة الإنجليزية بطلاقة على سبيل المثال، والذي بات مطلباً أساسياً لمواكبة آلية التعليم.
الدستور
