معاجم التعابير الاصطلاحية
د. محمد خالد الفجر
د. محمد خالد الفجر
أولاً: تعريف التعبير الاصطلاحي:
التعبير الاصطلاحي:
يُطْلِق عليه بعض الباحثين المغاربة مصطلح الألفاظ المسكوكة، لكنَّ المصطلح الذي انتشر وكُتب له الذيوع، هو التعبير الاصطلاحي ترجمةً لمصطلح (Idioms).
وهو: عبارةٌ لا يُفهم معناها الكُلِّي بمجرد فهم معاني مفرداتها وضمِّ هذا المعاني بعضها إلى بعض[1]. فهو مجموعةُ كلماتٍ تُكَوِّن بمجموعها دلالةً غير الدلالة المعجمية لها مفردةً ومركبةً، وهذه الدلالةُ تأتيها من اتفاق جماعةٍ لغويةٍ على مفهومٍ تُحمِّله لهذا التجمع اللفظي[2].
مثال: "أسلم رجليه للريح" الدلالة المعجمية: أعطى رجليه للريح، لكنّ دلالته عند العرب لا تعني هذا المعنى، وإنما تفيد هرب الإنسان مسرعًا، أو فراره من أمرٍ من الأمور، وقد أتت هذه الدلالة من اتفاق الجماعة اللغوية العربية على تحميله هذا المعنى.
فتكوين التعبير الاصطلاحي قائم ٌعلى "سلسلةٍ من الكلمات التي تُقيِّدها عوامل دلالية وتركيبية تجعل منها وحدة"[3] دلالية جديدة.
وقد بدأت الجامعات العربية مؤخرًا بتسجيل بحوث علمية تتناول هذا النوع من التركيب اللغوي، فنُوقشت عدةُ رسائلَ في موضوع التعابير الاصطلاحية منها على سبيل المثال لا الحصر:
• رسالة دكتوراه عنوانها: "التعبيرات الاصطلاحية في القرآن الكريم-دراسة دلالية تركيبية-" إعداد عزة حسين حسين غُراب، كلية الآداب جامعة الزقازيق، سنة 1415هـ/1994م.
• رسالة ماجستير عنوانها"التعابير الاصطلاحية بين النظرية والتطبيق" إعداد الطالب عصام الدين أبو زلال، جامعة القاهرة، كلية الآداب، سنة 1417ه/1997م.
ثانيًا: أهمية معاجم التعابير الاصطلاحية:
إن لمعاجم التعابير الاصطلاحية أهمياتٍ كثيرةً أولاها: أنها تُغْني أسلوب الكاتب باستخدام كلمات تعطي المراد منها دون الحاجة إلى إسهاب، بل ربما تعطي للجملة وقعًا أكبر من وقعها عندما تُسْتخدم بدلاتها المعجمية، وكمثالٍ على ذلك ما ورد في البيان والتبيين عند حديث الجاحظ عن إياس بن معاوية مبينًا خطر لسانه في تأليب الناس على الحاكم، لاسيما بعد أن كبُرت سنه فنقل الجاحظ تعبيرًا يفيد ذلك وهو قوله: "فما ظنُّك وقد كبُرت سنه، وعضَّ على ناجذه"[4].
الأهمية الثانية: هي فائدتها في تعليم العربية الناطقين بغيرها[5]، فالذين يتعلمون العربية من غير العرب سيقفون كثيرًا عند التعبير الاصطلاحي الآتي: "وضعت الحرب أوزارها"؛ وسَيُشكل عليهم فهم دلالتها خاصةً عندما ترد ضمن سياقٍ لا علاقة له بالدلالة الحرفية لهذا التركيب.
الأهمية الثالثة: أهميةٌ معاصرة تتجلى في توظيفها لخدمة المعجم العربي الإلكتروني، إذ إنَّ الترجمة الآلية بحاجةٍ ماسة إلى مثل هذا النوع من المعاجم؛ ولذلك بدأ الاهتمام في زمننا بمعالجة التعابير الاصطلاحية آليًا.
وللأهميات السابقة كان لابدّ لهذا النوع من التركيب اللفظي العربي من معجماتٍ تبين دلالتها، وتوضح المراد منها.
ثالثًا: أهم معاجم التعابير الاصطلاحية التراثية:
لا يُوجد في تراثنا المعجمي، معجمٌ خُصّص لهذا النوع من التراكيب، لكن هذه التعابير وُجِدت ضمن طيات عددٍ من المعاجم العامة، فمثلاً نجد في معجم العين - وهو أول معجمٍ عربيٍّ متكامل- بعض التعابير الاصطلاحية، مثل قوله في شرح كلمة حَسَك: "وحَسَكُ الصَّدْر: حِقْدُ العدَاوة، تقول: إنّه لحَسَكُ الصَّدْر علي"[6]، وكذلك فيما أتى من بعده من معاجم، لكن هذه التعابير لم يُصَنَف لها في تراثنا اللغوي معجمٌ مختصٌ بها، ولا رسالة لغوية ولا باب مستقل. ومن أهم المعاجم التراثية التي كَثُرت فيه التعابير الاصطلاحية (أساس البلاغة) للزمخشري (ت 538هـ).
ولم يصدر معجمٌ خاصٌ بالتعابير الاصطلاحية العربية إلا في القرن العشرين، الذي ألف فيه الدكتور محمود إسماعيل صيني وعددٌ من الباحثين معجمًا خاصًا بالتعابير الاصطلاحية أسماه: "المعجم السياقي للتعبيرات الاصطلاحية".
أما في القرن الحادي والعشرين فقد ظهر: "معجم التعابير الاصطلاحية في العربية المعاصرة" للدكتورة وفاء كامل فايد، وقد ساعدها في جمع مواده وتحريرها فريق من الباحثين.
وقد رأيت أنَّه من الأهمية بمكان تسليط الضوء على هذا العمل المعجمي لعدة أسباب:
1- يُمَثِّل هذا المعجم تطبيقًا للتنظير المعجمي، المرتبط بمعاجم التعابير الاصطلاحية.
2- تحققت له ميزةٌ تفتقر إليها معظم الأعمال المعجمية العربية، ألا وهي ميزة عمل الفريق في إنجاز المعجم.
3- طريقة تصنيفه، من حيث: الجمع، والترتيب.
4- إمكانية الاستفادة من المنهج المُتبع فيه، في تصنيف المعجم التاريخي للتعابير الاصطلاحية في تراثنا العربي.
فتحقيقًا للفائدة العلمية، رأيت أن أخُصَّ هذا العمل بدراسة تقف على أهم الأسس والقواعد التي قام عليها هذا المعجم، وكذلك الوقوف على بعض الأمور التي فاتت هذا العمل المعجمي.
الأسس المعجمية في معجم التعابير الاصطلاحية:
المقدمة:
تُعَد المقدمة مفتاحًا للمعجم، وهي بطاقة تعريفية تحدد مجال المعجم، وما يعالجه من حقول، كذلك يُبَيَّن فيها المرحلة التي ينتمي إليها المعجم أي هل المعجم تاريخي،أم أنه معجم آني معاصر. ويُذْكَر فيها المستهدفُ من هذا المعجم (الخبراء، أم القراء العاديون)، فهي تحدد منهج المعجم، وطريقة ترتيبه، ووسائل ضبط الهجاء والنطق فيه، وكيفية تصنيفه المعاني والدلالات، ووسائل التعريف المُتبعة ، وشرح الرموز والعلامات والاختصارات المستعملة في المعجم[7].
وقد كانت مقدمة المعجم المدروس محققةً لما يجب أن يتوافر في مقدمة المعاجم، فقد حدّدت المقدمة مجال المعجم وهو: "التعابير الاصطلاحية" والمرحلة التي ينتمي إليها وهي مرحلة معاصرة، أضف إلى ذلك تحديد مصادر جمع المادة في المقدمة، وذكر المستهدَف من تأليف هذا المعجم، أي المستفيد منه وهو: "ابن اللغة، ومتعلم اللغة من غير أبنائها، والمبرمجون الذين يهتمون بوضع قواعد البيانات"[8].
ذكرت المؤلفة في مقدمتها طريقة ترتيب المواد، وكيفية شرحها.
وقد وضعت المؤلفة عناوين مفتاحية تُعَدّ ميزة لمقدمة هذا المعجم، من هذه العناوين: (بنية المعجم، مستوى تِقنيات جمع المادة، تقنيات الإخراج الطباعي)[9].
وبذلك تكون مقدمة هذا المعجم، مفتاحًا حقيقيًا، وكذلك مقدمة تعليمية، تُدْرَج ضمن ما يُسَمى اليوم بطرق الصناعة المعجمية lexicography.
الجمع:
تعد طريقة جمع مادة المعجم القاعدة الأولى التي يبني المعجمي معجمه عليها فبوساطتها تدرج المواد المحققة للفائدة التي يرجوها مستعملو المعجم، و يُسهم الجمع في تعيين مصادر جمع مادته، ونوعية المفردات أو المداخل التي سيضمنها معجمه، ومن أهم الأسس التي يراعيها المعجمي في جمعه المستوى اللغوي للمواد التي سيدونها.
المستوى اللغوي:
إنّ المستوى اللغوي مهمٌّ في الصناعة المعجمية؛ لأنه يُسْهِم في تحديد المواد التي ستدخل في المعجم، ويُعِين في التنسيق الدقيق لتصنيف المعجم، وينقسم المستوى اللغوي أربعة أقسام هي: "الفصيح، والمولَّد وهو المُحْدَث في الفُصحى بعد عصر الاحتجاج، والعامي، والمعرب"[10] وقد كان المستوى اللغوي لمعجم التعابير الاصطلاحية يتراوح بين اللغة الفصحى واللغة العامية، وكانت معظم مواده من اللغة الفصحى، إلا أنه لم يخل من التعابير الاصطلاحية التي تنتمي إلى المستوى اللغوي العامي.
كما في التعابير الاصطلاحية الآتية:
فلانٌ ابنُ نُكْتة: مَرِح، ظَرِيف، يأتي بالنوادر المُضْحِكة.
استعمالٌ مصري[11].
كلام فاضي: أكاذيب وأباطيل[12].
وِشّ الصّحّارة: واجهة الشيء، الأفضل، المتميِّز[13].
استعمالٌ شامي:
من خلال الأمثلة السابقة تبين أنّ المعجم لم تكن مادته مأخوذةً من العربية الفُصْحَى وحسب بل فيه عددٌ قليل من التعابير العامية، وقد بيّنت الدكتورة وفاء ذلك في مقدمة معجمها: "رأت (الباحثة) أن المعجم يعالج التعابير الاصطلاحية في العربية المعاصرة المكتوبة، وقد نُقِلت من مصادرها في المدونة، واستعملها كتّابٌ معاصرون لهم ثقلُهم اللغوي..."[14].
ثمّ ذكرت أنها كانت ستضع التعابير الاصطلاحية العامية في ملحقٍ لكن وجدت هذه الطريقة تصبح معيارية والمعجم هدفه تدوين العربية المعاصرة.
وهنا أرى أهمية تحديد مصطلح العربية المعاصرة، وهل كل ما ينطق بأحرفٍ عربية يُدْرَج ضمن العربية المعاصرة. أضف إلى ذلك أنّ العربية هي التي يفهمها متكلو العربية من المحيط إلى الخليج، ووجود كلماتٍ عامية مصرية أو شامية، يُخرج الكلمة من الانتماء إلى العربية المشتركة التي يتفاهم بها أبناء الوطن العربي، فمثلاً التعبير الاصطلاحي (وِشّ الصَّحارة) لا يُنطق هكذا في الشام وإنما(وِشْ السَّحَارة) أي بسكون الشين وإبدال الصاد سينًا، والإشكال في كتابة التعبير العامي ترجع إلى أن العرب لا يمكنهم أنْ يفهموا بعضهم لو نطقوا بلهجاتهم العامية. فاستثناء مثل هذه التعابير العامية من المعاجم المخصصة للعربية أفضل من وجودها، ولا يُعَد إهمالاً للمُستعمَل بالعربية؛ لأن العربية المعاصرة هي العربية التي تتفق مع القواعد المشتركة التي يفهمها أبناء الوطن العربي.
الترتيب:
نقف في المعاجم بشكلٍ عامٍ على طريقتين من طرق الترتيب، الأولى تعتمد طريقة الترتيب الألفبائي (Alphepatic orgnization)، والثانية تعتمد طريقة الترتيب المنظومي Systematic organizati.
ومازال كثيرٌ من المعاجم حتى أيامنا هذه متبعًا في تصنيفه طريقة الترتيب الألفبائي سواءٌ أكان المعجم عامًا أم مختصًا، كما يقول بيشت: "فلو غضضنا الطرف عن لغة الأغراض العامة- ولو إلى حين – لوجدنا أن أغلب المعاجم المختصة لا تزال تُرتب ترتيبًا ألفبائيًا"[15].
ويرجع استخدام هذا الترتيب إلى سهولته في الاستخدام لاسيّما في سرعة الوصول إلى المفردة المراد معرفة شرحها وتفسيرها، يقول بيشت: "والبحث في هذا النوع من المعاجم يستغرق وقتًا أقل منه في المعاجم المرتبة ترتيبًا منظوميًا، حيث يلزم القيام بعمليتين: البحث عن المفردة ( Item) في الكشاف الألفبائي (Alphappetical index) أولًا، ثمّ في القسم المنظومي ثانيًا"[16].

تعليق