أثر الموروث الشعري القديم في ديوان الشعر السعودي الحديث
طيب أحمد الحارثي
طيب أحمد الحارثي
الحمدُ للهِ ربِّ العالين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياء والمرسَلين سيِّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم.
ملخَّص أطروحة دكتوراه في الأدب بعنوان
"أثر الموروث الشعري القديم في ديوان الشعر السعودي الحديث شعر المحافظين".
أقيمت هذه الدراسةُ لتقصِّي ما للتراثِ الشعري القديمِ من آثارٍ في شعر المحافظين السعوديينَ "الحديث"، والتعرُّفِ على حقيقة الأثرِ من خلال تحديدِ طبيعةِ العَلاقةِ بين المؤثِّر والمتأثِّر، والكشفِ عن الكيفيةِ التي تَمَّت بها معالجةُ الشعرِ، ومدى إفادةِ الشعراء من الموروثِ الشعري.
وقد سار البحثُ على المنهجِ المتكاملِ الذي يقومُ على تتبُّعِ آثارِ التيَّار السعودي المحافظ - في الطَّورينِ الأوَّل والثاني - مصنَّفةً في أغراضِها الشعريةِ مع تطبيق المنهجِ التاريخي في تصنيفِ الشعراء، وفي ذلك تَمَّ التركيزُ على إبرازِ السماتِ العامَّة للتأثر، مرتبطةً بالاتجاهِ الفني، ومن ثَمَّ فإن الدراسةَ التحليليةَ قامت على تتبُّع تأثيرِ التراث الشعري في: الأفكار والمعاني، والمعجم الشعري، والصورة الفنية، وموسيقا الشعر.
وقسِّمت الدراسةُ إلى وحدتينِ رئيستينِ، عدا التمهيد الذي خصِّص للجانب النقدي، وحدِّد فيه المفهومُ الخاصُّ بالموروث الشعري، وموقفُ النقَّاد القدماء والمعاصِرين من التراث، وموجِباتُ اتصالِ الشاعرِ العربي بالتراث، ثم ارتباط الشاعرِ السعودي بالتراث وموقفه منه.
وتناول البابُ الأوَّل: "طورَ التقليد المحض"، وأصحابُه هم شعراء البعث والإحياء.
وجاء في فصلينِ، وتتبَّع الأوَّل حالةَ الشعر في أقربِ العصور إلى عصرهم، وعلاقتَهم بموروثِ الشعر القديم، ومفهومَهم لوظيفة الشعرِ.
وتَمَّ في الفصل الثاني استقصاءُ تأثيرِ التراث الشعري في نتاجِ شعراءِ هذا الطورِ، وبيان كيفيَّة تأثرِهم المباشرِ بالأغراض القديمة، ومحاكاةِ مضامينِها، وشدَّة تأثرِهم بموسيقا الشعرِ العربي القديم، واستلهامهم للصورة الفنيَّة الموروثة.
أما الباب الثاني، فقد تنَاوَل مظاهرَ التأثيرِ في نتاجِ شعراءِ التقليديَّة الحديثة - طور التجديد المحافظ - ورصَدت الدراسةُ أبرزَ الظواهرِ التي صَاحَبت استخدامَهم للموروثِ الشعري؛ فتتبَّعت التزامَهم بالموسيقا الشعبيةِ الموروثة، وموقفَهم المتضامنَ مع نظامِها، واستقصت ملامحَ التأثيرِ المباشر في معارضاتِهم الصريحة والوزنية، وفي الأغراضِ والقِيَم المعنوية، سواء في الموضوعاتِ القديمةِ أو المستحدَثة، كما تم رصدُ الأثرِ في الصورِ والأَخيلة وملامح التأثرِ بمفهوم القدماءِ للصورة الشعرية، إلى جانب تتبُّع الأثرِ في المعجمِ الشعري، سواء في المفردة أو التركيب اللغوي.
وفي كلِّ ذلك لم تَغفُل الدراسةُ عن المقارنةِ بين معالجةِ الشعرِ، وإفادة الشعراءِ السعوديين من الموروثِ في كلا الطَّورينِ.
المقدِّمة
• اختيار الموضوع وطبيعته.
• حدوده ومصادره.
• منهجه وخطته.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ اللهِ ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسَلين، سيِّدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحابتِه الغرِّ الميامين، ومَن تَبِعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن التراثَ العربِي القديمَ منبعٌ ثرٌّ لا ينضبُ، تَتَعاقَب عليه أجيالُ الشعراءِ فتَنهَل منه ما تَرَى أنه يَفِي بحاجتِها، ويَندُر أن يَجتَمِع الشعراء العرب - باختلافِ اتجاهاتِهم وتيَّاراتِهم ومدارسِهم - حولَ أمرٍ، كما هو الحالُ في اجتماعِهم حول الموروثِ الشعري الأصيل.
ومما لا شكَّ فيه أن قضيةَ التراثِ ارتبطت بالنهضةِ الأدبيَّة "العربيَّة" الحديثة منذ بوادرِها الأولى، واستَحوَذَت على اهتمامِ الشعراء والنقَّاد العرب حتى يوم الناس هذا، وشكَّل فيها موروثُ الشعرِ العربِي القديمِ عمودَ الارتكازِ، الذي لولاه لتعذَّر قيامُها.
ويَلحَظ المتأمِّل في ديوانِ الشعرِ العربي السعوديِّ إشاراتٍ واضحةً، تؤكِّد على أن هذه القضيةَ الأدبيةَ تَفرِض حضورَها على كثيرٍ من النتاج الشعري، وبمزيدٍ من التأمُّل العميقِ في نتاجِ شعراء هذا الديوانِ - على اختلافِ مراحلِه وتنوعِ اتجاهاتِه - تتأكَّد حقيقةُ ترسُّخِ الموروثِ الشعري في أذهانِ أغلبِ الشعراء، ويتَنَامَى لَدَى الباحثِ الشعورُ بخصوصيةِ الأدب السعودي من حيث اتصالُه بالتراثِ وشدَّة ولائه للقيمِ والتقاليدِ التي تمتدُّ جذورها إلى الماضي العريق، ومن ثَمَّ قربه أكثر من غيره في سائرِ البلاد العربية إلى الموروث الشعري العربي الأصيل.
ومن هنا صحَّ العزمُ على إفرادِ دراسةٍ متأنيةٍ، تُعنَى بتتبُّع أثرِ التراثِ الشعري القديم في ديوانِ الشعرِ السعودي، والتعرُّف على حقيقةِ الأثر من خلالِ تحديدِ طبيعةِ العَلاقة بين المؤثِّر والمتأثِّر، والكشفِ عن الكيفية التي تَمَّت بها معالجةُ الشعر، ومدى إفادةِ الشعراء من الموروثِ.
ولما كان الشعرُ المحافظُ يشكِّل صفحاتٍ غيرَ قليلةٍ في ديوان الشعر العربي السعودي، ويَشغَل ساحةً مكانيةً واسعة تتوزَّع بيئاتُها الشعريةُ في سائر أرجاءِ البلاد، وتمتدُّ فترته الزمنية إلى ما يُقَارِب مائة عام - عَقَد الباحثُ العزمَ على تحديد دراسةِ هذه القضيَّة الأدبيَّة بشعرِ المحافظين، بَدْءًا بالطبقةِ الأولى التي يُمثِّل نتاجُ شعرائها أُولَى اللبناتِ في ديوانِ الشعر السعودي؛ حيث ارتبطَ نتاجُ أغلبِ شعرائها بمراحلِ التأسيسِ الأولى للمملكة العربية السعودية على يدِ الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - فلازمها منذ نشأتِها، وواكب توحُّدها وقيامها، وبدايات نهضتِها، وشَهِد فترات من السيطرة على سائرِ الاتجاهات، وأصحابُها هم التراثيون الإحيائيون - أو طبقة المحافظة المحضة - ووصولاً إلى الطبقةِ الثانية من المحافظين السعوديين، وأصحابها هم المحافظون المعتدلون، أو "أصحاب التجديد المحافظ".
وجديرٌ بالذكرِ أن خطَّ التجديدِ المحافظ مستمرٌّ إلى يومِنا هذا، ولا سيما عند شعراء المناسبات بصفة خاصة، واستقرَّ عُنوانُ البحثِ على: "أثر الموروثِ الشعري القديم في ديوان الشعر السعودي الحديث، شعر المحافظين".
وفي الاعتقادِ أن دراسةَ هذه القضيَّة الأدبية في شعرِ المحافظين السعوديينَ - على النحوِ الذي تناوله الباحثُ - هي أولُ ما يُكتَب في ذلك؛ إذ لا تخرج أكثر الأبحاث والدراسات التي تناولت - على وجهِ الخصوصِ - النتاجَ الشعريَّ السعودي عن دائرةِ التصنيفِ، التي يقصدُ بها - في الغالبِ - تقسيمُ الشعراءِ أو الأدباء بحسبِ نتاجِهم على المدارسِ أو التيَّارات، أو المذاهب الأدبية المختلفة، وغالبًا ما يُحكَم فيها على المنجذِبين إلى الماضي - بكثيرٍ أو قليلٍ من نتاجِهم - بأنهم مقلِّدون أو كلاسيكيون؛ وذلك من خلالِ إشاراتٍ تعميميَّة يُكتَفَى فيها بحشدِ عديدٍ من الأسماء، وقليلٍ من الشواهد الصامتة المتكرِّرة؛ تمهيدًا لتصنيفِهم في طبقة التقليدية: "الجامدة"، أو "الميتة"، أو "الأولى"، أو "بين بين"، وإغلاقها عليهم دون تسليطِ الضوءِ على طبيعةِ العَلاقةِ بين المؤثِّر والمتأثِّر، أو تحديدِ نوعِها ودوافعها، والكشف عن الكيفية التي تَمَّت بها معالجةُ الشعر.
ومن الدراساتِ التي اطَّلع عليها الباحثُ - بعد إنهاءِ البحث - كتابُ: "توظيف التراث في الشعر السعودي المعاصر"[1]، للباحثة أشجان محمد الهندي، وهو بحث جيِّد في موضوعِه وتناولِه، وفيه تناوَلت الباحثةُ أثرَ الموروث الأدبي بشموليتِه - فصيحٍ، وشعبي، وأسطورة - في شعرِ أحدَ عشرَ شاعرًا[2]، يمثِّل غالبيتهم العظمى نزعة التجديدِ والحداثة في الشعر السعودي، وقد نبَّه الشاعر عبدالله بن إدريس إلى ذلك في تقديمِه للدراسة، فقال: "هذه الدراسةُ تناوَلت نتاجَ عددٍ محدودٍ من الشعراءِ السعوديين، وبخاصة "شعراء الحداثة"، ولم تتعرَّض لشعراءِ الأصالةِ إلا بمقدار: "تَحِلَّة القسم"! ربما كان السببُ صعوبةَ عثورِها على المصادرِ الأخرى من دراساتٍ ومجاميعَ شعريةٍ للشعراءِ الذين جَمَعوا بين الحُسنَيينِ، ولعلَّها في المستقبلِ تَستَدرِك ما فاتَها منه[3]".
ومن الأهميةِ أن نُشِير إلى أن هذه الدراسةَ تَعتَمِد فيها الباحثةُ على تطبيقِ صيغتينِ أساسيتينِ، شكَّلتا محورًا في دراساتِ الدكتور علي عشري زايد، وبخاصة في كتابيه: "استدعاء الشخصيَّات التراثيَّة في الشعرِ العربي للمعاصر"، و"الرحلة الثامنة للسندباد"، والصيغتانِ هما: "صيغة تسجيل الموروث"، و"صيغة توظيف الموروث".
وتركَّز بحثُ "أشجان" حول تطبيقِ الصيغة الثانية، في حين أغفَل - إلى حدٍّ بعيدٍ - مناقشةَ الصيغة الأولى التي قَصَرها الدكتور على عشري زايد على شعراءِ البعثِ والإحياءِ في مرحلتيها.
وهذا لا يُنقِص من قيمةِ الدراسة، بقدر ما يؤكِّد على ماهيتها.
أما المصادرُ الأساسيةُ التي اعتمدها الباحث مادَّةً لهذه للدراسةِ، فكانت - وفي المقامِ الأوَّل - دواوينَ الشعراءِ ومجموعاتِهم الشعريةَ، هذا بالإضافةِ إلى بعضِ الأشعارِ المبثوثة في ثنايا الصحفِ والدورياتِ، ولم يتمَّ نشرُها في الدواوين المطبوعة، وكذا الأشعار المُثبَتة في بعضِ الكتب الأدبية أو كتب التاريخ الأدبي لشعراءَ لم تَصدُر لهم دواوينُ مطبوعةٌ؛ مثل:
كتاب "تذكرة أولي النهى والعرفان"؛ لإبراهيم بن عبيد آل عبدالمحسن، ويحتوي على كثير من شعرِ الشاعرِ حسين بن نفيسة.
وكتاب "شعراء هجر" للدكتور عبدالفتاح الحلو.
وكتاب "المفقود من شعر علي بن محمد السنوسي"، للدكتور عبدالله بن محمد أبو داهش.
إلى جانبِ ما اقتضته طبيعةُ الدراسةِ من مصادرَ ومراجعَ مثبتةٍ في نهايةِ البحث.
أما منهجُ البحثِ، فهو المنهج المتكامل؛ حيث يقومُ على تتبُّع آثارِ التيَّار المحافظ - في الطورين الأول والثاني - مصنَّفةً في أغراضِها الشعرية مع تطبيقِ المنهج التاريخي في تصنيف الشعراءِ، ويَسعَى من خلالِ ذلك إلى إبرازِ السماتِ العامَّة للتأثر، مرتبطةً بالاتجاهِ الفني، ومن ثَمَّ فإن الدراسةَ التحليلية تقومُ على تتبُّع تأثيرِ التراث الشعري في الأفكار والمعاني، والمعجم الشعري، والصورة الفنية، وموسيقا الشعر.
وتقعُ هذه الدراسةُ في وحدتينِ رئيستينِ، هما:
الباب الأول والثاني، عدا التمهيد والخاتمة.
فأما التمهيد، فقد جاء في خمسةِ مباحثَ، كان التركيزُ فيها على الجانبِ النقدي، وتحدَّد في ضوئها المفهومُ العامُّ للتراث، والمفهومُ الخاصُّ بالموروثِ الشعري، وموقفُ النقَّاد القدماء والمعاصرين من التراث، ثم الموجِباتُ التي تحتِّم اتصالَ الشاعرِ العربي بالتراثِ، وأخيرًا ارتباط الشاعرِ السعودي بالتراثِ وموقفه منه.
وتناول البابُ الأوَّل الطورَ الأوَّل من المحافظينَ السعوديين، وهم شعراءُ البعث والإحياء، وجاء في فصلينِ:
تتبع الأولُ - في ثلاثةِ مباحثَ - حالةَ الشعرِ في أقربِ العصور إلى عصرهم، وعلاقتَهم بموروثِ الشعرِ العربي القديمِ، ومفهومَهم للشعرِ.
وتناوَل الفصلُ الثاني - من هذا الباب - الحديثَ عن تأثيرِ التراثِ الشعري في نتاج شعراءِ هذا الطورِ، من خلال أربعةِ مباحثَ:
تابع الأوَّل كيفيةَ تأثرِهم المباشر، ومن ثم توقفَهم عند الأغراضِ الكبرى التي قام عليها الشعر العربي القديم.
ورصد الثاني ملامحَ محاكاتِهم للمضامينِ القديمةِ في قصيدتي المديح والرثاء.
وتحدَّث الثالثُ عن شدَّة تأثرِهم بموسيقا الشعِر العربي القديمِ.
كما تحدَّث الرابعُ عن كيفيَّة استلهامِهم للصورةِ الفنية القديمة، بعد تمهيدٍ يسلِّط الضوءَ على جملةٍ من الصفات التي غلبت على طبيعة الصورةِ التي استخدمها الشاعر العربي القديم.
أما الباب الثاني، فيتناولُ الحديثَ عن مظاهر تأثيرِ التراث الشعري في نتاجِ شعراءِ التقليدية الحديثةِ - طور التجديد المحافظ - وأمكن تتبُّع تلك الظواهر التي صاحبت استخدامَهم للموروثِ الشعري في خمسةِ فصولٍ:
الأول منها يحدِّد ملامحَ التزامِهم بالموسيقا الشعريةِ الموروثةِ، سواء في الإيقاعِ الداخلي أو الخارجي، وذلك بعد تصديرِ الكلام في هذا الفصلِ بتوطئةٍ تبيِّن موقفَهم المتضامِن مع النظامِ للموسيقا.
والفصل الثاني: يختصُّ بتتبُّع ظاهرةٍ من ظواهرِ التأثر المباشرِ بالموروث الشعري، وهي المعارضاتُ الشعرية، وعُنِي الباحثُ هنا باستقصاءِ ملامحِ التأثير في معارضاتِهم الصريحة والضمنية "الوزنية".
وفي الفصل الثالث: تتبَّع الباحثُ ملامحَ تأثيرِ التراث الشعري في الأغراضِ والقيمِ المعنوية، سواء في الموضوعاتِ التي وافقت الموضوعاتِ القديمةَ أو المستحدثة.
أما الفصل الرابع، فقد أفردَ فيه الحديثَ عن أثرِ الموروثِ الشعري في الصورِ والأخيلة، وكيفيةِ تأثُّرهم بجاهزيةِ الصورة القديمة، وتأثُّرهم بمفهومِ القدماء للصورة الشعرية.
وفي الفصل الخامس: تتبَّع الباحثُ مظاهرَ تأثيرِ التراثِ في المعجم الشعري، وأمكن في هذا الفصلِ بيان موقفِهم المتمسِّك باللغة العربية الفصحى والمدافع عنها، كما تم رصدُ بعضِ ملامح التأثر في المفردةِ والتركيب اللغوي.
وأخيرًا عرَض الباحثُ في الخاتمةِ أهمَّ النتائج التي تمخَّضت عن هذا البحثِ.
وفي الختامِ أحمدُ الله - تعالى - الذي هيَّأ لي فرصة البحث، وأعانني على إتمامه على هذا النحو.
واللهَ أسألُ أن يجعلَ عملَنا هذا خالصًا لوجهِه الكريم، وأن يوفِّقنا إلى ما فيه الخير والسداد؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ.
وأتوجَّه بخالصِ شكري وتقديري إلى أستاذي الفاضلِ المُشرِف على البحث، سعادةِ الدكتور/ صالح بدوي، الذي أَولَى هذا العملَ وصاحبَه من رعايتِه الكريمة، وتوجيهاتِه السديدة، وأخلاقه الفاضلة ما لا يحيط به الشكر والعرفان؛ فجزاه الله عني خير الجزاء.
الخاتمة
وبعد أن تناولَ البحثُ قضيةَ أثرِ الموروث الشعري القديم في شعرِ المحافظين السعوديين بالدراسة والتحليلِ - انتهى إلى تقديمِ صورةٍ واضحةِ المعالِم، تَكشِف عن حقيقةِ شعراءَ تأصَّل فيهم الانتماءُ إلى جذورِ الشعر العربي الموروث، وتَفَاوَتوا بعد ذلك في طبيعةِ فهمِهم له، وحدودِ عَلاقتِهم به، كما اختلفوا في نسبةِ تأثره، وكيفيةِ تمثُّله ومعالجتِه، وطرائق التعامل معه والتعبيرِ عنه.
وتبيَّن من خلالِ الدراسة أن موقفَ الشعرِ السعوديِّ المحافظِ من التراث الشعري يتمثَّل في نتاجِ طَورينِ يختلفانِ في طرائقِ التأثر بالموروثِ الشعري، الذي ينعكس مختلفًا في الشكل والمضمون لكلِّ طور.
فالطور الأول، وأصحابُه هم التراثيون الإحيائيون، تشدَّدوا في المحافظةِ على موروث الشعر العربي، وكادت عَلاقتُهم - التي لا تخرجُ في الغالبِ عن دائرةِ التأثُّر الصرف والاستمدادِ المباشر - أن تَنحصِر في عصور الشعر العربي الأُولَى، فالتَصقوا بها أكثرَ من غيرِها، وأداروا جلَّ نتاجِهم الشعري في فلَكِها، وعادوا بالحاضرِ إلى الماضي، وقَنعوا بذلك، وبدا أثرُ الاستمدادِ المباشرِ - بوضوحٍ - في معالجتِهم الشعرية، سواء في الشكل أو المضمون.
فمن ناحية الشكل:
أثبَتت هذه الدراسةُ أنهم تأثَّروا في جانبٍ من شعرِهم بهيكلِ القصيدةِ القديمة، الذي يقوم على الأغراضِ المركَّبة، فحَافظوا على بناءِ القصيدةِ القديمة وترتيبِها الموضوعي، وأتبعوا ذلك: بالاستمدادِ المباشرِ لمقاطعِ النصوص القديمةِ، واحتذاءِ معانيها، والتأثُّر المباشر بمذهبِ العربِ وطريقتهم في تأديةِ تلك الموضوعات؛ بهدف إظهارِ المقدرةِ على النظم في مثلِ ذلك.

تعليق