معجم "مفاتيح التّراث".. حفريّات لغويّة في تاريخنا الثقافي

د. سهى نعجة*
"والزمن هذا اختلف فلا شيء يكرّر نفسه، كيف لا وللمعنى أزمنة، بها تتعدّد الدلالة فتتنوّع وتتكاثر، ولا يكون فيها ما يطابق من الأول آخره: زمن النشأة، إذ تتخلّق الفكرة، وزمن الكتابة حين يتحقّق الفضاء، وزمن القراءة ثم زمن المحاورة أو المجادلة، وخلل جيل أن نتغافل عن تراتب الأزمنة في تضاعيف الوعي بها يكمن جوهر الإدراك ومغزى التأويل، وعليهما تترتيب علاقة الفكر بالوجود"..
عبد السلام المسدّي
تنفّس د.محمد عبيد الله العربيةَ يفاعة، فغدت سلواه ونجواه ومأموله ورجواه، فقرأ سيرتها وسيرورتها حتى إذا استوت على سوقها شبابا ألفيتها عصاه يتوكؤها بنبل معرفي، وبرشد رؤيوي، وبحصافة جليّة، وبعرفان جليل، وببسالة منهجية تسوم دوالّها لتروز كثافة حضورها ومدلولاتها، ولوازمها الإسناديّة والإعرابيّة، حقيقة ومجازا في إرثنا العربي الذي ينام على ميراث عليّ شاهق قصيّ ماديا ومعرفيّا.
تنفّس العربيّة بعمق فألفيتَه يزفّ للمكتبة العربيّة معجمًا يستأنف جهود المعجميين الأقدمين والمحدثين: فرادى وزرافات برؤية تقاربهم بقدْر ما تفارقهم من غير انحراف أو عدول عن مدلول الدوالّ، فقد نهد يتوسّل بمنهجيّة لعلّها أكثر يُسرا في الكشف عن سيرة الدوال وسيرورتها، منهجية مفادها بسط الدوال ألفبائيًّا في مداخل معجمية على وفق نظريّة الحقول الدلالية بعد تحريرها من بعض اللواصق التي لا تسمن ولا تغني من جوع، كألفاظ التثنية والجمع، وأبو وابن، وإبقاء الدال على حاله جمعا كان أو مفردا، وحرص على مدخلات مستقلة ضمن الألفبائية في تعريف المتلازمات والمصاحبات والمسكوكات اللغوية، ونفر من دوال مطّردة لا يشفعها مدلول خاص ليكون معجمه معجما علميًا ينفث الروح في الدوال المتثائبة والناعسة والنائمة والعميّة، بلغة مأنوسة تفارق سمت منهجية بناء المعجمات العربية التي تقف عند حدود المعنى من غير أن تمسّ المدلولات، فقد عُني عبيد الله بأن يعقل مدلول الدوال بالنّص على الرأي الراجح والمرجوح، وبالحرص على أن تبدو شخصيته البلاغية الإبلاغية في ما يجمع مما جعله ينفرد بالرأي في مواضع كثيرة برزت في هذا المعجم الموسوم بعنوان:
"مفاتيح التراث: معجم الأديان والمعتقدات والمعرف قبل الإسلام" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2021)، وهو المعجم الذي يبدو مغامرة جريئة نظرا لاعتياص المادة اللغوية حول الدوالّ، وقلة الروافد المرجعية الشعرية والنثرية والمصادر والمراجع والحفريّات التي تُعنى بها، ولا سيّما أنها تبحث في مرحلة غبشة في أثر تنْشُده عنها، ولا سيما شعرا إذ يضيق الشعر بسبب الوزن والقافية عن الاتساع المعرفي، فيوجز، عدا أنه يكنّي ويشبّه، يحظر بآليات الصنعة الشعرية من مجاز وتشبيه واستعارة، تجعل المدلول ينوس في ذهنية المتلقّي.
وتوسّد عبيد الله زند العربية، وشفع شغفه بها بجُملة من الروافد المرجعية التي تغتني بها الذاكرة الإنسانية، وذاكرة المكان إذ جادت بها المكتبات لتصير ينبوع الظمآن، وأرَب الوسنان، وهداية الرّيّان قاب ضلال معرفيّ. بل لترسّخ حضورها بوصفها مكنز الدارس المتخصص الخبير المعنّى بالحفر عمقا في الوجدان الإنساني الذي تسرده عبقرية ثقافتنا الإنسانية: شعرا ونثرا؛ عبقرية تضطلع بجلال الإنسان قبل الإسلام الذي وعى بفطرته أن ما تركه الأجداد على تباين الأديان حقّ عام لا يعترف بالطائفية أو بالعنصرية، بل لأنّ ما تركه السابق للاحق مشجب تنويريّ مفاده عدم الافتئات والمسخ والتخريب عبر التأويل الرؤيوي القابل لقلب الحقائق عبر استنطاق شائه للموروث المادّي، والديني والميثولوجي، فتتغدو المرآة غبِشة، بل تتشظّى لتظلّ صورة العربي معمّاة مناطها الرجل رجل غابة والمرأة امرأة كهف.
لقد تجاوز عبيد الله في معجمه هذا الرؤية النصيّة في الصناعة المعجمية التي تأسست وفق رؤية مفادها استقراء منابع الدوالّ اللغويّة ومصبّاتها إلى تناصّ شجاع حذِر مترع بالإشراقات وبالرموز حمالة مآلات التباين المدلولي الملتوت بالموقعيّة النصيّه، وتعالقها مع تباشير مدلولها المعجمي استعارة كان أو خرافة أو أسطورة تشمس فيها المعاني غاية وسلوكا، إفرادا وتركيبا ويتجاوز فيها الدال حدود البنية السطحية إلى بنية عميقة تسمو بمعانيها البكر، وبمعانيها السيّارة في الثقافة اليوميّة والأدبية، أو بتعدّد مقروئيتها بما يحقّق التماسك النّصّي أنّى وردت في حكايات الدوال اللغوية ومرجعيّاتها التي تجاوزت حدود العصر الجاهلي، ورام بعضها حضورًا في ثقافتنا المعيش فيها، ولا سيما تلك الدوال التي تغذُّ الخطى درجا في اللسان، أو اعتقادا في الذهنية الحياتية كــ"الضّرب بالودع" تكنية عن السحر وكشف الطالع، و"الاستقسام بالأزلام" التي ترمز لثقافة غيبيّة تساعد على معرفة الحظّ، وما خفي عن البشر حتى يغدو "مستسقي الأزلام" في عالم غيبيّ مقود فيه لما يستدلّ عليه من هذا الاستقسام، ورهن ما يناط به من أعمال، و"التطيّر" ببعض ما يرى بوصفه دلالة شرّ، نحو: "البارح"، و"اختلاج العين"، أو دوالّ يتبارك بها نحو: "السانح".
لقد أدرك عبيد الله أن خطاب المعجم خطاب هُوية، وتنمية، ونهضة معرفية ودينيّة، ومحرّكا وباعثا للوجدان العربي يُهندس التفكير الإنساني العربيّ بعيدًا عن الإجحاف التأويلي، والاختراق الفكري، والاخنزال المنهجي، والمواضعات الاعتباطية، والغرائز الثقافية المرتهنة بزمان ومكان، لأنه خارج الزمان لا ضمن التزمين، ذلك أن التزمين قيد والزمان مفتوح، كما أنها نصوص خارج المكان لأنّ المكان قيدٌ أيضا.
مهر عبيد الله الصناعة المعجمية، بوصفها صناعة وفنا، غير أنه تمرّد غالبًا على جمود الدال ومدلوله أنى تعدّد، وطفق يجادل بمنهجبة تخلو من العوالق والزوائد اللغوية المتطفّلة عقب استقراء مقولات المعجميين في الدلالة المعجمية في معجماتهم العامّة والمتخصصة، الموروثة والمستحدثة عبر شبكة علاقات تقوم على المجاورة والمفارقة المُعلنة والمُضمرة، ليكون صوته أجلّ ما ماز معجمه، ففيه متعة التأمل، وكياسة التدبر، وسموّ الكشف، والتعالي والتجلّي عبر استكناه المعنى العام للدوال المعجميّة، وتآخيها مع معناها اللغويّ ليؤكد تآخي الكلمات وتصاهرها وإن مرّت بعصور بادت، من ذلك "الأبيل" تسمية لوظيفة دينيّة ذات تبجيل وتشريف ضمن وظائف الديانة المسيحية التي وردت في العصر الجاهلي، فبعد أن وقف على مدلولها واشتقاقه في ما ورد في المرجعيّات المعرفية: الموروثة والمستحدثة، وجلّى رؤية اللغويين لها، وورودها في الشعر العربيّ المحتجّ به انتصر لرأي يتقاطع فيه المصطلحي مع اللغوي، فقال: " وإذا لم نستبعد الربط بين (الأبيل)، و(الإبل)، أمكن أن نجد رابطا بين امتناع (الإبل) وصبرها عن الماء، وزهد الرّاهب المتديّن عن الدنيا وضروب اللذة، وعلى ذلك نقدّر أن (الإبل) و(الأبيل) من أصل ساميّ واحد، تطوّر معناه باتجاه الدين في السريانية، وفي العربية ارتبط معناه بـ(الإبل). و(الأبيل) أقرب أن تكون من المعنى الديني وليس من معنى الإبل" (ص19).
فعبيد الله يجوز حقل الألغام الذي يميز الصناعة المعجمية، ويكسر خاطر الكلمات المتطفلة، وينقّيه من أدران الخطأ بما لا يسمح لمرتاديه بتغييب العقل، والتفكّر بهذا الصوغ البنائي المدروس لمدلول دوالّه التي تكاثرت في المعجم، لكن غلب عليها الدال المفرد: المعرّف نحو: "الرئيّ" و"الشارق" وغيرهما، كما حضر الدال المفرد حضورا أقلّ من المركب نحو: "أوال" و"عبقر" وغيرهما، وطغى الدال المركب تركيبا إضافيّا بوصفه كتلة واحدة حاملة للمعنى، نحو: "أيام التشريق" و"منازل القمر" وغيرهما، وغلب حضور الأعلام في المعجم التي تدلّ على أسماء الأصنام، نحو: "سواع" و"يعوق" و"يغوث" و"هُبلط وغيرها، ثم حضر الدال المركب تركيبا إضافيا، نحو: "أسماء الأيام" و"منازل القمر"، في ما نبَتْ بعض الدوال فغدت جملة، نحو: "الاستقسام بالأزلام" و"الاهتداء يالنجوم" و"الخط على النمل" وغيرها، كما حضرت الجملة المعطوفة، نحو: "إساف ونائلة" و"أجأ وسلمى" و"البارح والسانح" و"التصدية والمكاء"، وندر عطف جملة على جملة كما في: "النسر الواقع"، و:النسر الطائر".
وهذه الجسارة التي تفترق ولا تتفق مع كثير جدا من معجماتنا اللغوية، وتنضاف إلى معجمات المعاني تؤكّد لناشدي التحجر في التصنيف المعجمي إهمال ما يصدرون من معاجم، التي تغدو هدرا للوقت ومشغلة للفكر لأن المعجم لا يبيت على بضعة دوالّ تتناوب على أصلين: يائي وواويّ نحو: "تاه يتوه ويتيه" و"ضاع يضوع ويضيع"، فمدلول هذين الأصلين: الواوي واليائي تثبت الحفرية اللغوية، حظوة الدالّ بالمعنيين في تصريفهما، وبتقاطعهماِ دلالة، لكن تبْيِئة الدال وتسييقه تهجم على معنى دون معنى مما يؤكد تساوق نظرية سياق الحال أو المقام مما يعني دأب عبيد الله على صناعة معجمية مقاربة صناعة الأقدمين، لكنها لا ترتهن لرؤاهم التي التي تغيّب العقل غالبا في تحديد المدخل المعجمي، وتجمع الدوال أحيانا كحاطب ليل من غير قرينة تحفز المتلقي على الاستدلال على الدال في أصل الوضع، والدال في كينونته الحاليّة بصرف النظر عن المفارقة بين المدلولات المتناقضة، أو المدلولات التي تعود منها كمن عاد بخُفي حنين.
ومن هنا نبا في خاطر عبيد الله هذا الدفق العلمي الممنهج، فأخدً يشدَ أزر معجممه بتأويل جليّ لا تلغيز فيه أو ترميز، وشرع يُعنى بشرعية رأيه يثبته في موضعه بناء على حِجاج لا ريبة فيه، نحو ما أورده عن "إغلاق الظهر" العادة القديمة التي مفادها أن الرجل إذا بلغت إبله مئة عمد إلى البعير الذي أمأت به، فأغلق ظهره لئلا يُركب، وليُعلم أن صاحبه "ممء" أي يملك مئة من الإبل. لكنّ حدس عبيد الله قارب هذا الفعل ببعض العادات المألوفة لردّ العيْن، وقال بما يقنع المتلقّي بعد أن أورد ما قيل حول هذا التركيب الإضافي: "أمّا تفسير هذا الصنيع فيتجاوز الوظيفة العددية التي تؤذن ببلوغ الإبل مئة، ونرجّح أنه من ضروب معالجة الحسد كي لا تصاب الإبل بالعين لكثرتها، فيلحق بها الضرر، فالجمل منزوع الفقار لا بدّ من أن تتأثر مشيته وحركته، فتقع العين عليه، لاختلافه عن غيره، فكأنه بما أصابه من ضرر قصديّ يردّ عن الإبل كلّها أثر الحسد، والإصابة بالعين، ففيه إذن بعض ما عمدوا إليه من ضروب النفير والتنجيس لردّ آثار العيون، وآثار الإنس والجنّ" (ص55).
وسكنت عبيد الله نظرية التأصيل والتأثيل، فحاول مرارا ردّ الدوال إلى أصلها عبر النص على أنها روميّة، أو يونانية، أو فارسية، وعبر محاولة ردّ البنية إلى حضورها التاريخي، ومع أنّ هذا "التأثيل للدوال وتأصيلها" كما نصّ عليهما عبيد الله غير مرة في محاولة مضمرة منه تشي بأنه أراد لمعجمه هذا أن يكون معجما تاريخيا أيضا، فإنه مشير حتميّ أن عبيد الله يزاوج بين المصطلحدين: "التأصيل" و"التأثيل"، ويعدّهما واحدًا أسوة ببعض اللسانيين، غير أنهما ليسا كذلك، فهما يتآخيان فكرة لكنهما حقلان متباينان؛ إذ التأثيل يستقري الدوالّ في أصل وضعها وعلى وفق اقترانها بأخواتها اللغات ضمن الأرومة الواحدة، أمّا التأصيل فيُعنى بأصل الدال في عهد ظهوره للمرة الأولى على هيئته التي هو عليها، فالأول يعنى بالتقاطع الدلالي، في ما يُعنى الثاني بالجذر لحظة التكوين، فحبذا لو اقتصر عبيد الله عند مصطلح واحد منهما يبينه في المقدمة، ويطوره في الاستعمال.
ويسعنا أن نعلن مكاشفين أن معجم "مفاتيح التراث" معجم أمّة، وأنه في حاجة مسيسة لتضافر جهود علماء اللغة، والأدب، والدين والتأصيل والتأثيل والميثولوجيا، والجغرافيا والتاريخ، والرموز والأساطير، وغيرهم، إنه رهن مكاشفة تجلّ إذ تكشف لنا اليوم هذا التعالق بين الدوال التي عدّها "مفاتيح التراث"، وبين ما ننام عليه من إرث معرفيّ يعضد ما نصّ عليه عبيد الله.
ولعلّ مطمح عبيد الله الذي جاء في تقدِمة الكتاب في دعوته علماء العربية يعرب عن غاية جليلة، وأسوة نبيلة جديرة بالنظر والمفاتشة والتمحيص، وهي فكرة مَعْجمة ألفاظ: "مصطلحات اللغة والكتابة، والأدب"، و"مَعْجمة الثقافة الشعبية"، و"مَعْجمة ألفاظ الحضارة المادية والفنون والألعاب والأزياء"، ولعلّها نفسها مطمح اتحاد مجامع اللغة العربية التي دعت إلى "معجم ألفاظ الحياة العامّة" في كل بلد أملا في إعادة قراءتها وإخراجها على هيئة معجم موحّد لألفاظ الحياة العامّة في الوطن العربي كلّه، فتقلّ الهوّة اللغويّة الثقافية من لدن أبناء العربية، لكنها الفكرة التي لم تنجز إلا في الأردن، وحظيت بجائزة وترحاب.
إن معجم "مفاتيح التراث" بريء من الصناعة المعجميّة التقليدية، منهجا، ومادة، وإن كان الدّال "معجم" مخيفا في الذهنية البشرية بعامّة، فهو عنصر طارد في ذهنيتنا العربية خاصّة، لكن منهجية الرؤية المعجمية نهضت عند عبيد الله، فالمعجم يأخذك منك، لأنه كمن يحيي العظام وهي رميم، مناط ذلك أن المتلقّي يعثر على المعلوم بلغة تقاربه تخلو من العبارة المُشبرقة والمزركشة لتؤتي أُكلها، ولتقيم مصالحة بين مدلول الدوال في المعجم ومدلولها في النصوص الأدبية التي مرت بها.
وعبيد الله إذ يوضّح المدلول اللغوي فإنه يحضر في النص ملء نفسه خلاف المعجميين النقلة، لذا تراه لا ينام على ظنّ لئلا تأخذه العزة بالإثم، فيسرف في توظيف أدواته المعرفية والمنهجية وقراءاته، ويُحسن نقلها إلى القارئ ولا سيما في مجالس نُزَه القلوب في مجالس السمر، والتروية الذهنية بما ينهض بالمتلقي ويكأنه في مراقٍ علوانيّة سماوية، ساعده في ذلك استثمارة ثيمة السرد التي شغلته وشاغلته فهرب منها -وما أحيلاه هروبا- إلى الرعاية المعجمية، إذ تجلّى في توضيحه الدوال كلّها، لكن بعض الدلالات أقرب للنفس، ولا سيما ما يتعلق بما كان في الجاهلية ونهى عنه الإسلام أو هذّبه، ويبرز هذا الحراك في مدلول بعض الأصنام، وتعقيب عبيد الله عليه أنه من الثقافة المسيحيّة أو اليهوديّة الرمزية أو الشعبية أو الدينية لغايات وعظية أو تحذيريّة أو عاطفيّة، كما يبلغ منتهاه في تفسيره دوالّ الطيَرة والحسد والسحر، وكأن الزمان آنذاك هو الزمان اليوم ما يزال ينام تحت لحاف الخرافة، والويل الويل لمن آمن بها وأضجت دينه ودَيْدَنه.
"مفاتيح التراث" انفتح على المعتقدات والمعارف العامّة والخاصة، فلم يخلُ من عمود يوضح فيه دالا طبيّا، كـ"الأزْم"، أو بعض مناسك الحج قبل الإسلام كـ"التشريق"، أو بعض الحيوانات التي عرفت قبل الإسلام، ودارت حولها حكايات ومعارف، كالحيّة مثلا.
ونفَذت بصيرة عبيد الله في بناء "مفاتيح التراث"، إذ أسرى إلى إرث لغويّ ومعرفيّ شاهق، وعرج نحو رؤية غائيّة شاهقة، امتشقت نبل عين الصقر لتهدي المكتبة العربيّة لا بل العالميّة فيوض كرّها وفرّها في ملكوت العربية وقريناتها من اللغات التي تقاربها نظاما ونشأة قصد بلوغ مدلول يشي بذهنيته وبمعارفه العامّة والخاصّة، فيشيع بين أبناء العلم بعيدا عن الانحيازات العرجاء، والرؤى الضريرة.
وعلى هدي الانفتاح الحُرّ على الدراسات الموروثة والمستحدثة التي تحترف قراءة النصّ الأدبي بخاصّة، انماز عبيد الله بالتمحيص، والتثبّت، والتّدقيق، واستصفاء الملامح المائزة للدوال اللغويّة من غير أن يسقط في جُبّ اللذية اللغويّة، والغواية الانفعالية التي مازت الكثير من الدراسات الأدبيّة المعاصرة؛ ذلك أن أي نصّ إذا أراد أن يضمن مقروئيته عليه أن يعيد إنتاج جزء من البناء التقليدي الذي انطلق منه، أو الذي يحيل إليه أي أن يعلن عن انتسابه إلى أنموذج ثقافيّ محدّد يتمرّى مرجعيّاته: اللغويّة، والشرعيّة، والثقافية والتاريخية، وغيرها وفي الوقت نفسه يتمرّد على المعايير المهيمنة ليعلن استقلاليته وخصوصيته.

د. سهى نعجة*
"والزمن هذا اختلف فلا شيء يكرّر نفسه، كيف لا وللمعنى أزمنة، بها تتعدّد الدلالة فتتنوّع وتتكاثر، ولا يكون فيها ما يطابق من الأول آخره: زمن النشأة، إذ تتخلّق الفكرة، وزمن الكتابة حين يتحقّق الفضاء، وزمن القراءة ثم زمن المحاورة أو المجادلة، وخلل جيل أن نتغافل عن تراتب الأزمنة في تضاعيف الوعي بها يكمن جوهر الإدراك ومغزى التأويل، وعليهما تترتيب علاقة الفكر بالوجود"..
عبد السلام المسدّي
تنفّس د.محمد عبيد الله العربيةَ يفاعة، فغدت سلواه ونجواه ومأموله ورجواه، فقرأ سيرتها وسيرورتها حتى إذا استوت على سوقها شبابا ألفيتها عصاه يتوكؤها بنبل معرفي، وبرشد رؤيوي، وبحصافة جليّة، وبعرفان جليل، وببسالة منهجية تسوم دوالّها لتروز كثافة حضورها ومدلولاتها، ولوازمها الإسناديّة والإعرابيّة، حقيقة ومجازا في إرثنا العربي الذي ينام على ميراث عليّ شاهق قصيّ ماديا ومعرفيّا.
تنفّس العربيّة بعمق فألفيتَه يزفّ للمكتبة العربيّة معجمًا يستأنف جهود المعجميين الأقدمين والمحدثين: فرادى وزرافات برؤية تقاربهم بقدْر ما تفارقهم من غير انحراف أو عدول عن مدلول الدوالّ، فقد نهد يتوسّل بمنهجيّة لعلّها أكثر يُسرا في الكشف عن سيرة الدوال وسيرورتها، منهجية مفادها بسط الدوال ألفبائيًّا في مداخل معجمية على وفق نظريّة الحقول الدلالية بعد تحريرها من بعض اللواصق التي لا تسمن ولا تغني من جوع، كألفاظ التثنية والجمع، وأبو وابن، وإبقاء الدال على حاله جمعا كان أو مفردا، وحرص على مدخلات مستقلة ضمن الألفبائية في تعريف المتلازمات والمصاحبات والمسكوكات اللغوية، ونفر من دوال مطّردة لا يشفعها مدلول خاص ليكون معجمه معجما علميًا ينفث الروح في الدوال المتثائبة والناعسة والنائمة والعميّة، بلغة مأنوسة تفارق سمت منهجية بناء المعجمات العربية التي تقف عند حدود المعنى من غير أن تمسّ المدلولات، فقد عُني عبيد الله بأن يعقل مدلول الدوال بالنّص على الرأي الراجح والمرجوح، وبالحرص على أن تبدو شخصيته البلاغية الإبلاغية في ما يجمع مما جعله ينفرد بالرأي في مواضع كثيرة برزت في هذا المعجم الموسوم بعنوان:
"مفاتيح التراث: معجم الأديان والمعتقدات والمعرف قبل الإسلام" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2021)، وهو المعجم الذي يبدو مغامرة جريئة نظرا لاعتياص المادة اللغوية حول الدوالّ، وقلة الروافد المرجعية الشعرية والنثرية والمصادر والمراجع والحفريّات التي تُعنى بها، ولا سيّما أنها تبحث في مرحلة غبشة في أثر تنْشُده عنها، ولا سيما شعرا إذ يضيق الشعر بسبب الوزن والقافية عن الاتساع المعرفي، فيوجز، عدا أنه يكنّي ويشبّه، يحظر بآليات الصنعة الشعرية من مجاز وتشبيه واستعارة، تجعل المدلول ينوس في ذهنية المتلقّي.
وتوسّد عبيد الله زند العربية، وشفع شغفه بها بجُملة من الروافد المرجعية التي تغتني بها الذاكرة الإنسانية، وذاكرة المكان إذ جادت بها المكتبات لتصير ينبوع الظمآن، وأرَب الوسنان، وهداية الرّيّان قاب ضلال معرفيّ. بل لترسّخ حضورها بوصفها مكنز الدارس المتخصص الخبير المعنّى بالحفر عمقا في الوجدان الإنساني الذي تسرده عبقرية ثقافتنا الإنسانية: شعرا ونثرا؛ عبقرية تضطلع بجلال الإنسان قبل الإسلام الذي وعى بفطرته أن ما تركه الأجداد على تباين الأديان حقّ عام لا يعترف بالطائفية أو بالعنصرية، بل لأنّ ما تركه السابق للاحق مشجب تنويريّ مفاده عدم الافتئات والمسخ والتخريب عبر التأويل الرؤيوي القابل لقلب الحقائق عبر استنطاق شائه للموروث المادّي، والديني والميثولوجي، فتتغدو المرآة غبِشة، بل تتشظّى لتظلّ صورة العربي معمّاة مناطها الرجل رجل غابة والمرأة امرأة كهف.
لقد تجاوز عبيد الله في معجمه هذا الرؤية النصيّة في الصناعة المعجمية التي تأسست وفق رؤية مفادها استقراء منابع الدوالّ اللغويّة ومصبّاتها إلى تناصّ شجاع حذِر مترع بالإشراقات وبالرموز حمالة مآلات التباين المدلولي الملتوت بالموقعيّة النصيّه، وتعالقها مع تباشير مدلولها المعجمي استعارة كان أو خرافة أو أسطورة تشمس فيها المعاني غاية وسلوكا، إفرادا وتركيبا ويتجاوز فيها الدال حدود البنية السطحية إلى بنية عميقة تسمو بمعانيها البكر، وبمعانيها السيّارة في الثقافة اليوميّة والأدبية، أو بتعدّد مقروئيتها بما يحقّق التماسك النّصّي أنّى وردت في حكايات الدوال اللغوية ومرجعيّاتها التي تجاوزت حدود العصر الجاهلي، ورام بعضها حضورًا في ثقافتنا المعيش فيها، ولا سيما تلك الدوال التي تغذُّ الخطى درجا في اللسان، أو اعتقادا في الذهنية الحياتية كــ"الضّرب بالودع" تكنية عن السحر وكشف الطالع، و"الاستقسام بالأزلام" التي ترمز لثقافة غيبيّة تساعد على معرفة الحظّ، وما خفي عن البشر حتى يغدو "مستسقي الأزلام" في عالم غيبيّ مقود فيه لما يستدلّ عليه من هذا الاستقسام، ورهن ما يناط به من أعمال، و"التطيّر" ببعض ما يرى بوصفه دلالة شرّ، نحو: "البارح"، و"اختلاج العين"، أو دوالّ يتبارك بها نحو: "السانح".
لقد أدرك عبيد الله أن خطاب المعجم خطاب هُوية، وتنمية، ونهضة معرفية ودينيّة، ومحرّكا وباعثا للوجدان العربي يُهندس التفكير الإنساني العربيّ بعيدًا عن الإجحاف التأويلي، والاختراق الفكري، والاخنزال المنهجي، والمواضعات الاعتباطية، والغرائز الثقافية المرتهنة بزمان ومكان، لأنه خارج الزمان لا ضمن التزمين، ذلك أن التزمين قيد والزمان مفتوح، كما أنها نصوص خارج المكان لأنّ المكان قيدٌ أيضا.
مهر عبيد الله الصناعة المعجمية، بوصفها صناعة وفنا، غير أنه تمرّد غالبًا على جمود الدال ومدلوله أنى تعدّد، وطفق يجادل بمنهجبة تخلو من العوالق والزوائد اللغوية المتطفّلة عقب استقراء مقولات المعجميين في الدلالة المعجمية في معجماتهم العامّة والمتخصصة، الموروثة والمستحدثة عبر شبكة علاقات تقوم على المجاورة والمفارقة المُعلنة والمُضمرة، ليكون صوته أجلّ ما ماز معجمه، ففيه متعة التأمل، وكياسة التدبر، وسموّ الكشف، والتعالي والتجلّي عبر استكناه المعنى العام للدوال المعجميّة، وتآخيها مع معناها اللغويّ ليؤكد تآخي الكلمات وتصاهرها وإن مرّت بعصور بادت، من ذلك "الأبيل" تسمية لوظيفة دينيّة ذات تبجيل وتشريف ضمن وظائف الديانة المسيحية التي وردت في العصر الجاهلي، فبعد أن وقف على مدلولها واشتقاقه في ما ورد في المرجعيّات المعرفية: الموروثة والمستحدثة، وجلّى رؤية اللغويين لها، وورودها في الشعر العربيّ المحتجّ به انتصر لرأي يتقاطع فيه المصطلحي مع اللغوي، فقال: " وإذا لم نستبعد الربط بين (الأبيل)، و(الإبل)، أمكن أن نجد رابطا بين امتناع (الإبل) وصبرها عن الماء، وزهد الرّاهب المتديّن عن الدنيا وضروب اللذة، وعلى ذلك نقدّر أن (الإبل) و(الأبيل) من أصل ساميّ واحد، تطوّر معناه باتجاه الدين في السريانية، وفي العربية ارتبط معناه بـ(الإبل). و(الأبيل) أقرب أن تكون من المعنى الديني وليس من معنى الإبل" (ص19).
فعبيد الله يجوز حقل الألغام الذي يميز الصناعة المعجمية، ويكسر خاطر الكلمات المتطفلة، وينقّيه من أدران الخطأ بما لا يسمح لمرتاديه بتغييب العقل، والتفكّر بهذا الصوغ البنائي المدروس لمدلول دوالّه التي تكاثرت في المعجم، لكن غلب عليها الدال المفرد: المعرّف نحو: "الرئيّ" و"الشارق" وغيرهما، كما حضر الدال المفرد حضورا أقلّ من المركب نحو: "أوال" و"عبقر" وغيرهما، وطغى الدال المركب تركيبا إضافيّا بوصفه كتلة واحدة حاملة للمعنى، نحو: "أيام التشريق" و"منازل القمر" وغيرهما، وغلب حضور الأعلام في المعجم التي تدلّ على أسماء الأصنام، نحو: "سواع" و"يعوق" و"يغوث" و"هُبلط وغيرها، ثم حضر الدال المركب تركيبا إضافيا، نحو: "أسماء الأيام" و"منازل القمر"، في ما نبَتْ بعض الدوال فغدت جملة، نحو: "الاستقسام بالأزلام" و"الاهتداء يالنجوم" و"الخط على النمل" وغيرها، كما حضرت الجملة المعطوفة، نحو: "إساف ونائلة" و"أجأ وسلمى" و"البارح والسانح" و"التصدية والمكاء"، وندر عطف جملة على جملة كما في: "النسر الواقع"، و:النسر الطائر".
وهذه الجسارة التي تفترق ولا تتفق مع كثير جدا من معجماتنا اللغوية، وتنضاف إلى معجمات المعاني تؤكّد لناشدي التحجر في التصنيف المعجمي إهمال ما يصدرون من معاجم، التي تغدو هدرا للوقت ومشغلة للفكر لأن المعجم لا يبيت على بضعة دوالّ تتناوب على أصلين: يائي وواويّ نحو: "تاه يتوه ويتيه" و"ضاع يضوع ويضيع"، فمدلول هذين الأصلين: الواوي واليائي تثبت الحفرية اللغوية، حظوة الدالّ بالمعنيين في تصريفهما، وبتقاطعهماِ دلالة، لكن تبْيِئة الدال وتسييقه تهجم على معنى دون معنى مما يؤكد تساوق نظرية سياق الحال أو المقام مما يعني دأب عبيد الله على صناعة معجمية مقاربة صناعة الأقدمين، لكنها لا ترتهن لرؤاهم التي التي تغيّب العقل غالبا في تحديد المدخل المعجمي، وتجمع الدوال أحيانا كحاطب ليل من غير قرينة تحفز المتلقي على الاستدلال على الدال في أصل الوضع، والدال في كينونته الحاليّة بصرف النظر عن المفارقة بين المدلولات المتناقضة، أو المدلولات التي تعود منها كمن عاد بخُفي حنين.
ومن هنا نبا في خاطر عبيد الله هذا الدفق العلمي الممنهج، فأخدً يشدَ أزر معجممه بتأويل جليّ لا تلغيز فيه أو ترميز، وشرع يُعنى بشرعية رأيه يثبته في موضعه بناء على حِجاج لا ريبة فيه، نحو ما أورده عن "إغلاق الظهر" العادة القديمة التي مفادها أن الرجل إذا بلغت إبله مئة عمد إلى البعير الذي أمأت به، فأغلق ظهره لئلا يُركب، وليُعلم أن صاحبه "ممء" أي يملك مئة من الإبل. لكنّ حدس عبيد الله قارب هذا الفعل ببعض العادات المألوفة لردّ العيْن، وقال بما يقنع المتلقّي بعد أن أورد ما قيل حول هذا التركيب الإضافي: "أمّا تفسير هذا الصنيع فيتجاوز الوظيفة العددية التي تؤذن ببلوغ الإبل مئة، ونرجّح أنه من ضروب معالجة الحسد كي لا تصاب الإبل بالعين لكثرتها، فيلحق بها الضرر، فالجمل منزوع الفقار لا بدّ من أن تتأثر مشيته وحركته، فتقع العين عليه، لاختلافه عن غيره، فكأنه بما أصابه من ضرر قصديّ يردّ عن الإبل كلّها أثر الحسد، والإصابة بالعين، ففيه إذن بعض ما عمدوا إليه من ضروب النفير والتنجيس لردّ آثار العيون، وآثار الإنس والجنّ" (ص55).
وسكنت عبيد الله نظرية التأصيل والتأثيل، فحاول مرارا ردّ الدوال إلى أصلها عبر النص على أنها روميّة، أو يونانية، أو فارسية، وعبر محاولة ردّ البنية إلى حضورها التاريخي، ومع أنّ هذا "التأثيل للدوال وتأصيلها" كما نصّ عليهما عبيد الله غير مرة في محاولة مضمرة منه تشي بأنه أراد لمعجمه هذا أن يكون معجما تاريخيا أيضا، فإنه مشير حتميّ أن عبيد الله يزاوج بين المصطلحدين: "التأصيل" و"التأثيل"، ويعدّهما واحدًا أسوة ببعض اللسانيين، غير أنهما ليسا كذلك، فهما يتآخيان فكرة لكنهما حقلان متباينان؛ إذ التأثيل يستقري الدوالّ في أصل وضعها وعلى وفق اقترانها بأخواتها اللغات ضمن الأرومة الواحدة، أمّا التأصيل فيُعنى بأصل الدال في عهد ظهوره للمرة الأولى على هيئته التي هو عليها، فالأول يعنى بالتقاطع الدلالي، في ما يُعنى الثاني بالجذر لحظة التكوين، فحبذا لو اقتصر عبيد الله عند مصطلح واحد منهما يبينه في المقدمة، ويطوره في الاستعمال.
ويسعنا أن نعلن مكاشفين أن معجم "مفاتيح التراث" معجم أمّة، وأنه في حاجة مسيسة لتضافر جهود علماء اللغة، والأدب، والدين والتأصيل والتأثيل والميثولوجيا، والجغرافيا والتاريخ، والرموز والأساطير، وغيرهم، إنه رهن مكاشفة تجلّ إذ تكشف لنا اليوم هذا التعالق بين الدوال التي عدّها "مفاتيح التراث"، وبين ما ننام عليه من إرث معرفيّ يعضد ما نصّ عليه عبيد الله.
ولعلّ مطمح عبيد الله الذي جاء في تقدِمة الكتاب في دعوته علماء العربية يعرب عن غاية جليلة، وأسوة نبيلة جديرة بالنظر والمفاتشة والتمحيص، وهي فكرة مَعْجمة ألفاظ: "مصطلحات اللغة والكتابة، والأدب"، و"مَعْجمة الثقافة الشعبية"، و"مَعْجمة ألفاظ الحضارة المادية والفنون والألعاب والأزياء"، ولعلّها نفسها مطمح اتحاد مجامع اللغة العربية التي دعت إلى "معجم ألفاظ الحياة العامّة" في كل بلد أملا في إعادة قراءتها وإخراجها على هيئة معجم موحّد لألفاظ الحياة العامّة في الوطن العربي كلّه، فتقلّ الهوّة اللغويّة الثقافية من لدن أبناء العربية، لكنها الفكرة التي لم تنجز إلا في الأردن، وحظيت بجائزة وترحاب.
إن معجم "مفاتيح التراث" بريء من الصناعة المعجميّة التقليدية، منهجا، ومادة، وإن كان الدّال "معجم" مخيفا في الذهنية البشرية بعامّة، فهو عنصر طارد في ذهنيتنا العربية خاصّة، لكن منهجية الرؤية المعجمية نهضت عند عبيد الله، فالمعجم يأخذك منك، لأنه كمن يحيي العظام وهي رميم، مناط ذلك أن المتلقّي يعثر على المعلوم بلغة تقاربه تخلو من العبارة المُشبرقة والمزركشة لتؤتي أُكلها، ولتقيم مصالحة بين مدلول الدوال في المعجم ومدلولها في النصوص الأدبية التي مرت بها.
وعبيد الله إذ يوضّح المدلول اللغوي فإنه يحضر في النص ملء نفسه خلاف المعجميين النقلة، لذا تراه لا ينام على ظنّ لئلا تأخذه العزة بالإثم، فيسرف في توظيف أدواته المعرفية والمنهجية وقراءاته، ويُحسن نقلها إلى القارئ ولا سيما في مجالس نُزَه القلوب في مجالس السمر، والتروية الذهنية بما ينهض بالمتلقي ويكأنه في مراقٍ علوانيّة سماوية، ساعده في ذلك استثمارة ثيمة السرد التي شغلته وشاغلته فهرب منها -وما أحيلاه هروبا- إلى الرعاية المعجمية، إذ تجلّى في توضيحه الدوال كلّها، لكن بعض الدلالات أقرب للنفس، ولا سيما ما يتعلق بما كان في الجاهلية ونهى عنه الإسلام أو هذّبه، ويبرز هذا الحراك في مدلول بعض الأصنام، وتعقيب عبيد الله عليه أنه من الثقافة المسيحيّة أو اليهوديّة الرمزية أو الشعبية أو الدينية لغايات وعظية أو تحذيريّة أو عاطفيّة، كما يبلغ منتهاه في تفسيره دوالّ الطيَرة والحسد والسحر، وكأن الزمان آنذاك هو الزمان اليوم ما يزال ينام تحت لحاف الخرافة، والويل الويل لمن آمن بها وأضجت دينه ودَيْدَنه.
"مفاتيح التراث" انفتح على المعتقدات والمعارف العامّة والخاصة، فلم يخلُ من عمود يوضح فيه دالا طبيّا، كـ"الأزْم"، أو بعض مناسك الحج قبل الإسلام كـ"التشريق"، أو بعض الحيوانات التي عرفت قبل الإسلام، ودارت حولها حكايات ومعارف، كالحيّة مثلا.
ونفَذت بصيرة عبيد الله في بناء "مفاتيح التراث"، إذ أسرى إلى إرث لغويّ ومعرفيّ شاهق، وعرج نحو رؤية غائيّة شاهقة، امتشقت نبل عين الصقر لتهدي المكتبة العربيّة لا بل العالميّة فيوض كرّها وفرّها في ملكوت العربية وقريناتها من اللغات التي تقاربها نظاما ونشأة قصد بلوغ مدلول يشي بذهنيته وبمعارفه العامّة والخاصّة، فيشيع بين أبناء العلم بعيدا عن الانحيازات العرجاء، والرؤى الضريرة.
وعلى هدي الانفتاح الحُرّ على الدراسات الموروثة والمستحدثة التي تحترف قراءة النصّ الأدبي بخاصّة، انماز عبيد الله بالتمحيص، والتثبّت، والتّدقيق، واستصفاء الملامح المائزة للدوال اللغويّة من غير أن يسقط في جُبّ اللذية اللغويّة، والغواية الانفعالية التي مازت الكثير من الدراسات الأدبيّة المعاصرة؛ ذلك أن أي نصّ إذا أراد أن يضمن مقروئيته عليه أن يعيد إنتاج جزء من البناء التقليدي الذي انطلق منه، أو الذي يحيل إليه أي أن يعلن عن انتسابه إلى أنموذج ثقافيّ محدّد يتمرّى مرجعيّاته: اللغويّة، والشرعيّة، والثقافية والتاريخية، وغيرها وفي الوقت نفسه يتمرّد على المعايير المهيمنة ليعلن استقلاليته وخصوصيته.

تعليق