صلات الفعل (رضي يرضى رِضى) في ضوء كلام العرب والقرآن الكريم
د. أورنك زيب الأعظمي
د. أورنك زيب الأعظمي
الصلات أو حروف الجرّ في اللغة العربية تلعبُ دورًا مهمًّا ورائدًا في معاني الأفعال والأسماء، وإنّ زلةً في استعمالها عسى أنْ تجرّنا إلى مراد آخر كما تلفتنا عن الوجهة المعروفة في اللغة فمثلًا الفعل (دَرَأ يَدْرَأ دَرْءًا) فدَرَأه عنه ضد ما دَرَأه له إذ الأول يعني دَفَعَه عنه بينما الثاني يعني بَسَطَه له، وأما دَرَأه به فهو غير ما يراد بهذين المعنيين السالفين. وهكذا لو أدخلت صلة على فعلٍ لا تدخل عليه تلك الصلة فلو فهمه أهل اللغة ولكن هذا يخالف ما شاع في اللغة وذاع فمثلًا "رَغِبَ" لا تأتي له صلة (الباء) إلا إذا تبعتها صلة (عن) أي رَغِبَ به عنه وكذا تَعَرَّفَ إليه بمعنى تَعَرَّفَ عليه فقد قرأتُ في مقالة منشورة على شبكة الألوكة بعنوان "مختصر كتاب علم إعراب القرآن" قال فيها الكاتب: "فهذا بحث مختصر نتعرف من خلاله إلى علم إعراب القرآن، وآداب المعربين ومناهج إعراب القرآن، والأدوات التي يجب أن تتوفّر في المعرب---".[2] والحال أنّ هذه الصلة مع هذا الفعل (التعرّف) تعني التقرّب إلى كذا لا التعرّف عليه كما جاء في الأثر: "تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفْك في الشدة"[3].
فالحذر في أمر الصلات واجب علينا وعلى غيرنا من الكتّاب عربًا كانوا أو عجمًا. وفي هذه المقالة الوجيزة نتناول بالدراسة الفعلَ (رَضِيَ يَرْضَى رِضًى) فندرس معناه، وعددَ الصلات التي تدخل عليه، ومدى تأثيرها في تحديد المعاني وتوسيعها.
فالفعل (رَضِيَ يَرْضَى رِضًى) يأتي متعديًا بنفسه كما قال امرؤ القيس:
إذا قلتُ هذا صاحبٌ قد رضيتُه
وقرّتْ له العينان بُدِّلتُ آخرا
كذلك جدّي ما أصاحبُ صاحبًا
من الناس إلا خانني وتغيّرا [4]
وقال عنترة بن شداد العبسي:
لو كان قلبي معي، ما اخترتُ غيرَكم
ولا رضيتُ سواكم، في الهوى، بدَلا
لكنه راغبٌ فيمن يعذّبه
فليس يَقبَل لا لَومًا ولا عذَلا[5]
وقال أيضًا:
فما لي أرضى الذلَّ حظًا، وصارمي *** جريء على الأعناق غيرُ كهام[6]
وقال عبيد بن الأبرص:
ذاك عيش رضيتُه وتولّى *** كلُّ عيشٍ مصيرُه لهبال[7]
وقال أوس بن حجر:
وذاك سلاحي قد رضيتُ كمالَه *** فيصدفُ عني ذو الجناح المُعَبَّل[8]
وقال الأجدع الهمذاني:
فرضيتُ آلاءَ الكميت فمن يبعْ *** فرَسًا فليس جوادُنا بمباع[9]
وقال أعشى تميم:
أبلغْ عُمَيرًا وخيرُ القولِ أصدقُه *** أني رضيتُك من جارٍ ومُعتَمَد[10]
وقال الطرماح:
ورضوا الذي كرهوا لأوّل مرة *** ورأى سبيلَ طريقه المتهدّد[11]
وكذا تأتي له خمس صلات بعضها على طريق التضمين وهكذا تتعدد صلاته لأوجه بلاغية فالصلات الخمس هي: الباء وعلى وعن واللام ومِنْ فالباء تعني الاقتناع كما قال امرؤ القيس:
لأخٍ رضيتُ به وشارك في الأن
ساب والأصهار والفضل
ولمثلِ أسبابٍ علقتُ بها
يمنعنَ من قلقٍ ومن أزل[12]
وقال حاتم الطائي:
فقلت له: خذ المرباع دهرًا *** فإني لست أرضى بالقليل[13]
وقال عنترة بن شداد العبسي:
رضيتُ بحبها طوعًا وكرهًا *** فهل أحظى بها قبل الحِمام[14]
وقال عبيد بن الأبرص:
إذ كلّنا ومِقٌ راضٍ بصاحبه *** لا يبتغي بدلًا فالعيش مغتبط[15]
وقال لبيد بن أبي ربيعة العامري:
رضيتِ بأدنى عيشنا وحمِدتِنا *** إذا صدرتْ عن قارص ونقيع[16]
وقال حسان بن ثابت الأنصاري:
دعاه إله الخلق ذو العرش دعوةً *** إلى جنة يرضى بها وسُرور[17]
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
فأما الكريم فراضٍ به *** وأما اللئيم فما قد أبل[18]
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 28، 29].
وأما الصلة (على) فذكر الكسائي والآخرون أنها جاءت مقابل صلة "سخط" أي (على) حملًا للشيء على نقيضه كما يحمل على نظيره[19] واستدلّوا بشعر قُحَيف العٌقَيلي التالي:
إذا رضِيتْ عليّ بنو قُشَيرٍ
لَعمرُ الله أعجبني رِضاها
ولا تنبو سيوفُ بني قشيرٍ
ولا تمضي الأسنّةُ في صفاها[20]
ووجدنا في التراث الجاهلي قول أكثم بن صيفي الذي يذكر قولًا حكيمًا من بين أقوال حكيمة فيقول: "من رضي على نفسه كثر الساخط عليه".[21]
والدليل على حمل الشيء على نقيضه أو حمل الشيء على نظيره فعل الإحسان والإساءة فنجدهما يتبادلان الصلة كما قال كعب بن سعد الغنوي:
فإنْ تكن الأيامُ أحسنّ مرةً *** إليّ فقد عادتْ لهنّ ذنوب[22]
وقال أعرابي:
لحا الله دهرًا شرُّه قبلَ خيره *** تقاضى فلم يُحسنْ إلينا التقاضيا[23]
وكما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77].
وقالت امرأة إسلامية لزوجها الذي كان يضايقها:
هل لي إليك إساءةٌ جازيتَها *** إلا لباسي حلةَ الآداب[24]
وقال عروة بن أذينة:
ومولًى مسيءٌ إلى نفسه *** كحاثي التراب عليه انبثاثا[25]
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما أحسنتُ إلى أحد ولا أسأتُ إليه".[26]
وللإحسان صلة أخرى وهي (الباء) فقال غَلفاء بن الحارث بن آكل المرار الكندي:
إنّ جنبي عن الفراش لنابٍ
كتجافي الأسرّ فوق الظِراب
يا ابنَ أمّي ولو شهدتُك إذ تد
عو تميمًا وأنت غيرُ مُجاب
لتكارهتُ من ورائك حتى
تبلغَ الرُحبَ أو تُبَزَّ ثيابي
أحسنتْ وائلٌ وعادتُها الإحسا
نُ بالحِنوِ يومَ ضربِ الرقاب[27]
وقال آخر:
ومُربِحٍ قال لي هاءٍ! فقلت له *** حيّاك ربي، لقد أحسنتَ بي هائي[28]
وقال تعالى: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100].
وأما دخولها على فعل الإساءة فقال زهير بن أبي سلمى:
فإن تدعوا السماء فليس بيني
وبينكم بني حصن بقاء
ويبقى بيننا قَذَعٌ وتُلفَوا
إذًا قومًا بأنفسهم أساءوا
وتوقَدْ نارُكم شَرَرًا ويُرفَعْ
لكم في كلّ مَجمَعَةٍ لواء[29]
وقال هدبة بن الخشرم العُذري:
وكم من صاحبٍ قد بان عني
رُميتُ بفقده وهو الحبيب
فلم أُبدِ الذي تحنو ضلوعي
عليه وإنني لأنا الكئيب
مخافة أن يراني مستكينًا
عدوٌّ أو يُساءُ به قريب[30]
وقال الكميت الأسدي:
فلم أبلغْ بهم لعنًا ولكنْ *** أساء بذاك أوّلُهم صنيعا[31]
وقال كثيّر عزة:
أسيئي بنا أو أحسني، لا ملومةٌ *** لدينا، ولا مقليّةٌ إنْ تقلَّت[32]
وأما الصلة (عن)، أي رَضِيَ عنه، فتعني: طاب عنه. قال الأخطل:
فالله لم يرض عن آلِ الزبير ولا *** عن قيسِ عيلان حيًا طال ما خربوا[33]
وقال تعالى: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120] وقال: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [المائدة: 119].
وقال أيضًا: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 18].
وقال سعد بن عبادة: "وهو عنكم راضٍ، وبكم قريرُ عين".[34]
وقد مضى قول الحسين بن علي رضي الله عنهما في الردّ على معاوية: "--- ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في تلك المواطن كلها عنه راض، وعليك وعلى أبيك ساخط".[35]
وأما رَضِيَ له فيعني: رضي لأجله ورضي به معًا كما قال قيس بن الخطيم:
رضيتُ لعوفٍ أنْ تقول نساؤكم *** ويهزأنَ منهم: ليتنا لم نحارب[36]
ومنه قول المتلمس:
رضيتُ لها بالماء لمّا رأيتُها *** يجول بها التيّارُ في كلّ جدول[37]
وقال الكميت الأسدي:
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى
وخيرِ بني حوّاءَ والخيرُ يُطلَبُ
إلى النفَر البيض الذين بحبّهم
إلى الله فيما نابنى أتقرّب
بني هاشمٍ رهطِ النبي فإنني
بهم ولهم أرضى مرارًا وأغضب[38]
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ثم اختار سبحانه لمحمّد لقائَه، ورضي له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مَقَام البلوى".[39]
وقال تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴾ [طه: 109].
وأما لمعنى رَضِيَ به فقال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴾ [الغاشية: 2 - 10].
ورَضِيَ منه أيضًا يعني: رَضِيَ به كما قال الفرزدق:
إذاما رضوا مني، إذا كنتُ ضامنًا *** بأحسابِ قومي في الجبال وفي السهل[40]
وأما دخول الصلات العديدة على الفعل (رَضِيَ) فقال كعب بن زهير:
ورضيتُ عنها بالنجاء وسامحتْ *** من دون عسرةِ ضغنها بيسار[41]
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"وإنْ لم تقبلْ ذلك ولم يهمّك، ولم تُنزِل معاظمَ الأمور عند الذي يرضى به عنك، يكن ذلك بك انتقاصَا".[42]
فرضي به عنه كمثل بَخِلَ به عنه وضَنَّ به عنه.
وقال إبراهيم بن هرمة القرشي:
وودّعني الشبابُ فصرتُ منه *** كراضٍ بالصغير من العظيم[43]
وقال آخر:
أمُّ الحُلَيس لعجوزٌ شهربه *** ترضى من اللحم بعظم الرقبة[44]
فرَضِيَ به منه عين رَضِيَ به عنه.
وقال عبد الله بن جعفر: "--- أيها الناس: هذا أمر كان النظر فيه لعلي، والرضا فيه إلى غيره".[45] فرَضِيَ فيه إليه أي الرضا صاير إلى غيره في هذا الأمر.
وملخص الكلام أنّ الفعل (رَضِيَ يَرْضَى رِضًى) يعني: اقْتَنَعَ به وسُرَّ، وتدخل عليه خمس صلات وهي: الباء وعلى وعن واللام ومِنْ كما تتعدد هذه الصلات فتزيد من معانيه ما رأيناها من قبلُ. وأننا لم نقف على هذه الصلات إلا عن طريق كلام العرب الجاهلي والإسلامي والقرآن الكريم اللذين حفظا لنا عددًا كبيرًا من معاني الكلمات وصلات الأفعال. ونحمده تعالى على أنه وفّقنا لخدمة لغة كتابه ولغة رسوله صلى الله عليه وسلم ولغة الجنة.

تعليق