الحلقةُ الثانيةُ في الرّدّ على المُحاوِر :
التعليقُ الذي كتبتُه رددتُ فيه على دَعْوى قولك: هل بُرمجَ عقلُ الإنسان بالقواعد قبل الولادَة؟
إنّما برهنتُ به على أنّ الإنسانَ عربيا كان أم غير عربي لا يتعلّم اللغةَ وهو خاوي الوفاض،
ولا يجنَحُ إلى الأساليبِ والتراكيبِ التي يتعَلّمُها من الكبارِ من تلقاء نفسِه ولكنّه يتعلّمُ ما عُلِّمَ
بناءً على قَواعدَ سابقةٍ : يحفظُ ما يسمَعُ أو يتقبَّلُه ويستوعبُه تأسيساً على مبادئَ تنشأ معه
أو قلْ تنشأ بنشأته؛ فهو يتعلّمُ اللغةَ التي يُلقَّنُها، بناءً على استعداد فطري سمّاه العلماءُ بالقواعد
والمبادئ؛ وقَد سبَقَ لابن جنّيّ في كتاب الخصائص ذي النّظراتِ الذّكيّة الثّاقبَةِ أن مالَ إلى تَفْسير
قولِه تعالى: «وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها» [البقرَة: جزء من الآيَة:31]، بأنّ الله عزّ وجلّ أقْدَرَ آدمَ على
التّعلّم. ومعنى كلامِ ابن جني أنّ الإنسانَ يولَدُ مزوَّداً بالقُدرة على تعلّم أيّة لغةٍ نشأ في كَنَفِها، وقادراً
على المُواضَعَة عليْها. ولا ينشأ عالماً بالقَواعد أو باللغة التي نشأ فيها، فالقولُ بـأنّه نشأ متعلماً اللغةَ
وقواعَدَها الخاصةَ افتراض بأن اللغة الخاصّةَ كالعربيّة أو الإنجليزيّة أو غيرهما، وراثيةٌ، ولكنّ التجاربَ
تدحض هذا الزعمَ وتُبطِلُه
وقد استبعَدَ ابنُ جني من طريقٍ غير مُباشرٍ أن يكونَ آدمُ عليه السلام تعلّمَ أسماءَ جميع المَخلوقات،
بجميع اللغات: العربية، والفارسية، والسريانية والعبرية، والرومية، وغير ذلك من سائر اللغات، وأنّه كان
هو ووَلَدُه يتكلمونَ بها، ثم إنّ وَلَدَه تَفَرّقوا في الدّنيا، وعَلِقَ كلٌّ منهُم بلغةٍ من تلكَ اللّغاتِ، فغَلَبَت عليه،
واضمَحلّ عنه ما سِواها، لبعد عهدهم بها. فهذا تفسيرٌ بعيدٌ لأنّه يَتنافى ومسألة تطوّر اللّغاتِ، أمّا
الأمرُ المنطقيُّ الواقعيّ فهو القُدرةُ المركوزةُ في النفوسِ؛ فهي قدرةٌ بشريّةٌ كليةٌ ثابتةٌ مزوّدةٌ بخصائصِ
تعلّم اللغاتِ
ففي هذا الإطارِ تستطيعُ أن تتكلّم عن علاقةِ القدرةِ -بما هي قواعدُ ذهنيّةٌ نفسيّةٌ كلّيّة أومبادئُ
ذهنيّةٌ نفسيّةٌ كلّيّة؛ وتستطيعُ في هذا الإطارِ المنطقيّ الواقعيّ أن تَقولَ إنّ الطّفلَ العربيَّ يتعلّمُ
اللغةَ التي نشأ في بيئتها وهي العربيّةُ بسرعةٍ كالتي يتعلّمُها بها غيرُه ممّن نَشَؤوا في كنفِ لغاتٍ
أخرى
أمّا النحويّونَ ففي التعاريفِ التي وصلتْنا عن علم النّحو والقَواعدِ، منذ القرون الأولى لوضع النّحو،
فتُفيدُ أنّ النحويين َالأوائلَ لم يخترعوا القَواعدَ ولم يصطنعوا الأنساقَ المنطقيّةَ ولم يَفْتَروا على اللغةِ
وإنّما نظروا فيها وحاولوا أن يستخرجوا العلاقاتِ التي تشدّ أجزاءَها بعضَها ببعضٍ، وقاموا بما استطاعوا
من استقراءِ الأوجه والخصائصِ المشتركة المتشابهةِ فوضعوا لكلّ سلوك عامّ مشتركٍ قاعدةً ، وقاسوا
ما غابَ عنهم على ما اطّردَ الحُكمُ فيه أمامَهُم وهم يَنظُرونَ في ظواهرِ العربيّةِ وشواهدِها. والدّليلُ على
فعلِهم هذا أنّك إذا تأمّلْتَ في أبوابِ كتابِ سيبويْه ومسائلِه النّحويّةِ والصرفيّةِ والدّلاليّة، بعيْن، وألقيتَ
عيناً أخرى على شواهد العرب وكلامها وخُطَبها، وجدْتَ أنّ ما تَرَكَه سيبويْه من كلامٍ إنّما هو وصفٌ واعٍ
عالمٌ ذكيٌّ لما غابَ عن القارئ المتوسّط من أنساقٍ وعلاقات وقَواعدَ وعللٍ واقعيّة...
فأنت تَرى ههنا أننّا لا نفرُّ كما زعمتَ ولا نعمّمُ كما ادّعيْتَ وإنّما ربطْنا القَواعدَ الفطريّةَ بالقواعدِ النحويّة
وبيّنّا كيفَ تتحكّمُ تلك القَواعدُ الأولى أو المَبادئُ الأولى في نشأة أنساق اللغاتِ وقواعدِها التركيبية
والصرفية قبلَ أن يأتي النحاةُ ليستخرجوها ويقيسوا عليْها
التعليقُ الذي كتبتُه رددتُ فيه على دَعْوى قولك: هل بُرمجَ عقلُ الإنسان بالقواعد قبل الولادَة؟
إنّما برهنتُ به على أنّ الإنسانَ عربيا كان أم غير عربي لا يتعلّم اللغةَ وهو خاوي الوفاض،
ولا يجنَحُ إلى الأساليبِ والتراكيبِ التي يتعَلّمُها من الكبارِ من تلقاء نفسِه ولكنّه يتعلّمُ ما عُلِّمَ
بناءً على قَواعدَ سابقةٍ : يحفظُ ما يسمَعُ أو يتقبَّلُه ويستوعبُه تأسيساً على مبادئَ تنشأ معه
أو قلْ تنشأ بنشأته؛ فهو يتعلّمُ اللغةَ التي يُلقَّنُها، بناءً على استعداد فطري سمّاه العلماءُ بالقواعد
والمبادئ؛ وقَد سبَقَ لابن جنّيّ في كتاب الخصائص ذي النّظراتِ الذّكيّة الثّاقبَةِ أن مالَ إلى تَفْسير
قولِه تعالى: «وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها» [البقرَة: جزء من الآيَة:31]، بأنّ الله عزّ وجلّ أقْدَرَ آدمَ على
التّعلّم. ومعنى كلامِ ابن جني أنّ الإنسانَ يولَدُ مزوَّداً بالقُدرة على تعلّم أيّة لغةٍ نشأ في كَنَفِها، وقادراً
على المُواضَعَة عليْها. ولا ينشأ عالماً بالقَواعد أو باللغة التي نشأ فيها، فالقولُ بـأنّه نشأ متعلماً اللغةَ
وقواعَدَها الخاصةَ افتراض بأن اللغة الخاصّةَ كالعربيّة أو الإنجليزيّة أو غيرهما، وراثيةٌ، ولكنّ التجاربَ
تدحض هذا الزعمَ وتُبطِلُه
وقد استبعَدَ ابنُ جني من طريقٍ غير مُباشرٍ أن يكونَ آدمُ عليه السلام تعلّمَ أسماءَ جميع المَخلوقات،
بجميع اللغات: العربية، والفارسية، والسريانية والعبرية، والرومية، وغير ذلك من سائر اللغات، وأنّه كان
هو ووَلَدُه يتكلمونَ بها، ثم إنّ وَلَدَه تَفَرّقوا في الدّنيا، وعَلِقَ كلٌّ منهُم بلغةٍ من تلكَ اللّغاتِ، فغَلَبَت عليه،
واضمَحلّ عنه ما سِواها، لبعد عهدهم بها. فهذا تفسيرٌ بعيدٌ لأنّه يَتنافى ومسألة تطوّر اللّغاتِ، أمّا
الأمرُ المنطقيُّ الواقعيّ فهو القُدرةُ المركوزةُ في النفوسِ؛ فهي قدرةٌ بشريّةٌ كليةٌ ثابتةٌ مزوّدةٌ بخصائصِ
تعلّم اللغاتِ
ففي هذا الإطارِ تستطيعُ أن تتكلّم عن علاقةِ القدرةِ -بما هي قواعدُ ذهنيّةٌ نفسيّةٌ كلّيّة أومبادئُ
ذهنيّةٌ نفسيّةٌ كلّيّة؛ وتستطيعُ في هذا الإطارِ المنطقيّ الواقعيّ أن تَقولَ إنّ الطّفلَ العربيَّ يتعلّمُ
اللغةَ التي نشأ في بيئتها وهي العربيّةُ بسرعةٍ كالتي يتعلّمُها بها غيرُه ممّن نَشَؤوا في كنفِ لغاتٍ
أخرى
أمّا النحويّونَ ففي التعاريفِ التي وصلتْنا عن علم النّحو والقَواعدِ، منذ القرون الأولى لوضع النّحو،
فتُفيدُ أنّ النحويين َالأوائلَ لم يخترعوا القَواعدَ ولم يصطنعوا الأنساقَ المنطقيّةَ ولم يَفْتَروا على اللغةِ
وإنّما نظروا فيها وحاولوا أن يستخرجوا العلاقاتِ التي تشدّ أجزاءَها بعضَها ببعضٍ، وقاموا بما استطاعوا
من استقراءِ الأوجه والخصائصِ المشتركة المتشابهةِ فوضعوا لكلّ سلوك عامّ مشتركٍ قاعدةً ، وقاسوا
ما غابَ عنهم على ما اطّردَ الحُكمُ فيه أمامَهُم وهم يَنظُرونَ في ظواهرِ العربيّةِ وشواهدِها. والدّليلُ على
فعلِهم هذا أنّك إذا تأمّلْتَ في أبوابِ كتابِ سيبويْه ومسائلِه النّحويّةِ والصرفيّةِ والدّلاليّة، بعيْن، وألقيتَ
عيناً أخرى على شواهد العرب وكلامها وخُطَبها، وجدْتَ أنّ ما تَرَكَه سيبويْه من كلامٍ إنّما هو وصفٌ واعٍ
عالمٌ ذكيٌّ لما غابَ عن القارئ المتوسّط من أنساقٍ وعلاقات وقَواعدَ وعللٍ واقعيّة...
فأنت تَرى ههنا أننّا لا نفرُّ كما زعمتَ ولا نعمّمُ كما ادّعيْتَ وإنّما ربطْنا القَواعدَ الفطريّةَ بالقواعدِ النحويّة
وبيّنّا كيفَ تتحكّمُ تلك القَواعدُ الأولى أو المَبادئُ الأولى في نشأة أنساق اللغاتِ وقواعدِها التركيبية
والصرفية قبلَ أن يأتي النحاةُ ليستخرجوها ويقيسوا عليْها
