ديناميكية البناء اللغوي
أ. د. محمد رفعت زنجير
أ. د. محمد رفعت زنجير
البناء اللغوي للقرآن هو قاعدة الإعجاز الأساسية فيه، فلقد كانت اللغة بين يدي القرآن الكريم مطواعة لأغراضه ومقاصده، يشكلها كما يريد، ويوظفها كما يشاء، يختار من مفرداتها أخفها وأيسرها وأعذبها، ويصنع منها نظما غريب المنوال، ليس له في اللغة سابق مثال، وهذا النظم البديع قادر على أن يزلزل الجبال، وأن يهز الكون كله، والأهم من هذا كله أنه يهز الإنسان من داخله، ويخلقه خلقا جديدا، وذلك لما فيه من الديناميكية والطاقة.
ولقد تكلم أهل العلم عن أساليب القرآن وبديعه ونظمه، وسوف نستعرض بعض ما قيل في هذا الصدد، ولكن ما يعنينا هنا في هذه الأساليب: الديناميكية، ونقصد بها استخدامه لأساليب تثير الحركة والانتباه في ذهن الإنسان، مثل: الاستفهام والاستثناء والنداء، وكذلك استخدامه لتعابير مختلفة وتكراره لبعض التعابير في الموضوع الواحد بصيغ مختلفة، وموضوع المشترك والمترادف والمبهم ونحو ذلك، وذلك كله مما ذكره العلماء في بحوثهم عن القرآن، ولكنهم لم يلتفتوا إلى موضوع الديناميكية في هذه الأساليب، وأثرها في وعي الإنسان. ونبدأ بأول هذه الأساليب وهو التشبيه.
أولا: التشبيه، وهو:
(الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى)[1]، وهو كثير في القرآن كما هو الحال في اللغة أيضا، وتشبيهات القرآن جميعها سواء كانت مفردة أو مركبة، تمثيلية أو غير تمثيلية تدفع بالفكر في آفاق عليا، وتحرك الخيال في اتجاهات متعددة وعوالم مختلفة، خذ مثلا قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴾ (القارعة: 4) وتأمل كيف ربط في هذا التشبيه بين حركة الناس وما يصحبها من تدافع وتصادم وهول واقتحام بحركة الفراش المتطاير المتدافع المقتحم، فقد تحدث عن المستقبل كما لو كان حاضرا، وربط بين الدنيا والآخرة في آية واحدة، ثم أعقبها بقوله: ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾ (القارعة: 5)، والعهن هو الصوف والمنفوش: الذي شرع في الذهاب والتمزق، فانظر إلى ثبات الجبال وقوتها كيف صار هباء، ففي آيتين اثنتين تبين ما تؤول إليه صورة العالم من التبدل والمغايرة يوم القيامة، وذلك من خلال التشبيه الذي يثري الخيال تدفقا وحيوية وإثارة. ولنتأمل من التشبيه المركب قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: 261) فانظر إلى صورة الإنفاق ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ استحضارا للحالة الراهنة وتحريضا على البذل، ومقارنته مع صورة متأنقة بديعة من متحف الطبيعة، تبدأ بحبة أنبتت وصيغة الماضي مقصودة هنا، وكأن الثواب أسبق من العمل، وذلك دفعا لما يتوهمه الكافرون من أن الإنفاق هدر للمال، فما هو في الحقيقة إلا نماء وزيادة، هذه الحبة نمت وأعطت سبعة سنابل، في كل سنبلة مئة حبة!! ويأتي بعد ذلك الكرم الإلهي الممدود: ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾، هكذا ينقلك القرآن في رحلة عجيبة بين الإنفاق الذي هو في حقيقته زرع للحياة بالمحبة والتواصل والتكافل، وزرع للآخرة أيضا، يحصده المرء هناك، وبين نتيجة هذا الزرع وما يعقبه من نماء دنيوي وأخروي متمثلة بصورة هذه الحبة النموذجية المعطاءة، وبين الصورتين يتحرك فكر المؤمن بحركة ديناميكية تجمع بين الدنيا والآخرة والزرع والحصاد. ومن التشبيه المركب أيضا قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ (الجمعة: 5)، وهي صورة دقيقة مفعمة بالحركة لأولئك الذين حملوا وهنا استخدم صورة الماضي ثم أعقبها بصورة المضارع ﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ ﴾ استحضارا للذهن وتشخيصا للصورة أمام الناظرين، وماذا حمل هؤلاء؟ لقد حملوا التوراة التي هي نور الله، بيد أنهم رفضوا الحمل، وناءوا به، فتلاعبوا كي يتخلصوا منه، فمثل هؤلاء كالحمار الذي يحمل أسفار لا ينتفع بها، ولا ينال منها إلا مؤونة الثقل، ووجه الشبه عقلي، وهو: (حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه) [2]، فانظر كيف نقلك التشبيه بين أمور متعددة أعطت الفكر صورة حية نابضة لحقيقة بني إسرائيل الذين لم يستفيدوا من مصاحبة كتاب ربهم شيئا سوى العناء والمقت الإلهي. لنتأمل أيضا قوله تعالى في صفة شجرة الزقوم: ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴾ (الصافات: 65)، وهو من التشبيه الوهمي عند البلاغيين، كيف ربط القرآن من خلال التشبيه بين الطلع وبين رؤوس الشياطين وبين الزقوم في ديناميكية عجيبة جمعت بين الدنيا والآخرة والغواية وسببها ونتيجتها، فرؤوس الشياطين هي التي ضللت الكافرين وساقتهم إلى هذا الغذاء الذميم، في عملية مدارها كله على القبح، فرأس الشيطان قبيح، والضلال قبيح، وعقابه قبيح، وشجرة الزقوم قبيحة، والأكل من هذه الشجرة قبيح.. وهكذا نجد أن التشبيه أداة من أدوات الديناميكية التي استفاد القرآن من طاقتها التعبيرية في بيان أغراضه.
ثانيا: الاستعارة:
وهي إحدى وسائل التعبير الديناميكية، وهي عند البلاغيين: (اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي، لعلاقة المشابهة)[3]، وقد وردت في آيات كثيرة، منها: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ (الفاتحة: 6) أي: (الدين الحق) [4]، فانظر إلى حيوية الأسلوب القرآني كيف جعل الدين الحق الموصل إلى الله صراطا مستقيما، والمستقيم كما هو معلوم في الهندسة أقرب مسافة بين نقطتين، فأقرب الطرق إلى الله هو هذا الدين القويم. ووردت الاستعارة في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (البقرة: 257). فانظر كيف جعل الكفر على تعدد مناهجه وصوره ظلمات، وكيف جعل الهدى نورا، وكيف جعل النقلة من الكفر إلى الإيمان نقلة من الظلمات إلى النور، والنقلة من الإيمان إلى الكفر نقلة من النور إلى الظلمات، وتأمل البون الشاسع بين النقلتين من خلال استعارة موحية فعالة مؤثرة وهي استعارة النور للتوحيد والظلمات للشرك. ومن ألوان الاستعارة قوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ (النحل: 112). تأمل في تعبير (أذاقها) وما فيه من الاتحاد والاندماج، فالإنسان عندما يذوق شيئا ويبتلعه، يصبح جزءا لا يتجزأ منه، فالعذاب متغلغل في كيان القرية كله تغلغل الغذاء في جسم الإنسان، فلا يمكن أن ينفصم عنه. ثم تأمل الاستعارة الموحية الموحية: ﴿ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ﴾ وما في اللباس من الستر والغطاء للجسم، وكأن الجوع والخوف فصل لباسا لتلك القرية، فلا تستطيع أن تنفك عنه، إنه تعبير موحي للمصاحبة والملازمة الدائمة التي تعبر عن انهماك تلك القرية في ألوان من العذاب الحسي الغليظ. كما عبر القرآن عن حياة الشرك بالموت، وعن الإيمان بالحياة، قال تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (الأنعام: 122)، فالنقلة إلى الدين الحق هي نقلة من الموت إلى الحياة. وفي صورة أخرى يعبر القرآن عن عملية تمكن الضلال في نفوس المنافقين وتمسكهم به ونبذهم للهدى بعملية الشراء، قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ (البقرة: 16) وتصوير أخذ الضلالة ونبذ الهدى بالبيع والشراء دليل على صفقة خاسرة في عملية تجارية فاسدة ولذلك قال: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ﴾، ومقابل هذه التجارة هنالك تجارة أخرى رابحة وهي تجارة المؤمنين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ (الصف: 10) وهنا يتجلى جمال التعبير القرآني الذي جعل عملية الإيمان والكفر كعملية البيع والشراء، تشبيها للمعقول بالمحسوس، وتقريبا للمجرد إلى الأذهان بع/بارات موحية فعالة من خلال الاستعارة.
ثالثا: المجاز المرسل:
وهو إحدى أدوات التعبير الديناميكية، يعرفه البلاغيون بأنه: (ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه) [5]، ومنه إطلاق المسبب وإيراد السبب كما في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ﴾ (غافر: 13)، فالرزق هنا المراد به الغيث الذي يكون به الرزق، وعبر بالرزق عن الغيث لأمه مسبب عنه، وهكذا يربط بين الغيث والرزق في مخيلة الإنسان، ومن المجاز المرسل تسمية الشيء باعتبار ما سيؤول إليه، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ (النساء: 10)، فالمراد بقوله ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾. مالا سيكون نارا يوم القيامة، وقد سماه نارا حتى يجعل النفس تنفر منه وتبتعد عن أكله وكأنه نار حقيقية يلتهمها عبيد المال سفها وطغيانا. ومن المجاز المرسل تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه، كما في قوله تعالى: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾ (النساء: 2)، فاليتيم عندما يعطى المال وقد بلغ سنة التكليف لم يعد يتيما، وإنما سماه يتيما باعتبار ما كان عليه ليحافظ على نزعة الرحمة عناية به. ومن علاقات المجاز المرسل: إطلاق المحل وإرادة الحال فيه، كما في قوله تعالى: ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ (العلق: 17)، فالمراد دعوة أهل النادي، ولكنه طلب منه دعوة النادي بما فيه زيادة في التحدي والمبالغة. ومن علاقات المجاز المرسل: تسمية الشيء باسم آلته، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (إبراهيم: 4). فاللسان هنا المراد به اللغة، وأطلق لفظ اللسان دون اللغة لأنه أداتها وآلتها. وهكذا نجد أن المجاز المرسل يولد طاقة فكرية هائلة في الكلام مستندا إلى ما بين المعاني من علاقات لا شتى لا تقوم على المشابهة كما هو الحال في الاستعارة.
رابعا: المجاز العقلي:
وهو إحدى أدوات التعبير الديناميكية، يعرفه البلاغيون بأنه: (إسناد الفعل، أو معناه، إلى ملابس له، غير ما هو له، بتأول)[6]، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (القصص: 4)، فإسناد الذبح والاستحياء إلى فرعون لأنه السبب الآمر بهذه الأفعال الشنيعة التي يقوم بها جنوده، وقد يكون الإسناد إلى الزمان، كما في قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ (المزمل: 17)، والأحداث التي في ذلك اليوم هي التي تجعل الولدان شيبا وليس اليوم في حد ذاته، كما يكون الإسناد إلى المكان، كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ (الزلزلة: 2)، والأرض لا تفعل ذلك من تلقاء نفسها وإنما يأمرها الله بذلك، وقيمة هذا المجاز أنه يلفت الإنسان إلى العوامل المؤثرة في الأفعال من أسباب وزمان ومكان وغير ذلك إلى جانب الفاعل الحقيقي للحدث.

تعليق