شيء من اللغة: من القديم إلى القادم

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    شيء من اللغة: من القديم إلى القادم

    شيء من اللغة: من القديم إلى القادم
    د. هادي حسن حمّودي




    إذا كان الجذر اللغوي دالاًّ على التقدم والسير إلى الأمام، فكيف دلّ اللفظ على نقيضه في قولهم، مثلا: كان يا ما كان، في قديم الزمان؟
    (2)
    قالت لي أستاذة أديبة إنها قرأت في كتاب لغوي أنّ قولنا: الأسبوع القادم، وما يشبهه، خطأ. لأن القادم هو الذي يأتي ماشيا على قدمين. ثم طلبت رأيا. فأقول:
    ليس من العلم أن نحكم بخطأ لفظ أو تركيب لغوي إلا إذا لم نجد له مساغا في القياس والاشتقاق وغيرهما من وسائل تطور اللغة.
    وبناء على المنهج الذي نرتضيه، نعرض اللفظ على الجذر اللغوي، وما تطور إليه. وعلى ذلك نلاحظ أن أعضاء الجسم سُمّيت بموجب اعتبارات معينة. ومن ذلك ما ذكره بعض علماء اللغة القدماء من أن القَدَم من الإنسان سُمّيت قَدَما، لأنها أداة التقدم إلى الأمام في المسير. وحقا إنه لمن الصعب أنْ نتصور أنّ تسميتها بالقَدَم منفصلة عن إحدى وظائفها التي هي السير. والسير بحد ذاته حركةُ تقدّمٍ إلى الأمام. ومنه قولهم: مضى فلان قُدُما: لم ينثنِ ولم يتردّد. ومنه أن تصف صاحبك بأنه مقدام، أي: شجاع، جريء.
    وإذا كانوا قد أطلقوا لفظ القَدَم على الجزء المعروف من الجسم، فهم لم يكتفوا بذلك بل أطلقوا على رأس الإنسان لفظ القادِم، والجمع القوادم. وإذا قالوا: المقاديم، فهم يعنون الوجه. وكأنهم لحظوا في لفظة: قدم، أنها تشمل كل ما تقدم من الجسم. وكذلك ما تقدم من الجيش، فمقدمة الجيش أوّله. ومقدّمة الكتاب أوّله، وهي تظهر في الكتاب من غير قدمين تمشي عليهما. وقدّم لكم مضيّفكم لذيذ الطعام، حين يضعه أمامكم لتأكلوه هنيئا مريئا. وهو تقديم لا دخل فيه للقَدَم. وقابَلَ
    وفي التنزيل العزيز: (وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) وكذلك (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ) فلا أيديهم لها قدمان، ولا أنفسهم.
    بقيت لدينا مشكلة لفظة القديم. فإذا كان الجذر اللغوي دالا على التقدم والسير إلى الأمام، فكيف دلّ اللفظ على نقيضه في قولهم، مثلا: تقادم الأمر، بمعنى صار قديما؟ وفي قولهم: كان يا ما كان، في قديم الزمان؟ كما ورد في التنزيل العزيز: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ).
    ورآى بعض الأدباء أن التقدم ضدّه القديم. لكنّ التقدّم ضدّه التأخّر، والمتقدّم ضدّه المتأخّر. وفصل النزاع في هذا الجانب آيات التنزيل العزيز، ومنها: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) والآية: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) فالمستقدمون ضدّه المستأخرون. كما إنّ كل ما هو قادم، سيصير قديما بعد لحظة حدوثه.
    (3)
    والقديم: مطلق الزمان الماضي، والأقدم مختص بما كان أكثر بُعدا في التقادم. ولكن يمكن أن يؤدي لفظ الأقدم معنى القديم، توسعا. وشكا شاعر من أبناء هذا الزمان إخلاف موعد، فقال:
    سهرت الليالي على موعدٍ
    يساهرني الشوقُ والأنجمُ
    أأروي إلى النجم ما قد جرى
    كما قد روى الشاعر الأقدمُ؟
    فلندعه في سهره وشوقه. ولنتابع:
    والعلاقة بين قديم وأقدم، كالعلاقة بين جميل وأجمل، حيث الثاني مبالغة في الأول. والزمن في اللغة العربية حلقات متواصلة. فالأقدم والقديم قادمان إليك، وما لحظتك الحالية إلا أصلها من الزمن القديم وسيرتها إلى الزمن القادم. وهذا الفهم لتواصل الأزمنة وتفاعلها مما تعرضه اللغة العربية بذاتها ودلالة ألفاظها، يساعد على الخروج من الدوران في الحلقة المفرغة. ومن غير ذلك يكرر الناسُ أنفسَهم من حين لآخر كفئران داخل عجلة دائرة.

    المصدر
يعمل...