شيء من اللغة: بأيّة حال .. وعلى أية حال
د. هادي حسن حمّودي
د. هادي حسن حمّودي
قيل: إن استعمال (أيّة) خطأ، والصحيح: (أيّ) في كل الأحوال. وتوسّط مَن استشهد بقول المتنبي:
عيد بأية حال عدت يا عيدُ
حيث جاءت (بأيّة حال) مؤنثة مع المؤنّث. ورأوا أنه صحيح وإنْ كان أقل فصاحة.
سُئلتُ: فأين الصواب؟
الجواب:
* لا وجه للتخطئة، بشهادة التنزيل العزيز: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) (سورة الفجر 27-28) ولم يقل (يا أيها النفس). والنفس مؤنثة. وكذلك: (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) (سورة يوسف 70). ولا يؤثر اختلاف معاني (أيّ) في تأنيثها وتذكيرها، سواء كانت للشرط أم الاستفهام أم غيرهما.
واستشهد القائلون بالخطأ بآيات عديدة منها: (فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)(سورة الرحمن) و(في أيّ صورة ما شاء ركبّك) (سورة الانفطار 😎. وهذا ما سننظر فيه الآن:
* نبدأ من مقولة ابن عباس، ولا نظن أحدا يشكك بفصاحته، إذ كان كلما سمع (فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قال: ولا بأيّتها يا رب. ولم يرو عنه أنه قال: ولا بأيّها يا رب. وإذا فسّرنا الآلاء بمعنى النِّعَم، فيكون معنى قول ابن عبّاس: ولا نُكذّب بأية نعمة منها. وهو ما تراه في كتب التفسير.
والآلاء جمعٌ يتضمن فروعا شتى منها العهود والمواثيق. ومن وجهة النظر الدينية فإن العهود والمواثيق من نِعَمِ الله على الناس. وبمعنى العهود والمواثيق جاء قول النابغة:
همُ الملوكُ وأبناء الملوك، لهم
فضل على الناس في الآلاء والنِّعَمِ
فميّز بينهما. ولكن بحسب التطوير القرآني للّغة العربية فإنّ العهود والمواثيق بعضٌ من النِّعَم. وكيف لا تكون كذلك، وهل ترى أن الله بحاجة إلى تلك العهود والمواثيق يعقدها مع مخلوقاته؟
نتجاوز أصل (أيّ) وعلاقتها بـ(إيْ) المعمّقة لمعنى (نعم) مما ورد في: (قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ)(سورة يونس 53) وعلاقة هذه بفعل الأمر (إ) من الفعل وأى يئي. فالمتابعة تقتضي تفصيل كلام لا علاقة له بالتذكير والتأنيث. ولذا أكتفي بالقول:
التاء هذه تاء تأنيث كما في طريق، طريقة. ويخضع تأنيث (أيّة) في سياقها لقواعد معيّنة، شأنها شأن: جاء الرجال وجاءت الرجال، جاء النساء، وجاءت النساء.
والتأنيث في كل الأمثلة السابقة ليس عبثيا، فهو لا يٌستعمل إلا لأغراض بيانية معينة. وقد حكم النحويون بصحته، ولم يجدوا حاجة للتبرير أو التفسير.
هذه الأداة (أعني أيّ) لها مسلكها التركيبي الخاص. فمآل أمرها إلى القيمة الصوتية التي تتكون من تلاقي آخرها مع الحرف الأول من الكلمة التي تعقبها.
وما دمنا لا نملك مخبرا صوتيا فلنقم بتجربة بسيطة، نرتّل (فبأي آلاء ربكما تكذبان) عدة مرات ترتيلا متأنّيا، ثم نخرجها خارج القرآن ونجعلها (فبأيّة آلاء ربكما تكذبان) ولنردّدها مع أنفسنا، سنلاحظ أمرين:
الأول: كأن المراد مفردة مؤنثة. كما لو أنك قلت: فبأيّة نعمة من نعم ربكما تكذبان.
والثاني: الهبوط الحاد في القيمة الصوتية ما بين الياء المشددة المكسورة (فبأيِّ) الدالّة على قوة السياق، والتراخي الملحوظ في (فبأيَّة آلاء) بفتح الياء ثم القيمة الصوتية للتاء الفاصلة بين (أيّ) وما بعدها. ففي (بأيِّ) ياءان ونصف، وهذا النصف هو الذي يأخذ اللسان من الياء إلى الألف الممدودة في (آلاء) أو الصاد في (صورة). لاحظ انشداد أقصى الحلق الأعلى والأسفل وانطباقهما، في الياءين وانكسار مجرى النّفَس حين الانتقال من الكسرة التي هي نصف الياء للتوصل إلى الفتحة في الألف الممدودة والضّمّة في الصّاد. هذه الشدّة الصوتية مؤشر إلى التشديد على المعنى الذي أراده النص القرآني. ولا ننسى أن للصوت بحد ذاته دلالته.
أما المتنبي وهو عربي فصيح بليغ، فإنه لم يُرد التأكيد والتشديد، بل أراد التعبير عن اليأس، واليأس إحدى الراحتين كما يُقال، فالبيت يعبر عن استكانة. على غير ما لو قلت: سندحر العدوّ بأيّ حال من الأحوال. فإذا لم تكن ثقتك بالمحل الأعلى فلك أن تقول: بأية حال من الأحوال.
فكلا الاستعمالين فصيح، ولكنّ أفصحهما ما لاءم المعنى المراد. هذا في المستوى اللغوي العالي، أما في الامتحانات فلا بد من الالتزام بالكتب المقررة للتدريس.
المصدر
