#شيء_من_اللغة: البيوتات والرجالات والجِمالات

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    #شيء_من_اللغة: البيوتات والرجالات والجِمالات

    #شيء_من_اللغة: البيوتات والرجالات والجِمالات
    د. هادي حسن حمّودي




    مناقشات دقيقة لحلقة عتيقة
    (الصورة الملحقة لإزالة الضغط عمن يشكو من /الضغوط والضغوطات/)
    تفضل أساتذة كرام بمناقشة حلقة (ضغوطات) التي نشرت قبل سبع سنين عجاف وأعادت الإدارة، مشكورة، التذكير بها، أمس.
    ولقد لفتت نظري ملاحظات تشدّ العرى بين (الضغوطات) والبيوتات والرجالات.. وأضيف إليها، ما لم يذكره أحد: الجِمالات في (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) إذ قرئت من قبل عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين (حسب الطبري): جمالات.
    فاقتضى التوضيح:
    بيوتات تختلف عن أصلها (بيوت) التي هي اسم ذات.
    رجالات تختلف عن أصلها (رجال) وهي اسم ذات
    (جِمالات) تختلف عن أصلها (جمال) كذلك اسم ذات
    اسم ذات: ما دل على شيء ذي أبعاد يمكنك رسمها.
    وغيرها.. عن غيرها
    أما كلمة ضغوطات فلا تختلف عن أصلها ضغوط وهو جمع المصدر / اسم معنى (ضغط). ولم يكتف بعض الناس بجمع المصدر ضغط على ضغوط حتى ابتكروا لفظة (ضغوطات) التي سنرى ما فيها.
    وقبل ذلك أقول إن للمصدر حقلا لغويا محدد الاستعمال، وللبرهان، هنا مثالان:
    قالت الخنساء:
    ترتع ما رتعتْ حتى إذا ادّكرتْ/ فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ
    فما الذي سيستفيده المعنى إذا قلت: إقبالات وإدبارات. ومعنى المصدر أكثر عمقا وشمولا؟
    وتقول: ضرب زيدٌ أخاه ضربا شديدا. فهل سمعت من يقول: ضرب زيد أخاه ضروبا شديدة؟ أو ضروبات شديدة؟
    **
    ولمعرفة اختلاف الدلالات والتركيب نتابع:
    بيوت، جمع بيت، هذا الذي يبيت فيها الناس، وينتقل مجازا إلى ما يبيت فيه غيرهم. كما تقول: بات الهلال في المحاق، مثلا. أو باتت الأمور عسيرة على الناس.
    أما بيوتات فهي للثناء على من سكنها لا عليها هي ببنائها من المرمر مثلا، لذا تقول هؤلاء من بيوتات كريمة، بناء على ما قرره البلاغيون من تسمية الشيء بما له علاقة به لغرض بلاغي.
    نعم، لك أن تقول من بيوت كريمة. لكنك إن أردت مزيدا من تعميق المديح والثناء فعليك بتلك الزيادة. ولك أن تستأنس بقانون أبي الفتح في كتاب (الخصائص) عن (كل زيادة في المبنى تتبعها زيادة في المعنى) في الذي يصحّ فيه ذلك.
    الأمر نفسه في (رجال – رجالات) تريد أن تثني على مجموع من الرجال، فتقول رجالات المدينة، مثلا، فهي، في بعض الأساليب، أبلغ من رجال المدينة. ولا تستطيع أن تصف بها شرار الناس. فلا يجوز لك أن تقول عنهم رجالات المدينة. ولكنك تستطيع أن تقول: رجال أشرار.
    وجمالات صفر، في سياقها، أدقّ معنى وأعمق مبالغة وأرقى تركيبا من جمال صفر.
    فما الذي تفيدنا به كلمة ضغوطات؟ لا شيء.
    كلمة (ضغط) شاملة للقليل والكثير جُمعت على (ضغوط) فصارت جمعا للمصدر. ثم حولها بعض الناس إلى ضغوطات. فما الذي يلجئني إلى استعمال كلمة لا جمال في وقعها الموسيقي ولا تضيف لأصلها شيئا من توسيع المعنى والدلالة؟
    أما الاختلاف الصوتي، فاللغة العربية، لها قوانين صوتية وضّح الخليل بن أحمد جانبا منها، وواصل اللاحقون جوانب أخرى. الأصوات المتقاربة لا تشكل لفظة مأنوسة، كالهُعْخُع، وسائر الأمثلة الخليلية. وأنت لا تحس في (بيوتات/ رجالات/ جِمالات) وما شابهها نبوّا ذوقيا.
    أما (ضغوطات) فتقارُب الطاء والتاء، وإن فصل بينهما الألف، يبعد اللفظة عن جمال التركيب. ولو كانت ثمة حاجة دلالية تؤديها اللفظة لربما أمكن قبولها لغويا وذوقيا.
    فعلى الرغم من جمال كلمات أخرى من الجموع المشابهة، مثل: دروسات المدرسة، أو علومات مفيدة.. فإن اللغة رفضتها. فليس من السليم، حسب الدراسات التراثية كمقدمة الخليل لكتاب العين، وكتاب سر الفصاحة، والخصائص، والبيان والتبيين، وغيرها الكثير.. أن نقيس ضغوطات على كلمات مأنوسة هي الأفصح كما في (جمالات صفر) والفصيحة كما في رجالات.. إلى آخر آخره.
    وتحياتي وشكري لجميع من أعاد النشر ومن مر مرور الكرام، ومن حاور وناقش، سواء وافق أم رفض.

    المصدر
يعمل...