لغة التدريس بين الفصحى والعامية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إدارة المجمع
    مشرف عام
    • Feb 2012
    • 2874

    #1

    لغة التدريس بين الفصحى والعامية

    هذه مَقالةٌ بعَثَها إلى إدارَة المَجْمَع الأستاذ د.وليد العناتي، للنشر، مَشكوراً ، وتولّى نشرَها بالنيابَة، نائبُ رئيس المَجْمَع :

    لغة التدريس بين الفصحى والعامية
    أ.د وليد العناتي
    أستاذ اللسانيات التطبيقية
    جامعة البترا


    استقرت أعراف اللسانيات الاجتماعية على إقامة الفرق بين تحققين للغة: المنطوق والمكتوب. وترتبط اللغة المنطوقة على نحو وثيق بالعامية، وارتبطت اللغة المكتوبة بالفصحى. ثم إن الواقع اللغوي فرض مجالات استعمال متباينة لكلا المستويين لا تكاد تتعداها؛ فالعامية المنطوقة ميدانها التواصل اليومي وقضاء الحوائج اليومية غير الرسمية، أما الفصحى المكتوبة فقد شغلت مجالاتٍ تتصف ببعدها الرسمي كالتعليم والإعلام والتأليف والإبداع والنشر........إلخ.

    ولكننا نميز بين الخطاب المكتوب الذي أُعِدَّ ليؤدى منطوقًا وبين الخطاب المنطوق العفوي الاعتيادي؛ وعلى ذلك فإن الفصحى المنطوقة في الخطب والمناقشات والبرامج الثقافية والتدريس إنما تجري على رسم المكتوب وتضاهيه على وجه التقريب.
    واستقر لدى التربويين وعلماء النفس واللسانيين التطبيقيين أن التدريس وتلقي المعرفة ونقلها إنما يكون باللغة الفصحى الرسمية؛ وإنما كان ذلك لأسباب لغوية و ثقافية واجتماعية تتصل بالفرق بين وظائف العامية والفصحى.

    ومع هذا العرف المستقر إلا أن المشهد اللغوي العربي يشهد اختلالاتٍ كبيرةً تتمثل في تعدِّي العامية على حمى الفصحى في الإعلام والتعليم؛ أما في الإعلام فذلك ظاهر للعيان وماثل في كثير من الفضائيات التي تبث بالعامية، وتتيح فرص المناقشة بالعامية أيضًا. ولكن خطر هذه الفضائيات يظل محدودًا إذا ما قورن بتغلغل العامية في أهم ميادين الفصحى وهو التعليم.

    إن التدريس بالعامية في المدارس والجامعات العربية صار يمثِّل همَّا مؤرِّقًا وخطيرًا على نحو ظاهر؛ وهو يمثل انتكاسة كبيرة لجهود نشر الفصحى وتعليمها. ولاشك أن النزوع إلى التدريس بالعامية يشبه أن يكون عملاً لا إراديًا يصدر عمن يرتكبونه دون وعي أو إدراك؛ ذلك أن أكثر هؤلاء المدرِّسين إنما يقدِّمون صورة حقيقية عن ضعفهم اللغوي وخلفيتهم اللغوية السطحية، وعدم إدراكهم لأثر هذا التحول اللغوي في نفوس المتعلمين وتكوينهم اللغوي والمعرفي!!

    ومعلوم لدى العلماء والمفكرين واللسانيين النفسيين أن الطفل يبني كفايته اللغوية بالتعرض اللغوي المباشر؛ أكان ذلك باللغة المنطوقة أو المكتوبة، وأنه يمضي في استدخال نظام هذه اللغة ليبني نظامًا لغويًا متكاملاً يمكنه من التواصل بها تلقيًا وإنتاجًا، وتطَّرد العلاقة بين مدى التعرض وسرعة اكتساب اللغة وتعلمها؛ كلما زاد التعرض للغة زادت وتيرة الاكتساب ونوعيته. وتأسيسًا على ذلك فإن التدريس بالعامية يضيع على الأطفال والراشدين فرص بناء نظام العربية الفصحى بناءً سليمًا غير مشوَّش، ويحرمهم في الوقت نفسه من الاقتدار على رسم حدود فاصلة بين وظائف الفصحى والعامية، ولعل هذا ينتهي إلى خلل في شخصية الطفل والراشد حين ينمو فيه شعور بأن الفصحى والعامية تتبادلان المواقع والوظائف.

    ثم إن ثمة فرقًا كبيرًا بين العامية والفصحى مفاده أن العامية عفوية نقضي بها الحوائج اليومية، وهي ليست ذات ميراث ثقافي وذخيرة مصطلحية ومعرفية تُقْدرنا على تلقي العلم والمعرفة وإنتاجها وتبادلها. وهكذا فإن هذه المنزلة محفوظة للفصحى بلا منازع، ولو أننا حاولنا تلمس ذخيرة معرفية للعامية لما استقام لنا ذلك...... فكيف يستقيم لهؤلاء المدرسين أن يقدِّموا علمًا ومعرفةً بالعامية؟؟؟

    ويمثل التدريس بالعامية مفارقة عجيبة لأعراف الخطاب وقوانينه المستقرة كما أسلفنا؛ إذ العامية مقصورة على المواقف غير الرسمية والفصحى تحتل أفياء الخطاب الرسمي بكل تجلياته وأعرافه. ولعل هذه المقارنة العجلى تظهر حجم هذه المفارقة:
    يجلس الشباب في المقهى لتناول الشاي معًا ويتبادلون أطراف الحديث في قضية معينة، وتقطعُ حديثَهم ضحكاتٌ وتعليقاتٌ متباينة الشكل والمضمون؛ وليس هذا المشهد مستهجنًا أو مستغربًا؛ فهو مشهد عفوي من واقع الحياة اليومية لا يملك أحد أن يعترض عليه.
    وإذا انتقلنا إلى قاعة دراسية يُقدِّم فيها العلم والمعرفة بالعامية الخالصة، وهو في كل ذلك يستحضر تجارب من التجربة الشعبية المروية بالعامية الخالصة، فيفتح بذلك أفقًا للتندُّر والتظرُّف وإهدار الوقت في محاولة السيطرة على الموقف أو استعادة هيبة المجلس العلميّ...؛ لقد استحضر الطلبة بهذه الرسالة ( استخدام العامية) مواقف حياتهم اليومية غير الرسمية فأسقطوا حاجز الرسمية وأهدروا كرامة العلم وقداسة الوقت فتحوّل الدرسُ من مَفْخَرةٍ إلى مَسْخَرةٍ؛ وإنما كان ذلك لسقوط الحاجز النفسي وهيبة المعرفة التي تقدَّم بالفصحى............ وبصحبة هذا كُلِّه ضاعت هيبة المعلِّم أو الأستاذ الجامعي!!!
    ثم يعود الطلبة إلى بيوتهم لاستكمال متطلبات الدروس والمهام التعليمية المختلفة، فيفيئون إلى المراجع ومصادر المعرفة المختلفة، وهي مصادر معرفية مدوَّنة بالفصحى لا العامية، فيخلِّف ذلك في الطلبة حالةً من التعثُّر والتشرذم بين ما يقوله المعلم بالعامية المشتركة، وقد تكون بعاميته المحلية الضيقة، وما يتوفَّر عليه الطلبة في المراجع والمصادر، فيضيقون بذلك أيما ضيق.
    وإذا حانت ساعة الامتحان وجلس الطلبة للإجابة عاودهم الشعور بصداع نصفي يتحول إلى صداع كُلِّي؛ فالأسئلة بالفصحى..!!! فما عسى هؤلاء الطلبة يفعلون؟؟ يغلب أن يتصدَّع الطلبة وينفصموا وهم يديرون الأمر على وجوهه: هذا المعلِّمُ يشرح لنا بالعامية فنفهم ما يريد بالعامية، ويطلب إلينا التزود من المراجع والمراجع بالفصحى فلا نتزوَّد شيئًا؛ وإنما نجهدُ في الاحتفاظ بما فهمناه بالعامية. وأما الآن فإنه يسألنا بالفصحى رغم أنه شرح بالعامية............ فما الحل؟
    أغلب الظنّ أن الطلبة سيجيبون بالعامية التي تلقوها من معلمهم، وقد يستعينون ببعض ما علق في أذهانهم من مفردات الفصحى وتراكيبها........... وتشبه هذه الدائرة أن تنتهي إلى انفصام لغوي يعقبه انفصام نفسي واجتماعي!!

    وإذا كان هذا المشهد الدراميّ مُتَخيَّلاً فلا شك أنّ فيه شيئًا كثيرًا من الواقعية؛ ذلك أن المضي في هذا الطريق سيفضي إلى مثل هذا الانفصام والانفصال.
    ولعل معالجة هذه " الردة اللغوية" تقتضي معالجات متعددة يتصل أكثرها ببرامج إعداد المعلمين وتأهيلهم؛ ذلك أن الكفاية اللغوية بالعربية الفصحى هي المفتاح الرئيس لتقديم المعرفة وإيصالها للمتعلمين. وليس المقصود بذلك أن يكون المعلم أو الأستاذ الجامعي متخصصًا في النحو أو متقعِّرًا في أدائه اللغوي؛ وإنما يكون قادرًا على أداء محاضرته بعربية فصحى سليمة بعيدة عن العامية والسوقية.

    إن هذا الإعداد اللغوي التربوي والعملي للمعلمين كفيل بالقضاء على مقولة: أنا لست متخصصًا في العربية؛ هذه المقولة التي يركن إليها كثير من المشتغلين بالتعليم على اختلاف تخصصاتهم.
يعمل...