"اللغة العربية وغياب البوصلة الحضارية"

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    "اللغة العربية وغياب البوصلة الحضارية"

    "اللغة العربية وغياب البوصلة الحضارية"
    د. مصطفى عطية




    عنوان المحاضرة التي تشرفت بتقديمها في الندوة الدولية التي أقيمت مساء الأحد 26 / 12، 2021، بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، وقد حملت الندوة شعار " اللغة العربية وترسيخ الهوية في عصر العولمة"، وقد نظّمتها الأكاديمية الدولية للتدريب والاستشارات- المغرب، وأدارها الصديق د. ماجد قاسم، بمشاركة نخبة من الأكاديميين العرب.
    وبفضل الله، ذكرت في مداخلتي أنه لا يمكن النظر إلى أزمة اللغة العربية في جوانب حياتنا المعاصرة، بعيدا عن المأزق النهضوي الذي تعيشه الأمة. فلكي نشخص المشكلة ونعالجها بمنظور شامل، علينا تخطي أعراضها ، والغوص في ثناياها، وخلفياتها الفكرية والحضارية والثقافية. أملا في ترك المعالجات الجزئية، التي تلقي باللوم على جهة ما، أو تحصر العلاج في جانب واحد، غير ناظرة إلى جوانب أخرى؛ هي معاول هادمة.
    من الثابت حضاريا، أن اللغة–أيا كانت– تعلو برفعة الأمة، وتنخفض بانحدارها. وقد كانت العربية اللغة الأولى عالميا في العصر الوسيط، عندما كانت الحضارة الإسلامية في أوج مجدها، وبها كُتِبت علومها وصيغت مصطلحاتها، وتشكلت فنون الخط العربي ولوحاته البديعة من خطها. فمن أراد تعلم علوم حضارتنا، فلا مناص أمامه من إجادته للعربية، ومعرفة ثقافتها، وهو ما دفع الأوروبيين لتعلم العربية.
    لقد تمددت رقعة الحضارة الإسلامية جغرافيا، وانضوت عشرات الشعوب تحت لوائها، وكان التطور الأكبر على الصعيد اللغوي ببسط العربية نفوذها الروحي لكونها لغة القرآن ولسان نبيه (صلى الله عليه وسلم)، فسيطرت العربية طوعا على العديد من اللغات في البلدان الإسلامية، وبعضها ذات حضارات راسخة، فكُتِبت هذه اللغات بالحرف العربي. كما غزت المفردات العربية قاموسها، بنسب متراوحة ما بين ( 40 – 60 ) بالمئة، ومن أبرز هذه اللغات: الفارسية، التركية، الأردو، لغة الملايو، ولغة الهاوزا بنيجيريا، والسواحلية في القرن الإفريقي.
    ورغم تحرر دول العالم العربي من الاستعمار عسكريا، إلا أننا ما زلنا نعيش في المأزق الحضاري، المتمثل في افتقاد البوصلة والهوية، ممثلا في وجود نخبة علمية وثقافية مسيطرة وذات نفوذ تمثل ذيولا للاستعمار الغربي. فقد توحدت الشعوب العربية من أجل الاستقلال، ولكن لم تنتبه إلا أن هيكلية الحكم التي أوجدها الاستعمار ظلت كما هي، ومثّلت الأساس في التحديث، فكانت هناك نخب حاكمة، ورثت المشروع الاستعماري، وكثير منها تعلّم في بلاد الاستعمار، وآمن بثقافته، واستمر على سياساته.
    ومن هنا، فإن ضعف اللغة العربية نطقا واستخداما وثقافة وإبداعا، أساسه الحالة الحضارية التي تعيشها الأمة، وغياب المرجعية الفكرية التي تؤطر نهضتها.
    والواقع اللغوي المعيش الآن دال على ذلك، ويكفي ما نراه من إفراط في العامية على مستوى الإعلام والفنون وفي قاعات التعليم، بل وصل الحال إلى الإبداعات الشعرية والسردية، ويكفي أن تستمع أو تمسك بديوان شعر عامية في أي بلد عربي، فلن تستطيع فهم التراكيب والألفاظ، نتيجة كتابة المنطوق على الألسنة، فالقاف -مثلا -تكتب بالهمزة في مصر، أو بالجيم في اليمن، أو بالشين في بعض دول الخليج.
    وتعاظمت الدعوات بتبني كتابة العامية ونعتها بأنها لغة وليست لهجة، بحجة أنها تحمل الثقافة الشعبية والفولكلور. واشتدت الهجمة التغريبية أكثر، لنجد موضة كتابة العربية بأحرف لاتينية (الفرانكو)، وسادت في أوساط النخبة والشباب معا، مع انتشار التعليم الأجنبي، وانحصار تعليم العربية في مادتها المقررة مع التربية الإسلامية، أما سائر العلوم فتُدّرس باللغات الأجنبية، بل إن المدارس ثنائية اللغة تتباهى بإحضارها معلمين أجانب، يمتلكون اللغة الأجنبية الأم. وعادت النظرة الدونية إلى معلمي العربية، وتعاظمت كراهية النحو، ونبذ عيون الشعر العربي بدعوى وعورة الفهم، مفضلين الأغاني العامية، أو الشعر باللهجات الدارجة.
    إنه واقع مأزوم، يعبر عن حالة استلاب حضاري تعيشها الأمة، ولا حل إلا بتصحيح البوصلة، والتمسك بالهوية الحضارية للأمة، فلا نهوض دون العربية المعبرة عن تراثنا وحضارتنا.

    المصدر
يعمل...