النص والقارئ وإنتاج المعنى
أ.د.أحمد يحيى علي
أستاذ الأدب والنقد بكلية الألسن جامعة عين شمس
أ.د.أحمد يحيى علي
أستاذ الأدب والنقد بكلية الألسن جامعة عين شمس
ثنائية الشكل والمضمون التي تتكون منها أية علامة لغوية تأخذنا إلى عمليات عدة: الوصف الذي يستغرقه الشكل والعناصر التي يتكون منها وما بينها من علاقات فحسب. وفيما يسمى بنقد الحداثة يبدو هذا واضحًا في تيار البنيوية. الاستكشاف الذي تنتهي به رحلته أمام المعنى القريب الظاهر الذي يمكن نعته بالمعنى المخادع أو القناع الذي يرتديه المعنى الذي يُفترض أن النص يقصده. الاستكشاف الذي يدرك أن المعنى الأول أو الظاهر ليس نهاية المطاف؛ ومن ثم فإن عليه القيام بمزيد جهد لإدراك المعنى العميق.
مفتتح
الإنسان؛ بوصفه أرقى الكائنات الحية على سطح الأرض، يدير علاقته بالعالم، عندما يحيل هذا الأخير إلى مادة للتفكر بحثًا ورصدًا وتحليلًا، ثم محاولة الوصول إلى نتائج هي بمثابة قناعات أو خبرات تمثل لهذا الإنسان عتبات يقف عليها ليشيد بنيانه الحضاري والثقافي حيثما وجد ومتى وجد؛ ومن ثم يصير لعاملي الزمان والمكان دورهما البارز في هذه العملية، يضاف إليهما عوامل كاللغة والمعتقد.
والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وعلمه البيان، منحه القدرة على التعبير عن الفكر والشعور المتولد بداخله نيتجة علاقته بالعالم وتأثره بما يجري فيه وتأثيره هو الآخر فيه، وها هو ذا قوله تعالى "الرحمن. علمَّ القرآن. خلق الإنسان. علَّمه البيان"(1)، ويمكن الوقوف على طبيعة هذا البيان وأنماطه من خلال ما أشار إليه الجاحظ في كتابه البيان والتبيين من أن جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء؛ أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد (ضرب من الحساب يكون بأصابع اليدين)، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة، والنصبة هي الحال الدالة(2).
والنقد أحد مظاهر استخدام الإنسان للعقل في القراءة، وبحكم ما تنطوي عليه مادته اللغوية (نقد) من دلالات أولية، كالبيع والشراء، أو الأخذ والعطاء الذي يقتضي وجود طرفين يمكن الوقوف على هذا الطابع الاتصالي المميز لها؛ فمن هذه الثنائية الأثيرة (الإنسان والعالم) تتولد علاقتان:
- الأديب والعالم ومن حاصل تفاعلهما يخرج النص (شعر ونثر).
- الناقد والنص، ومن ناتج الصلة بين الطرفين يخرج منتج معرفي تتضافر في تشكله مكونات تنتسب وتعود لأصول فكرية متنوعة، ويتوقف ذلك على الرصيد الخاص بشخصية الناقد وعلى أسلوب تعامله مع النص وصاحبه وعلى طبيعة النص ذاته.
بالطبع يمكن القول: إن كل ما أنجزته الذات الإنسانية من معارف على مدار رحلتها الحياتية الممتدة قد خرج من رحم هذه الثنائية، ومما لا شك فيه أن للتيمة/ الفكرة (نقد) أثرًا فاعلًا في مجمل ما أنجزته يد هذا الإنسان من معرفة.
النقد: الدال ومحاور العمل
إن الانطلاق من هذا الدال (نقد) إلى طبيعة العمل يأخذنا إلى محاور عدة:
- الاقتراب البرئ بالجوارح (التصدي لما يجري في العالم من خلال الالتقاط الأولي لها عبر وسائل الرصد المتاحة لدى هذا الإنسان: سمع، بصر، لمس.. إلخ).
- الصعود خطوة في سلم العملية التفاعلية بمحاولة تحليل استقرائي للظاهرة الموجودة في العالم محل المتابعة، وفي هذه الخطوة تمارس العقلية الناقدة دورها في البحث والتشريح وإحالة المجمل الكلي الذي أدركته الجوارح في المرحلة الأولى إلى أجزاء صغيرة تخضع للدراسة بشكل يبدو شبه مستقل عن غيرها داخل هذا المجمل. وفي هذه المرحلة تبدو قضية الفيزيقي الظاهر هي الشغل الشاغل لآلة الفكر الناقد.
- يلي هذا المحور محاولة الوصول إلى جواهر دلالية تعكس رغبة في إحالة هذا الظاهر -الذي خضع لعملية اقتراب أولي بالجوارح ثم إلى محاولة تشريح وتقطيع تثبت أن العالم وما هو كائن فيه هو بمثابة كل مركب من أجزاء، ومحاولة اكتشافه لا بد أن تمر أولا على هذه المرحلة بالغة الحساسية؛ ألا وهي مرحلة الاستقراء- إلى معنى، أو لو شئنا قلنا نتيجة أو حكم. وفي هذا المحور الثالث بالإفادة من مبحث الجملة الاسمية في حقل النحو العربي نستطيع أن نقول: إننا بصدد (خبر) لمبتدأ يشغل موقعه الجانب الظاهر من العالم محل الرؤية ببعديها البصري المعتمد على العين والعقلي المعتمد على التأمل الذهني(3).
إن كلًّا من الأديب والناقد يلتقيان في المرور على هذه المراحل أو المحاور، لكن الأخير يبدأ عمله من حيث ينتهي الأول؛ فالأديب يحيل العالم في سياق زماني ومكاني محدد إلى مركب نصي قابل للقراءة، هذا المركب النصي يمثل المعنى أو الدلالة أو القناعة التي توصل إليها واستقر عندها، وبقيت حالة مجردة قبل أن تخرج إلى العالم من جديد في هيئة يمكن إدراكها بالجوارح أولًا، أما المَعنِي بالنقد عملًا وممارسةً فيبدأ من هذا الملموس الفيزيقي (النص)؛ ليكون المعنى إحدى الغايات أو المقاصد التي يسعى إلى الوصول إليها من خلال صنيعه، هذا المعنى قد يتقاطع مع مراد الأديب في جهده التعبيري الذي تشكل، وقد يبتعد.
كلا الاثنين يجعل من العالم المنطلق والدافع والمادة الرئيسة للعمل، وكلا الاثنين يجعل من آليتي الرصد المبني على الوصف الظاهري ثم الوصول إلى معنى (خبر) به تلتئم دائرة الرؤية محاور بديهية لا غنى عنها في عمله.
الناقد وأنماط استخراج المعنى
إننا من خلال هذه الثنائية (الذات والعالم) واتصالها في حقل الفلسفة بما يسمى بالظاهراتية أو علم الظواهر (Phenomenology)(4) يمكننا الحركة برفقة الناقد الأدبي تحديدًا الذي لا يتوقف في عمله عند عتبة الرصد الشكلي الاستقرائي لجزئيات عمل الأديب، بل يتجاوزها إلى مرحلة التقاط ما يظنه معاني أو دلالات مختبئة خلف قشرة النص الظاهرة لنقف أمام ملمحين مهمين:
- التفسير أو الشرح.
- التأويل.
اللغة إذًا بوجهيها المنطوق والمكتوب أحد أشكال البيان التي يلجأ إليها الإنسان في تحويل المجرد من الفكر والشعور إلى ملموس مدرك بالحواس يحتاج إلى من يقيم معه علاقة تقوم على الرصد، هذا الرصد يأخذنا إلى شكلين من أشكال قراءة النصوص:
الأول: القراءة الشكلية للنص التي تقف عند ملامح النص الخارجية الظاهرة وكيفية تشكله وبيان العناصر التي يتركب منها، وما يربط بعضها ببعض من علاقات.
الثاني: القراءة الاستكشافية للنص التي تتجاوز عتبة الرصد الشكلي لعناصر بنائه وطبيعة العلاقات الرابطة بينها إلى عتبة إنتاج الدلالة المتصلة بهذا البناء اللغوي.
وهذا يطرح سؤالًا يبدو منطقيًّا وإجابته من المفترض أنها معلومة؛ هل يمكن لناقد طموح لا يكتفي فقط بمسألة الرصد الشكلي كما هو الحال عند أصحاب نقد الحداثة من الشكليين والبنيويين، هل يمكن لناقد كهذا أن يشرح ببراءة ما يبدو طافيًا على سطح النص من دلالات ظاهرة؟
إن لعبة الخيال التي تجعل من هذا العالم الموازي الذي يعكس قراءة شديدة الخصوصية والذاتية للعالم المعيش أيقونة رمزية أو بنية استعارية شديدة التميز تفرض على الناقد أسلوبًا في التعامل يتجاوز به إحدى الوظائف اللغوية المعلومة التي يمكن القول إنها من الوظائف التي لا تحتاج إلى مزيد عناء في إنجازها؛ ألا وهي الوظيفة الشارحة(5)؛ الأمر إذًا يتطلب عروجًا فكريًّا يعكس نضجًا ذهنيًّا وثراءً معرفيًّا؛ ومن ثم يكون التأويل الوسيلة الأنجع والأنسب في التعامل مع هذا الكيان الرمزي الذي يميز صنعة الفن عمومًا، ولعل حديث شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ) في قضية اللفظ والمعنى وما أسماه بمعنى المعنى(6) تتفق تمامًا وهذه الحال وتلتقي بالطبع مع ما ينطوي عليه هذا المصطلح من دلالة تشير إلى طبيعة استخدامه من قبل من يقومون بتوظيفه؛ فتجاوز اللفظ لدلالته الحقيقية إلى دلالة أخرى مجازية، مع إدراك القائم بهذه العملية للصلة الرابطة بين الحقيقي والمجازي(7) يكشف بجلاء عن كُنه العملية الفنية والأدبية بصفة خاصة، وبالتوازي معها جوهر العملية النقدية ذاتها في تصديها لها؛ فالفن والأدب يعيدان إنتاج ما في العالم ويقدمان للمرئي الذي يقع في مرمى رؤية الذات المبدعة شهادة ميلاد ثانية، لكن بشفرات وبأدوات مستعارة، يمكن من خلالها أن نقف أمام مصطلح كهذا يُوصِّف هذه العملية (التخييل)، والناقد المدرك لكُنْه هذه العملية يعلم يقينًا أن التعامل معها لن يكتفي بهذه النظرة الطفولية البريئة التي تلمس معناها المباشر القريب الذي يمثل مع بنيانها اللفظي الظاهر قناعًا يتدثر به هذا العالم المصنوع في تجليه أمام أعين الناظرين إليه؛ لذا فإن الرحيل خلف ما يسكن في أعماق هذا المصنوع من دلالات تضعنا أمام حكم يتسنى لنا إدراكه: إن هذا المعنى القريب هو بمثابة نقطة اتفاق يلتقي عندها كل المتعاملين مع النص الأدبي في رحلة متابعتهم له، ويمثل درجة أو عتبة أولى الجميع يقف عليها بلا استثناء وهو المحطة الأولى، أو لو شئنا قلنا: السماء الأولى التي يعرج إليها ويمر منها كل الصاعدين بحثًا عن المعاني الأعمق الساكنة خلفها، وفي السعي إلى الوصول إلى تلك المعاني تتبدد حالة الاتفاق هذه لتصير فرقة واختلافًا بدرجة كبيرة؛ إن إنتاج تلك المعاني المفترضة يخضع إلى حد كبير إلى شخصية الناقد ورصيده الفكري وأدواته في القراءة وقناعاته، وليس كل النقاد سواء في هذا الشأن؛ ومن ثم تصبح المعاني الثواني مجالًا خصبًا رحبًا لقراءات متنوعة لا يُعلم لها عدد أو سقف تقف عنده؛ إن الثابت أو الأحادي إذًا على المستوى اللفظي وعلى مستوى المعنى المباشر القريب يستحيل إلى متعدد متنوع على مستوى الدلالة العميقة وكنهها، وفي حقل الفلسفة ظهر توجه يعدُّ وثيق الصلة به ما يسمى بمناهج نقد النصوص وعلم التلقي في النقد الأدبي في أطواره الأكثر حداثة؛ هذا التوجه هو الهرمنيوطيقا (Hermeneutics) التي ترتبط في عملها بالتعامل مع النصوص الدينية (الكتاب المقدس) وآليات استخراج المعنى(8).
بناءً على الطرح السابق فإن النص المؤسس على اللغة إذًا هو بمثابة علامة تتكون من دال (شكل لغوي ظاهر) ومدلول (معنى)، هذا المعنى هو ما يقف منه المعنيون به على مذاهب أو حالات شتَّى؛ إذ ليس كل القراء يمتلكون القدرة على المضي قدمًا من المعنى الظاهر إلى المعنى الكامن أو الخفي للنص، الذي يحتاج في إنتاجه إلى زاد معرفي يجب أن يحصله من يريد النهوض بهذه العملية، هذا الزاد وثيق الصلة بغايات ومقاصد يرمي إليها صاحب النص، هذا الزاد وثيق الصلة بظروف وملابسات تتصل بالمقام والظرف الزماني والمكاني المحيط بالنص عند ظهوره، هذا الزاد وثيق الصلة بضوابط يجب أن يعيها من يريد النهوض بهذه العملية تتصل بعملية الانتقال من المعنى القريب إلى غيره، والشروط الواجب مراعاتها؛ فهناك شطحات في التأويل قد تذهب بالنص بعيدًا؛ خصوصًا فيما يتصل بالنصوص الدينية؛ وهذا يعني أن المهتمين بمسألة التأويل ليسوا على حال واحد هم أيضًا(9).
النص الأدبي بين مسار الأديب ومسار الناقد
إن هذه العلاقة ذات الإيقاع المميز التي تجمع الذات الإنسانية على وجه العموم والذات المبدعة على وجه الخصوص بعالمها التي يمكن أن نحدها في طرفين، يؤدي أحدهما إلى الثاني: التجربة الشعورية (التفاعل مع العالم)، والتجربة الشعرية (تحول هذه الحالة التفاعلية إلى نسق تعبيري مميز)، تتصل بإحدى ثنائيات عالم اللغة السويسري فردينان دي سوسير التي يحتويها كتابه: محاضرات في علم اللغة العام (محور العلاقات الاستبدالية، ومحور العلاقات السياقية الترابطية)؛ إن الطرف الأول منها يشير إلى منطق الاختيار أو الاقتناص؛ أي أخذ المبدع من العالم ما قد ترك أثرًا في الوعي جديرًا بالتدوين والتسجيل على طريقة تعبيرية مخصوصة، أما الطرف الثاني المتعلق بمحور العلاقات السياقية فيأخذنا إلى البناء التعبيري المشكل في صيغته اللفظية الظاهرة(10)، ويبدو أن هذه العلاقة تدفع بقوة الناقد إلى الجمع في عمله بين هذين المحورين الأثيرين:
- محور الرصد الشكلي الاستقرائي للقيم الجمالية للنص الإبداعي وإدراك العلاقات الرابطة بين عناصره، انطلاقًا وإيمانًا بما ذكره أرسطو بشأن مصطلح المحاكاة؛ إذ يستطيع من خلالها أن يتبين ما يسود العمل الفني من خلق وانسجام وتناسق؛ لذا فإن على الناقد عبر هذا المحور إضاءة ما تنطوي عليه أجزاء العمل من تفاعل فيما بينها، هذا التفاعل يشجع على ضرورة وقوف العملية النقدية على أمارات تفرد كل تجربة شعرية وتميزها بسمات خاصة عن غيرها(11).
- محور الاستكشاف الدلالى أو إنتاج القيم الدلالية للنص الإبداعي، وفي هذا المحور تبدو جلية فرادة كل ناقد وقدر الاستقلالية الذي يحظى به عن غيره في المجال نفسه؛ فعلى الرغم من التوظيف المنهجي الذي قد يلتقي عنده الناقد الواحد بغيره فإن الوقوف على المعنى الثاني قد يمثل فرصة سانحة للحضور الفردي لشخصية كل ناقد على حدة.
وفي هذا المحور الأخير نضع أيدينا على اتجاهات منهجية تحظى بانتشار كبير منذ بدايات القرن العشرين وتحديدًا مع الأثر الفاعل الذي خلفه فردينان دي سوسير في حقل الدرس اللساني، ولا يزال لها وجودها الواضح داخل الساحة النقدية، نقصد بالتحديد السميولوجية؛ بوصفها حاضنًا وراعيًا لمناهج التلقي أو قراءة النصوص وبجوارها ما يسمى بالنقد الثقافي ومقولاته التي تمنح شخصية الناقد طابعًا موسوعيًّا؛ بما تفرضه عليه من إلمام بحقول معرفية، كالتاريخ وعلم النفس والفلسفة وعلم الاجتماع، إضافة إلى دراياته باللغة وبالأدب وفنونه بالطبع؛ إن السيميولوجية أو علم العلامات التي خرجت من رحم ثنائيات فردينان دي سوسير الشهيرة، وتحديدًا ثنائية (الدال والمدلول)(12) التي ضمنها كتابه: محاضرات في علم اللغة العام تعد بمثابة البوصلة التي تضبط حركة الناقد المتوسل بأدوات منهجية موضوعية في أثناء تعامله مع عالم المبدع المصنوع، ولذلك فإن هوية النص التي يكتسبها بفضل خصوصية تشكيله من قبل صاحبه تتأكد بفضل شخصية الناقد التي تتجاوز بتلك الخصوصية عتبة القيم الجمالية ووسائل الربط بين أجزائه إلى عتبة المعنى الذي يجعل النص قابلًا للحياة وللحركة والتمدد الأفقي في فضاءات تتداوله وتجعل من الشكل الذي تمت صياغته بآلية تشد المتلقي إليه مطية لميلاد قد يكون جديدًا له بفضل حالة التأويل التي سيتعرض لها وما قد تسفر عنه من دلالة لم يكن قد سُبق إليها خلال رحلته في فضاء النقد والقراءة.
مفتتح
الإنسان؛ بوصفه أرقى الكائنات الحية على سطح الأرض، يدير علاقته بالعالم، عندما يحيل هذا الأخير إلى مادة للتفكر بحثًا ورصدًا وتحليلًا، ثم محاولة الوصول إلى نتائج هي بمثابة قناعات أو خبرات تمثل لهذا الإنسان عتبات يقف عليها ليشيد بنيانه الحضاري والثقافي حيثما وجد ومتى وجد؛ ومن ثم يصير لعاملي الزمان والمكان دورهما البارز في هذه العملية، يضاف إليهما عوامل كاللغة والمعتقد.
والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وعلمه البيان، منحه القدرة على التعبير عن الفكر والشعور المتولد بداخله نيتجة علاقته بالعالم وتأثره بما يجري فيه وتأثيره هو الآخر فيه، وها هو ذا قوله تعالى "الرحمن. علمَّ القرآن. خلق الإنسان. علَّمه البيان"(1)، ويمكن الوقوف على طبيعة هذا البيان وأنماطه من خلال ما أشار إليه الجاحظ في كتابه البيان والتبيين من أن جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء؛ أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد (ضرب من الحساب يكون بأصابع اليدين)، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة، والنصبة هي الحال الدالة(2).
والنقد أحد مظاهر استخدام الإنسان للعقل في القراءة، وبحكم ما تنطوي عليه مادته اللغوية (نقد) من دلالات أولية، كالبيع والشراء، أو الأخذ والعطاء الذي يقتضي وجود طرفين يمكن الوقوف على هذا الطابع الاتصالي المميز لها؛ فمن هذه الثنائية الأثيرة (الإنسان والعالم) تتولد علاقتان:
- الأديب والعالم ومن حاصل تفاعلهما يخرج النص (شعر ونثر).
- الناقد والنص، ومن ناتج الصلة بين الطرفين يخرج منتج معرفي تتضافر في تشكله مكونات تنتسب وتعود لأصول فكرية متنوعة، ويتوقف ذلك على الرصيد الخاص بشخصية الناقد وعلى أسلوب تعامله مع النص وصاحبه وعلى طبيعة النص ذاته.
بالطبع يمكن القول: إن كل ما أنجزته الذات الإنسانية من معارف على مدار رحلتها الحياتية الممتدة قد خرج من رحم هذه الثنائية، ومما لا شك فيه أن للتيمة/ الفكرة (نقد) أثرًا فاعلًا في مجمل ما أنجزته يد هذا الإنسان من معرفة.
النقد: الدال ومحاور العمل
إن الانطلاق من هذا الدال (نقد) إلى طبيعة العمل يأخذنا إلى محاور عدة:
- الاقتراب البرئ بالجوارح (التصدي لما يجري في العالم من خلال الالتقاط الأولي لها عبر وسائل الرصد المتاحة لدى هذا الإنسان: سمع، بصر، لمس.. إلخ).
- الصعود خطوة في سلم العملية التفاعلية بمحاولة تحليل استقرائي للظاهرة الموجودة في العالم محل المتابعة، وفي هذه الخطوة تمارس العقلية الناقدة دورها في البحث والتشريح وإحالة المجمل الكلي الذي أدركته الجوارح في المرحلة الأولى إلى أجزاء صغيرة تخضع للدراسة بشكل يبدو شبه مستقل عن غيرها داخل هذا المجمل. وفي هذه المرحلة تبدو قضية الفيزيقي الظاهر هي الشغل الشاغل لآلة الفكر الناقد.
- يلي هذا المحور محاولة الوصول إلى جواهر دلالية تعكس رغبة في إحالة هذا الظاهر -الذي خضع لعملية اقتراب أولي بالجوارح ثم إلى محاولة تشريح وتقطيع تثبت أن العالم وما هو كائن فيه هو بمثابة كل مركب من أجزاء، ومحاولة اكتشافه لا بد أن تمر أولا على هذه المرحلة بالغة الحساسية؛ ألا وهي مرحلة الاستقراء- إلى معنى، أو لو شئنا قلنا نتيجة أو حكم. وفي هذا المحور الثالث بالإفادة من مبحث الجملة الاسمية في حقل النحو العربي نستطيع أن نقول: إننا بصدد (خبر) لمبتدأ يشغل موقعه الجانب الظاهر من العالم محل الرؤية ببعديها البصري المعتمد على العين والعقلي المعتمد على التأمل الذهني(3).
إن كلًّا من الأديب والناقد يلتقيان في المرور على هذه المراحل أو المحاور، لكن الأخير يبدأ عمله من حيث ينتهي الأول؛ فالأديب يحيل العالم في سياق زماني ومكاني محدد إلى مركب نصي قابل للقراءة، هذا المركب النصي يمثل المعنى أو الدلالة أو القناعة التي توصل إليها واستقر عندها، وبقيت حالة مجردة قبل أن تخرج إلى العالم من جديد في هيئة يمكن إدراكها بالجوارح أولًا، أما المَعنِي بالنقد عملًا وممارسةً فيبدأ من هذا الملموس الفيزيقي (النص)؛ ليكون المعنى إحدى الغايات أو المقاصد التي يسعى إلى الوصول إليها من خلال صنيعه، هذا المعنى قد يتقاطع مع مراد الأديب في جهده التعبيري الذي تشكل، وقد يبتعد.
كلا الاثنين يجعل من العالم المنطلق والدافع والمادة الرئيسة للعمل، وكلا الاثنين يجعل من آليتي الرصد المبني على الوصف الظاهري ثم الوصول إلى معنى (خبر) به تلتئم دائرة الرؤية محاور بديهية لا غنى عنها في عمله.
الناقد وأنماط استخراج المعنى
إننا من خلال هذه الثنائية (الذات والعالم) واتصالها في حقل الفلسفة بما يسمى بالظاهراتية أو علم الظواهر (Phenomenology)(4) يمكننا الحركة برفقة الناقد الأدبي تحديدًا الذي لا يتوقف في عمله عند عتبة الرصد الشكلي الاستقرائي لجزئيات عمل الأديب، بل يتجاوزها إلى مرحلة التقاط ما يظنه معاني أو دلالات مختبئة خلف قشرة النص الظاهرة لنقف أمام ملمحين مهمين:
- التفسير أو الشرح.
- التأويل.
اللغة إذًا بوجهيها المنطوق والمكتوب أحد أشكال البيان التي يلجأ إليها الإنسان في تحويل المجرد من الفكر والشعور إلى ملموس مدرك بالحواس يحتاج إلى من يقيم معه علاقة تقوم على الرصد، هذا الرصد يأخذنا إلى شكلين من أشكال قراءة النصوص:
الأول: القراءة الشكلية للنص التي تقف عند ملامح النص الخارجية الظاهرة وكيفية تشكله وبيان العناصر التي يتركب منها، وما يربط بعضها ببعض من علاقات.
الثاني: القراءة الاستكشافية للنص التي تتجاوز عتبة الرصد الشكلي لعناصر بنائه وطبيعة العلاقات الرابطة بينها إلى عتبة إنتاج الدلالة المتصلة بهذا البناء اللغوي.
وهذا يطرح سؤالًا يبدو منطقيًّا وإجابته من المفترض أنها معلومة؛ هل يمكن لناقد طموح لا يكتفي فقط بمسألة الرصد الشكلي كما هو الحال عند أصحاب نقد الحداثة من الشكليين والبنيويين، هل يمكن لناقد كهذا أن يشرح ببراءة ما يبدو طافيًا على سطح النص من دلالات ظاهرة؟
إن لعبة الخيال التي تجعل من هذا العالم الموازي الذي يعكس قراءة شديدة الخصوصية والذاتية للعالم المعيش أيقونة رمزية أو بنية استعارية شديدة التميز تفرض على الناقد أسلوبًا في التعامل يتجاوز به إحدى الوظائف اللغوية المعلومة التي يمكن القول إنها من الوظائف التي لا تحتاج إلى مزيد عناء في إنجازها؛ ألا وهي الوظيفة الشارحة(5)؛ الأمر إذًا يتطلب عروجًا فكريًّا يعكس نضجًا ذهنيًّا وثراءً معرفيًّا؛ ومن ثم يكون التأويل الوسيلة الأنجع والأنسب في التعامل مع هذا الكيان الرمزي الذي يميز صنعة الفن عمومًا، ولعل حديث شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ) في قضية اللفظ والمعنى وما أسماه بمعنى المعنى(6) تتفق تمامًا وهذه الحال وتلتقي بالطبع مع ما ينطوي عليه هذا المصطلح من دلالة تشير إلى طبيعة استخدامه من قبل من يقومون بتوظيفه؛ فتجاوز اللفظ لدلالته الحقيقية إلى دلالة أخرى مجازية، مع إدراك القائم بهذه العملية للصلة الرابطة بين الحقيقي والمجازي(7) يكشف بجلاء عن كُنه العملية الفنية والأدبية بصفة خاصة، وبالتوازي معها جوهر العملية النقدية ذاتها في تصديها لها؛ فالفن والأدب يعيدان إنتاج ما في العالم ويقدمان للمرئي الذي يقع في مرمى رؤية الذات المبدعة شهادة ميلاد ثانية، لكن بشفرات وبأدوات مستعارة، يمكن من خلالها أن نقف أمام مصطلح كهذا يُوصِّف هذه العملية (التخييل)، والناقد المدرك لكُنْه هذه العملية يعلم يقينًا أن التعامل معها لن يكتفي بهذه النظرة الطفولية البريئة التي تلمس معناها المباشر القريب الذي يمثل مع بنيانها اللفظي الظاهر قناعًا يتدثر به هذا العالم المصنوع في تجليه أمام أعين الناظرين إليه؛ لذا فإن الرحيل خلف ما يسكن في أعماق هذا المصنوع من دلالات تضعنا أمام حكم يتسنى لنا إدراكه: إن هذا المعنى القريب هو بمثابة نقطة اتفاق يلتقي عندها كل المتعاملين مع النص الأدبي في رحلة متابعتهم له، ويمثل درجة أو عتبة أولى الجميع يقف عليها بلا استثناء وهو المحطة الأولى، أو لو شئنا قلنا: السماء الأولى التي يعرج إليها ويمر منها كل الصاعدين بحثًا عن المعاني الأعمق الساكنة خلفها، وفي السعي إلى الوصول إلى تلك المعاني تتبدد حالة الاتفاق هذه لتصير فرقة واختلافًا بدرجة كبيرة؛ إن إنتاج تلك المعاني المفترضة يخضع إلى حد كبير إلى شخصية الناقد ورصيده الفكري وأدواته في القراءة وقناعاته، وليس كل النقاد سواء في هذا الشأن؛ ومن ثم تصبح المعاني الثواني مجالًا خصبًا رحبًا لقراءات متنوعة لا يُعلم لها عدد أو سقف تقف عنده؛ إن الثابت أو الأحادي إذًا على المستوى اللفظي وعلى مستوى المعنى المباشر القريب يستحيل إلى متعدد متنوع على مستوى الدلالة العميقة وكنهها، وفي حقل الفلسفة ظهر توجه يعدُّ وثيق الصلة به ما يسمى بمناهج نقد النصوص وعلم التلقي في النقد الأدبي في أطواره الأكثر حداثة؛ هذا التوجه هو الهرمنيوطيقا (Hermeneutics) التي ترتبط في عملها بالتعامل مع النصوص الدينية (الكتاب المقدس) وآليات استخراج المعنى(8).
بناءً على الطرح السابق فإن النص المؤسس على اللغة إذًا هو بمثابة علامة تتكون من دال (شكل لغوي ظاهر) ومدلول (معنى)، هذا المعنى هو ما يقف منه المعنيون به على مذاهب أو حالات شتَّى؛ إذ ليس كل القراء يمتلكون القدرة على المضي قدمًا من المعنى الظاهر إلى المعنى الكامن أو الخفي للنص، الذي يحتاج في إنتاجه إلى زاد معرفي يجب أن يحصله من يريد النهوض بهذه العملية، هذا الزاد وثيق الصلة بغايات ومقاصد يرمي إليها صاحب النص، هذا الزاد وثيق الصلة بظروف وملابسات تتصل بالمقام والظرف الزماني والمكاني المحيط بالنص عند ظهوره، هذا الزاد وثيق الصلة بضوابط يجب أن يعيها من يريد النهوض بهذه العملية تتصل بعملية الانتقال من المعنى القريب إلى غيره، والشروط الواجب مراعاتها؛ فهناك شطحات في التأويل قد تذهب بالنص بعيدًا؛ خصوصًا فيما يتصل بالنصوص الدينية؛ وهذا يعني أن المهتمين بمسألة التأويل ليسوا على حال واحد هم أيضًا(9).
النص الأدبي بين مسار الأديب ومسار الناقد
إن هذه العلاقة ذات الإيقاع المميز التي تجمع الذات الإنسانية على وجه العموم والذات المبدعة على وجه الخصوص بعالمها التي يمكن أن نحدها في طرفين، يؤدي أحدهما إلى الثاني: التجربة الشعورية (التفاعل مع العالم)، والتجربة الشعرية (تحول هذه الحالة التفاعلية إلى نسق تعبيري مميز)، تتصل بإحدى ثنائيات عالم اللغة السويسري فردينان دي سوسير التي يحتويها كتابه: محاضرات في علم اللغة العام (محور العلاقات الاستبدالية، ومحور العلاقات السياقية الترابطية)؛ إن الطرف الأول منها يشير إلى منطق الاختيار أو الاقتناص؛ أي أخذ المبدع من العالم ما قد ترك أثرًا في الوعي جديرًا بالتدوين والتسجيل على طريقة تعبيرية مخصوصة، أما الطرف الثاني المتعلق بمحور العلاقات السياقية فيأخذنا إلى البناء التعبيري المشكل في صيغته اللفظية الظاهرة(10)، ويبدو أن هذه العلاقة تدفع بقوة الناقد إلى الجمع في عمله بين هذين المحورين الأثيرين:
- محور الرصد الشكلي الاستقرائي للقيم الجمالية للنص الإبداعي وإدراك العلاقات الرابطة بين عناصره، انطلاقًا وإيمانًا بما ذكره أرسطو بشأن مصطلح المحاكاة؛ إذ يستطيع من خلالها أن يتبين ما يسود العمل الفني من خلق وانسجام وتناسق؛ لذا فإن على الناقد عبر هذا المحور إضاءة ما تنطوي عليه أجزاء العمل من تفاعل فيما بينها، هذا التفاعل يشجع على ضرورة وقوف العملية النقدية على أمارات تفرد كل تجربة شعرية وتميزها بسمات خاصة عن غيرها(11).
- محور الاستكشاف الدلالى أو إنتاج القيم الدلالية للنص الإبداعي، وفي هذا المحور تبدو جلية فرادة كل ناقد وقدر الاستقلالية الذي يحظى به عن غيره في المجال نفسه؛ فعلى الرغم من التوظيف المنهجي الذي قد يلتقي عنده الناقد الواحد بغيره فإن الوقوف على المعنى الثاني قد يمثل فرصة سانحة للحضور الفردي لشخصية كل ناقد على حدة.
وفي هذا المحور الأخير نضع أيدينا على اتجاهات منهجية تحظى بانتشار كبير منذ بدايات القرن العشرين وتحديدًا مع الأثر الفاعل الذي خلفه فردينان دي سوسير في حقل الدرس اللساني، ولا يزال لها وجودها الواضح داخل الساحة النقدية، نقصد بالتحديد السميولوجية؛ بوصفها حاضنًا وراعيًا لمناهج التلقي أو قراءة النصوص وبجوارها ما يسمى بالنقد الثقافي ومقولاته التي تمنح شخصية الناقد طابعًا موسوعيًّا؛ بما تفرضه عليه من إلمام بحقول معرفية، كالتاريخ وعلم النفس والفلسفة وعلم الاجتماع، إضافة إلى دراياته باللغة وبالأدب وفنونه بالطبع؛ إن السيميولوجية أو علم العلامات التي خرجت من رحم ثنائيات فردينان دي سوسير الشهيرة، وتحديدًا ثنائية (الدال والمدلول)(12) التي ضمنها كتابه: محاضرات في علم اللغة العام تعد بمثابة البوصلة التي تضبط حركة الناقد المتوسل بأدوات منهجية موضوعية في أثناء تعامله مع عالم المبدع المصنوع، ولذلك فإن هوية النص التي يكتسبها بفضل خصوصية تشكيله من قبل صاحبه تتأكد بفضل شخصية الناقد التي تتجاوز بتلك الخصوصية عتبة القيم الجمالية ووسائل الربط بين أجزائه إلى عتبة المعنى الذي يجعل النص قابلًا للحياة وللحركة والتمدد الأفقي في فضاءات تتداوله وتجعل من الشكل الذي تمت صياغته بآلية تشد المتلقي إليه مطية لميلاد قد يكون جديدًا له بفضل حالة التأويل التي سيتعرض لها وما قد تسفر عنه من دلالة لم يكن قد سُبق إليها خلال رحلته في فضاء النقد والقراءة.

تعليق