البعد التداولي في دراسة اللغة مع أحمد المتوكل
سهام محجوبي
سهام محجوبي
إن اللغة سلوك اجتماعي يعبر به الناس عن أفكارهم، ونشاط تقوم به جماعة من الناس بهدف التواصل وتحقيق المصالح، واللغة تؤدي وظائف متعددة في حياة الفرد والمجتمع، فهي وسيلة الفرد للتعبير عن مشاعره وعواطفه وأفكاره، وبها يقضي حاجاته وينفذ مطالبه، ويحقق مآربه في المجتمع الذي يحيا فيه، وبواسطتها ينقل تجربته للآخرين، كما أنه يطلع على تجاربهم الحاضرة والماضية، ولذلك أبدى علماء اللغة اهتماما كبيرا في العصر الحديث بالعناصر الموقفية في اللغة التي لها ارتباط وثيق بغرض المتكلم وقصده، وبهما نشكل التراكيب اللغوية.
والنحو العربي يعتبر من الأنحاء البنيوية، التي تصف اللغة وصفًا بنيويًّا لا يتجاوز تحديد المعاني النحوية من خلال استظهار حركات أواخر الكلمات في حدوده الدنيا، كما أن الحركة النحوية الغربية (البنيوية والتوليدية التحويلية خصوصًا)، تدرس اللغة كظاهرة اجتماعية دراسة علمية، لم تتعد أن تكون واصفة للغات الطبيعية (المستعملة)، وأيضًا بوصفها أنساقًا تركيبية مجردة، وتعزلها تمامًا عن الخلفيات غير اللغوية، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن النظر إلى المعنى من خلال إطار لغوي خالص يعد أسهل بكثير، إذ لو نظرنا إليه من خلال الظروف غير اللغوية، فإن ذلك يعني أن علم الدلالة سيشمل مجموع المعارف الإنسانية، لهذا فإن نظرية النحو الوظيفي لـ"سيمون ديك" التي تبناها وطبقها بكفاءة "أحمد المتوكل"، استطاع من خلالها أن يقدِّم مجالًا نظريًّا وتطبيقيًّا جديدًا لدراسة اللغة العربية؛ حيث أكد أهمية البعد التداولي في تفسير تراكيب اللغة ووصف نحوها، ومضيفًا إلى قواعد النحو العربي وصفًا دلاليًّا وتداوليًّا، وناظرًا إلى الوظيفة نظرة مركزية، تماشيًا مع مبدأ البنية تابعة للوظيفة.
فأحمد المتوكل يعد من أبرز ممثلي الاتجاه التداولي في الكتابات العربية الوظيفية والتداولية الحديثة، ويظهر ذلك من خلال أعماله المتنوعة في هذا المجال، وخلاصة ما قدمه هذا الباحث: أن التحليل التداولي للغة يقتضي الاهتمام بتحديد طبيعة الوظائف التداولية في اللغة العربية، حيث تتميز دراساته الوظيفية للغة باستنادها إلى ثلاث عناصر هي: "التركيب والدلالة والتداول".
وبالتالي فإن هذا الاتجاه يدرس اللغة ضمن ارتباطها بظواهر مقامية، ويرى أن ما تدل عليه اللغات لا ينحصر في الصيغ التركيبية وحدها، فأضاف مكونًا تداوليًّا جَنبًا إلى جنب مع المكونين التركيبي والدلالي، اتخذه مكونًا قاعديًّا بالنسبة للمكونات الأخرى، حيث يسهم في إمدادها ثلاثتها بما يحتاج إليه اشتغالها من معلومات، فهذا الاتجاه يراعي البعد التداولي عند معالجته للظاهرة اللغوية، هذا البعد الذي يربط بين البنية اللغوية والمظاهر المقامية التي تنجز فيها، وهنا أضيف أن ثمة قدرًا معقولًا من توافق النظر بين تلك المعطيات المعاصرة، وما جاء في تراثنا اللغوي والبلاغي بخاصة، من ضرورة الربط بين بنية المقال ومقتضيات المقام، وأضف إلى ذلك أن المقاربات التي تصل بين النظرية اللغوية التراثية والاتجاهات الحديثة صارت مطلبًا ضروريًّا، وأمرًا لازمًا ومهمًّا ونافعًا، تُبين لنا مدى أهمية الربط بين الفكر اللساني المعاصر والتراثي القديم.
إن استثمار هذا التوجه اللساني الحديث في دراسة اللغة له فوائد جمة، لكننا قليلًا ما نجد بعض الدراسات تتخذه مادة للبحث، ولأنه قارب بين البنية والوظيفة، فهذا بحد ذاته محفز كبير للاهتمام به، واللسانيات العربية تعرف اليوم انفتاحًا حضاريًّا على النماذج والتحليلات والنظريات التي عرفها العالم الغربي منذ عقود، ولعل هذا الوضع الحضاري يفرض على الدارس اللساني بدوره أن يسهم في هذا الانفتاح الحضاري بشكل أو بآخر.
المصدر
